الرئيسية | منوعات الوطن | تأويل شخصي لـ(الهوسة)

تأويل شخصي لـ(الهوسة)

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
محمد غازي الأخرس  
 
وعدت أن أرجع لفن الأهزوجة الذي توقفت عنده في عدد من المقالات، واليوم سوف أتأمل ما يسمّى (الربّاط)، ويعني (الهوسة) التي يتلقفها الرجال في ميدان العراضة ويهزجون بها. وقبل أن أمضي معه، عليّ التنبيه إلى أن (الرباط) يرادف (الردّة) في اللطمية، من جهة، و(راس المشدّ) في تعازي النساء، من جهة أخرى، وصيغته أن يطلق المهوال عبارة شعرية يقفل بها مقطوعته. وعادة ما يكون الربّاط من بحر الخبب المتكوّن من تكرار تفعيلة (فِعْلُنْ) التي وزنها:  حركة ثم سكنة ثم حركة بعدها سكنة.
إيقاع هذا البحر مستوحى من خبب الخيل، أي حركة سيرها، ومثاله قول الشاعر: أبكيت على طلل طربا، فشجاك وأحزنك الطللُ. وثمّة من يقول إنَّه من مخترعات الشعراء العباسيين. لهذا لم يدوّنه الخليل بن أحمد، وبقي مهملا إلى أن تنبه له الأخفش فوصفه ونظم على غراره. ثم استحسنه أبو العتاهية واشتهر على يديه حتى وصلنا فصار من أجمل البحور وأكثرها صخبا داخليا. ومنه قصيدة السيّاب الرائعة (أغنية في شهر آب).
مسألةُ اختراع العباسيين له غير مقنعة بالنسبة لي، ولديّ، بهذا الصدد، تأويلٌ لإهمالِ الخليل له وعدم عناية جامعي الشعر به. وهو أن هذا البحر ربما كان محتقرا لارتباطه بفئةٍ من الناس قد يكون مهوالنا الحاضر وريثا لهم. لعلّ راجزا آخر اختفى من مدونات جامعي الشعر لضآلة دوره أو سهولة فنّه. أعني مهوالنا القديم الذي ظلّ في الهوامش ولم يطوّر فنه في حواضر الخلفاء والأمراء، فكان أن نسي فنه وضاع.
(الربّاط) في الأهزوجة يتبع هذا الإيقاع، فهم يقولون مثلا: الشال من أهل الملعب موش شلون شلون، أو: يا غيم اكلك واهتز بينه. أمّا في (راس المشد) النسوي، فيمكن أن يكون الإيقاع من (الرجز) أو (الهزج)، إضافة للخبب. وتفعيلة الرجز الرئيسة (مستفعلن) التي قد تتحول إلى مفتعلن حيث يمكن أن تتتابع حركتان أو ثلاثا تليهنّ سكنة. كذلك الأمر في الهزج الذي تفعيلته (مفاعيلن). من الخبب، مثلا، قول المعزّية: صبّح ركن من اهلنه اليوم مهدوم، ووزنها: فعلن فعلن فعلن فعلن مفعول. أمّا من الرجز فقولهنَّ: خوالي وجرح البكلبي يلجمونه، ووزنها: مفاعلن مفاعلن مفاعيلن.  
ولكن لماذا يأتي (الربّاط) الرجالي من الخبب دائما في حين يمكن أن يكون الرجز أو الهزج إيقاعا للطم النساء؟ الجواب أن الرجال يستخدمون أرجلهم في ضبط الإيقاع، ولهذا يصعب تتابع حركتين أو ثلاث قبل الوقفة. بينما النسوة يستخدمن أكفهنّ موقعات بها على الصدور، ومن الممكن هنا التحكّم بسرعة الإيقاع أو بطئه. ورغم أن الموضوع الانفعالي واحدٌ في الفعاليتين، إلّا أن صخب المزاج الرجولي وحماسته يمنعهم من التفنن بالأرجل لتنويع حركاتها، في حين تفعل المرأة ذلك فتراها تنوّع حسب مزاج التعزية؛ في بعض اللحظات تتصاعد الهستريا، فتركنَّ إلى بحر الخبب في (راس المشد) قائلة: شبيت وانجبيت من جاني العِلِمْ. ثم يحدث أن تخفّ الغلواء في لحظة أخرى فتراها تهزج أو ترجز قائلة: من فوك الجبل طاحت البيريه. 
في (الردّة) الحسينية وإنشاد الدراويش، يختلف الأمر موضوعيا وشكليا فيستخدم الرجال أكفّهم لا أرجلهم، ولذا لا يحدّهم إيقاع الخبب، بل يركنون لإيقاعات أخرى ذات تنويعات مختلفة.
في كلِّ الأحوال، سواءٌ استخدمت الأرجل أو الأيدي في ضبط الوزن، عند الرجال والنساء، فإن ثمّة خلاصة يمكن توقعها، وهي أن الإيقاعَ، من هذا النوع، بدائيٌّ جدا، ذلك أنه يرتبطٌ بجسدِ الإنسان مكتفيا به عن أي آلة مصنّعة. بل لعله يحيل إلى لحظة منسيّة حاكى أجدادنا خلالها حركات الحيوانات التي رأوها وعاشروها من ثيران إلى طيور، ومن أسماك إلى خيول.
نعم، حركة الأيدي الواقعة على الصدور تذكّرني بضرب الطيور أجنحتها على صدروها أثناء التحليق. مقابل ذلك، قد تكون حركة ضرب الأرجل على الأرض مستلهمة من ضرب الثيران لقوائمها الخلفية في التراب، ولا يحدث هذا إلّا في لحظات الانفعال الشديد والهياج المفاجئ فتأمل أعانك الله!
هذا ما لديّ اليوم ولي عودة.
 
جريدة الصباح العراقية  

شوهد المقال 2033 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رائد جبار كاظم ـ التظاهرات في العراق تعدد السيناريوهات وصراع الارادات

د. رائد جبار كاظم  واقع الحال أن ما يجري في العراق من تظاهرات وأحتجاجات شعبية منذ مطلع تشرين الأول 2019، وأستمرارها الى يومنا هذا
image

سعيد لوصيف ـ في مشروعية مطلب الثورة في تمدين الدولة ،،، هلاّ تحدّثنا بهدوء؟

د.سعيد لوصيف   يعتبر تناول موضوع الفصل بين السلطة العسكرية و السلطة المدنية، موضوعا يحوي على الكثير من الحساسيات لدى الكثير من النخب السياسية
image

رضوان بوجمعة ـ من المحاكم الخاصة إلى قضاة القوة العمومية!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 132  ستبني الجزائر الجديدة سلطة قضائية مستقلة عن باقي السلطات، عندما تنجح في بناء المؤسسات ودولة الحق والقانون من قبل مجتمع
image

عثمان لحياني ـ كتاب واحد ..قاموس الأزمة

 عثمان لحياني   تقرأ السلطة من كتاب واحد ربطت عقلها اليها، وأعقلت خيلها وخيالها الى قاموس التسعينات ، تغرف من ديباجته حرفا بحرف وتدبير بتدبير، ولم
image

يسين بوغازي ـ إستراتيجية الأقلية السياسية من لا يملك الى من لا يستطيع ؟

يسين بوغازي   إن أخوف ما تخافه الأقلية السياسية رئيسا مدنيا ، وإذا اقول رئيسا فالمعنى نهاية المناورات السياسية والإعلامية التي تبثها  الأقلية
image

يوسف بوشريم ـ من الإعتقالات والسجون السياسية إلى غلق صفحات الفايسبوك ..مؤشرات نظام يحتضر

 يوسف بوشريم   من الاعتقالات والسجون السياسية إلى الإعتقالات والسجون الفايسبوكية مؤشرات نظام يحتضر  بعد فشله الذريع في كل أشكال الثورات المضادة التي تهدف إلى إجهاض و إحتواء
image

رضوان بوجمعة ـ عبد المجيد تبون...موظف سياسي على باب القصر الرئاسي!

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 131سيحتفل عبد المجيد تبون بعيد ميلاده الـــ74 يوم 17 نوفمبر، وهو ما يصادف تاريخ الانطلاق الرسمي المفترض للحملة الانتخابية، فهل هي
image

عثمان لحياني ـ التاريخ يتحدث : تعاطي العقل العسكري

 عثمان لحياني  ثمة أطروحة تبريرية في تعاطي العقل العسكري راهنا مع الشأن العام وفرضه مسارا سياسيا محددا، ويعتبر أصحاب هذه الاطروحة (بحسن نية
image

نجيب بلحيمر ـ مرشح الفراغ

نجيب بلحيمر   عاشت الجزائر في ظل شغور فعلي لمنصب رئيس الجمهورية ست سنوات, وكانت هناك نية في تمديد فترة الفراغ لخمس سنوات أخرى.هذا هو الفراغ الذي
image

ناصر جابي ـ رئاسيات الجزائر: انتخابات ليست كالانتخابات

د.ناصر جابي  يشكِّل الشباب أغلبية الجزائريين ولم تعد الانتخابات الشكلية تستهويه مثل سكان المدن بالشمال حيث الكثافة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats