الرئيسية | منوعات الوطن | الأهازيج قصيدة العصر !

الأهازيج قصيدة العصر !

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 
 محمد غازي الأخرس
تحدثت أمس عن الشعر الشعبي وإحالته لطقوس بدائية تمتزج فيها الموسيقى مع الكلمة ، وها أنا اليوم أستطرد في المسألة لأقول ان الأشكال التي أعنيها تتعدى الشعر المؤدى من قبل المهوال لتصل إلى الرادود الحسيني والمنشد الصوفي ، ثم تنتقل ، إلى غناء الأمهات ومراثي العدادات ونعاويهنّ ، ثم لا تتوقف حتى تتمظهر في أغاني الفلاحين وحفلات السمر التي غالبا ما يؤديها مطربان على الصينية . 
كل هذه الأشكال تعود لطقوس بدائية برأيي، طقوس كانت تمارس في المعابد حيث الترانيم تتعالى مع الطبول يرافقها تحريك لأجزاء من الجسد. وفي ذاكرة المأثورات النحتية المنحدرة إلينا من العراٌقيين القدامى براهين كثيرة على تلك الطقوس.   
هذه الأشكال لا تعدو كونها نوعا من أنواعِ الرواسب الثقافيّة التي غالبا ما تبقيها العصور ويمكن أن تطالعنا هنا وهناك. والرواسب الثقافية ، أيها السادة ، هي "سمات ثقافيّة تلكأت في سيرها وتخلّفت عن ركب التطوّر، أو على الأقل لم تتطوّر بنفس السرعة التي تطوّرت بها بقية السمات والنظم". بمعنى أن الشعر العربي القديم كان انفصل عن الأغنية بشكل تدريجي ، ثم تطوّرت سماته إلى أن صار شكلا لغويا منفصلا. وفي الوقت الذي تبدّلت الخصائص وولد الشعر، كانت بعض شظاياه قد بقيت تشتغل في ثقافتنا الشعبية ، ثم ، بسبب تبدل وظيفتها ودخولها في سياق جديد ، طوّرت هذه الشظايا ، من جهتها ، بعض السمات القديمة ، فكان أن ولدت ، في فنون الدنيا ، الأهزوجة والمربع البغدادي والتعديدة والنعاوى وغيرها ، بينما نشأت في الفنون الدنيوية ، اللطميات وغناء الدراويش وفن النعي. 
الملاحظ في هذه الفنون المعتمدة على الصوت وترجيعه ومشاركة الجماعة فيه ، أن أداء الشعر يتراوح بين الإلقاء والترنّم . وفي كثير من الأحيان ، يصبح الأداء غناءً بكل ما يعنيه الغناء. 
من غير الخافي ، بهذا الشأن، أنَّ في كلّ عشيرة أو قرية ، يوجد دائما مهاويل (مهوسجيه) يتوفرون على أصواتٍ جميلة وبراعة في الأداء ، فضلا عن كونهم شعراء أو حفّاظا للشعر. بل قد نجد أنفسنا ، في حالات ، أمام شعراء ذوي أصواتٍ رائعة يمزجون بين الفنين حتى خارج الأهزوجة ، والمثال الأشهرُ هو مظفر النواب الذي يؤدي كثيرا من الأطوار الريفية ببراعة لافتة. 
الطفرات الوراثية في الشعر الفصيح قد تكون نادرة لكنها موجودة ومثالها الشاعر فوزي كريم ؛ أتذكّره في أمسية بعمان وهو يلقي شعره كالعادة ، ثم يصمت بجلال ويترنّم به وكأنه كاهن أو رادود . كانت طريقته مهيبة ولن أنسى أنه استولى على الجمهور بشكل كامل وأعطى لقصيدته ملمحا طقسيا يبعث على الدهشة. 
الخلاصة أن افتراضي يقوم على الآتي : ما يتطوّر بفعل نشوء الثقافات العالمة يتبقّي منه شيء دائما في الثقافات الشعبية ، وما نراه الآن في فن الأهزوجة ، ونعدّهُ شكلا متخلفا ، إنما هو شكلٌ أصلي حافظ على السمات المندثرة وورثها. لعل الأمر يشبه أن تنفصل ذراع يمنى عن توأمها اليسرى في جسد واحد ، فتتطور الأولى في حين تبقى الأخرى محافظة على شكلها القديم . 
في أحد أيام الثمانينيات ، أتذكر أنني شاهدت في التلفزيون شاعرا من الجنوب ينشد على منصة مهرجان تعبوي . كانت طريقته في الإلقاء بالغة الطرافة وقد ذكرتني فورا بنعاوى النساء. كنت حينها مهووسا بتسجيل الأشعار والأغاني في كاسيتات ، ولهذا سارعت إلى مسجلى ووثقت القصيدة. ما زلت أتذكر خاتمتها التي تقول ـ طلك بيك الحزب جم عام جاب ونعم ما أنجب! 
المهم أن الفكرة واضحة وضوح الشمس ، وقد نبّه لها باحثون كُثر كما قلت في مقالة سابقة ، وملخصها يفيد كما يقول صديقي حيدر سعيد أن "الشعر فنٌ داخل الموسيقى ، كان شكلا موسيقيا ينظّمُ الانفعالات الجماعيّة بكلِّ صورها في المجتمعات البدائية ، أي المجتمعات التي لم تتطوّر فيها أشكال موسيقية أخرى" . 
ولهذا فإنّ " قصيدة هذا العصر هي الأغنية " ، ويبدو علينا الآن أن "نبحث عن الشعر خارج ما ألفناه ، خارج المجموعات الشعرية والأعمال الكاملة والكتب الأنيقة التي تزيّن الرفوف" .
هل علينا البحث عنه في (الكليبات) وتسجيلات (المهوسجيه) ؟ 
هذا ما سأتوقف عنده في مقالة أخرى فانتظروني . 
 
جريدة الصباح العراقية  

شوهد المقال 2195 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

ناصر جابي ـ رئاسيات الجزائر: انتخابات ليست كالانتخابات

د.ناصر جابي  يشكِّل الشباب أغلبية الجزائريين ولم تعد الانتخابات الشكلية تستهويه مثل سكان المدن بالشمال حيث الكثافة
image

نسيم براهيمي ـ فيلم الجوكر .. من أين يأتي كل هذا العنف في العالم ؟

 نسيم براهيمي    من الصعب جدا أن تشاهد فيلم الجوكر متحررا من تفصيليين مهميين: حجم الإشادة التي رافقت عرضه وأداء هيث ليدجر لنفس الدور في
image

رضوان بوجمعة ـ علي بن فليس كرسي الرئاسة.. من الهوس إلى الوسوسة

 د.رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 130  علي بن فليس في آخر خرجة إعلامية له يقول عن نفسه، إنه "معارض شرس منذ ماي 2003"، وهو تاريخ
image

يسين بوغازي ـ ذكرى الليل والنهار القيام النوفمبري

يسين بوغازي  يستحودني  قيامه  الذي  لا يفنى مثلما الأعياد   فيدور مع الليل والنهار ويأتي مع  كل عام  ، يستحودني  قيامه بطعم  الإحتفالية  وقد  أخدت
image

فوزي سعد الله ـ خمسة أبواب لثلاثة قرون: أبــوابٌ صنـعتْ التَّــاريـخ لمدينة الجزائر

فوزي سعد الله   "أَمِنْ صُولة الأعداء سُور الجزائر سرى فيكَ رعبٌ أمْ ركنْتَ إلى الأسْرِ" محمد ابن الشاهد. لايمكن لأي زائر لمدينة الجزائر
image

السعدي ناصر الدين ـ لنقل اننا وضعنا انتخابات 12/12 وراءنا وصارت كما السابقة بيضاء..ما العمل؟

السعدي ناصر الدين    سيلجأ النظام لتوظيف شخصية او شخصيات من تلك التي احترمها الحراك السلمي حتى الآن لأداء دور الكابح للارادة الشعبية كما فعل مع
image

عثمان لحياني ـ في شريط "لاحدث" وتكرار المكابرة

عثمان لحياني   عندما كان الراحل عبد الحميد مهري (والعقلاء حسين آيت أحمد وأحمد بن بلة رحمة الله عليهم وجاب الله وغيره) يطرح مقاربته الحوارية
image

عبد الخالق كيطان ـ دعوا الموسيقى لنا وخذوا عرباتكم .. إلى شهيد مظاهرات الغضب أمجد الدهامات

عبد الخالق كيطان                عرباتكم المليئة بالجنود والجواهر  خذوها وخذوا الخيول معكم
image

مصطفى قطبي ـ في ذكراك يا سيّدي رسول الله: لسنا أفضل أمة أخرجت للناس ولن نكون...!؟

مصطفى قطبي يعيش العالم الإسلامي هذه الأيام ذكرى مولد نبيِّه الكريم، وهو أكثر فرقة وتشرذماً في مشارقِ بلاد المسلمين ومغاربها، وقد غذى الإستعمار الجديد المتمثل بالولايات
image

اليزيد قنيفي ـ الزلزال ...!

اليزيد قنيفي  قال جنرال تركي عقب الزلزال الذي ضرب تركيا العام 1999..إنها لحظة تطَهُر وتوبة شاملة ...ما حدث في الجزائر يوم 22 فيفري 2019

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats