الرئيسية | منوعات الوطن | وظائف الأغاني والأناشيد

وظائف الأغاني والأناشيد

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
محمد غازي الاخرس
أنا من الذين تسعدهم رسائل القرّاء، لا لشيء سوى ليقيني أنها ذات جدوى. ولهذا سأقف اليوم عند رسالة رائعة وردتني من قارئ غالبا ما يعلّق على مقالاتي بأفكار نيّرة فيلهمني أو ينبهني لزاوية نظر جديرة بالتوقّف.
الرسالة تتعلق بما كتبتُ مؤخرا عن المهوال وعلاقته بالراجز، مشيرة لأرجوزة معاصرة تُبثُّ في الفضائيات منذ فترة عنوانها "ما دنك راسي"، وهي من كلمات قصي عيسى وأداء جلال الزين. يقول مطلعها: احنه أهل الغيره الأصلية، ولد الملحة والغربية، دلتنه بالعز مبنيه، ومبنيه بعز دلتنه. 
الحق إنني سمعت الأغنية سابقا. وانتبهت حينها لحماستها الرهيبة لدرجة أنّها ذكّرتني بأغاني الحرب، وألقت بي في وسط أتون اسمه المشاعر البدائية، حيث المهيمنة الجمالية مستقاة من قيم ثقافية متحجرة. وفي الاثنتين ثمة استنهاض للغيرة وتفجيرٌ للانفعال وذوبانٌ بصوت الضمير الجماعي القادم من أعمق طبقة فينا. والنتيجة أن الأغنية تبدو مرعبة وتجعلك تشمخ بنفسك وتحتقر كلَّ أعدائك. بل لكأني بالسامع العراقي هو ينصهر بها، قد يتحول لتنين أعظم من العالم كلّه: أبطال وشيمتنه الغيره، واللي ينعثل فجه نديره، ليمسنه نطيّح تقديره، وكلمن عادانه نخلي دمه بطوله.. كلمن عادانه، نخلي دمه بطوله!
 الحال أن وظيفة هذه الأغنية، وهي هنا عينة لما يفعله الراجز والمهوال، تتنافى مع العقل وتتوجه للانفعال البربري ضاربة على وترٍ شبه مقدس، معيدة تشغيل نسق مضمر يحرّكنا كلّ لحظة ويتخّلص في الآتي: أنا خائف من عدوٍ يتربّصني، ولذا، يتوجّبُ عليّ أن أخيفه باللغة والإيقاع.
دعكم من المستوى الثقافي للسامع أو إيهامه لنفسه أنه خارج دائرة التأثّر بمثل هذه البلاغات. دعكم من ضحكنا الظاهري منها وانتقادنا لها، فثمة في داخل كلّ منّا، إلاّ ما ندر، متخيّلٌ مستعدٌّ لتقبلها مهما أدعى صاحبه غير ذلك. هناك، بالأحرى، جينات نائمة تستيقظ على وقع الطبول والصنوج وتتراقص فورا بمجرد سماع الأرجوزة التي هي أهزوجتنا الراهنة.  
الدليل على قدسيّة هذا المتخيّل هو أنني، حين أردت وصف تأثير الأغنية، شعرت بالعجز التام، ثم خطر لي أنه أذا أردتُ توصيف شعوري فربما عليّ أن ألج إلى شرايين قلبي ثمّ أرقب كيف تنتفخ مع كلِّ (ربّاط) وكلمة، أو أن أدخل إلى أعصابي ثم ألحظ كيف تستثار مع كل (كوبليه) ووصف واستعارة وكناية.
اسمعوا للمهوال ماذا يقول موجها كلامه لـ(آخر) لا نعرف من يكون: خاف انته ما سامع بينه، أحنه المحد يندك بينه، تعرفنه وتعرف ماضينه، وماضينه ابيض موش أسود!
صدٍيقي الذي أرسل الرسالة نبّهني إلى أنها "تخاطب اللاشعور لدى شريحة المكاريد". ثم حدّثني كيف أنه لاحظ قبل فترة، في حفلِ زفافٍ حضره، كيف تفاعل شبّان من منحدرات فقيرة مع مقاطع بعينها مثل هذا: نومة ذيب تنام عيوني، الكل يردون يغدروني، صكّار الزلم يسموني، واقره بجنسيته، ملك الموت عراقي!
تأويل صديقي لتركيز الشاعر على مفردة "الغدر" أن هناك إحساسا مستمرا بعدم الأمان تناقلته الأجيال جيلا بعد آخر. وأن هلع أمهاتنا من زوّار الليل ربما تُرجم عبر الكناية الشهيرة المأخوذة من الذئب الذي ينام بعين واحدة. هذا التأويل صحيح جدا، وكنت قد كتبت عنه أكثر من مرة قائلا اننا تآلفنا مع المخاطر لدرجة أننا تخيّلنا أنفسنا ذئابا تَغدرُ ولا تُغدر؛ وهل أراني سأنسى تلك (الكولة) التي أطلقتها امرأة، ذات يوم، وهي (تلاجي) ـ تعزّي ـ بموت رجل شجاع، كانت تصرخ ـ يا ذيب شطاعك للنومه!
لقد كانت ترتجي منه أن ينتصر حتى على عزرائيل، فكيف بالبشر الضعفاء الذين يرتعشون منه ومنا حين نهزج؛ يلي كبال الموت تمتمت، عل الموت احنه زروك نجيت، ما ننام وعل الباطل نسكت، لو مال عكالي والله الدنيه احركهه!
الغريب، بل المخيف، أن الأنشودة العنيفة هذه مصاغة من قبل عقول شابة وليست ذات منحدر ستيني أو سبعيني أو ثمانيني. وهذا معناه أنّ متخيل العنف الرمزي لا يزال يرفد الساحة بالمواهب..
ولو مال عكالي والله الدنيه أحركهه!
 
جريدة الصباح العراقية . 

شوهد المقال 2223 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ الانتخابات المستحيلة وإعادة اختراع "الشعب"

نجيب بلحيمر   ثلاثة أيام من الحملة الانتخابية كانت شاقة وطويلة على المرشحين الخمسة. كل المؤشرات تقول بأن المخاطرة لم تحسب جيدا من طرف السلطة الفعلية،
image

العربي فرحاتي ـ حتى يخرس الخراصون ..انعدام معايير الإنتخاب في الجزائر

د. العربي فرحاتي  ما أجملها من قيمة إنسانية حين نجعل "من الحبة قبة " في مثل حدث المرأة التي إعتدي عليها بالملاسنة..ما أجمل أن
image

محمد هناد ـ أصل الداء ..قيادة العسكر باسم الشعب

د. محمد هناد  إصرار القيادة العليا للقوات المسلحة على المضي، بسرعة، بالانتخابات رغم المعارضة الشعبية الواسعة لها لأسباب لا تحتاج إلى توضيح، يدل على أن
image

نوري دريس ـ برنامج مرشحو هواة التعيين

د.نوري دريس   حتى بوتفليقة في حملته الانتخابية الاولى , كان يقول انه سيحارب الفساد و يسترد الأموال المنهوبة...و حصيلة رئاسته باتت معروفة, و اللخزي الذي لحقه
image

فارس كمال نظمي ـ الثورة ... بين النقصان والاكتمال..!

 د.فارس كمال نظمي  يقول فكتور هوجو: ((الثورة فيضُ غيظ الحقيقة))، لكن الحقيقة لا تتحول إلى ملموس واقعي متحقق على الأرض دون إطار سياسي ذي حدٍ
image

مصطفى قطبي ـ تصعيد الاقتحامات والانتهاكات للحرم القدسي... هل هو تحضير لمخطط تهويد الأقصى وإعادة بناء الهيكل المزعوم...

مصطفى قطبي* ما يجري من عدوان يومي ممنهج بحق المسجد الأقصى من قبل شرطة الاحتلال ومستوطنيه تخطى كل عدوان سابق وكل ما يمكن تخيله منذ
image

نجيب بلحيمر ـ تبون.. الإثارة ومخرج النجاة

نجيب بلحيمر   هل للجيش مرشح في انتخابات 12 ديسمبر؟ رئيس الأركان أجاب قبل طرح السؤال بأن الجيش لن يكون له مرشح، وبالأمس فقط قال
image

أحمد سعداوي ـ انتفاضة تشرين العراقية

 أحمد سعداوي    قد لا يبدو من الواقعي القول أن انتفاضة تشرين انطلقت منذ البداية بوعيٍ حاضر للاعتراض على النفوذ الإيراني، أو أن الكثير من
image

رضوان بوجمعة ـ انتخابات في الجزائر تحت ضغط الاعتقالات والمظاهرات (1)

د. رضوان بوجمعة  تبدأ اليوم الحملة الانتخابية للرئاسة الجزائرية التي عُيّن لها موعد 12 كانون الأول/ ديسمبر. فمن يكون هؤلاء الخمسة الذين أعلنوا ترشحهم وما

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats