الرئيسية | منوعات الوطن | مرزاق سعيدي ـ صابون دزاير الذي اصبح صابون مرسيليا " وزارة الدفاع.. "الصابونية" و"جوبير"!

مرزاق سعيدي ـ صابون دزاير الذي اصبح صابون مرسيليا " وزارة الدفاع.. "الصابونية" و"جوبير"!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
مرزاق سعيدي 
 
حيث تُوجد مباني وزارة الدفاع حاليا، زرع الأتراك غابة كبيرة من "الصابونية" تمتد الى "فريفالون" شمالا، وجنان حسان غربا، سانت رفائيل جنوبا، وحي الموظفين، حاليا، شرقا، بأعالي الجزائر العاصمة، قبل قرون..
بقيت أشجار الكاليتوس، التي استخلفت اشجار الصابون الودودة، وحيدة تُناجي ذاكرة موتى مقبرة القطّار، المحاذية، علّها تجد من يُجيبها عن متى وكيف دمرت هذه الغابة، التي كانت تمُدُّ مصانع وورشات الصابون، برويسو حتى مطلع القرن العشرين، بالمادة الأولية وهي حبات صابون، لونها عسلي تسرُّ لناظرين، وأوراقها أيضا.
 
في رويسو بالجزائر العاصمة كان الصُنّاع البرتغاليون والأسبان (بعدما استحوذوا على تركة الأتراك) يفركون أيديهم، كلّ يوم، في مواسم ازدهار صناعة الصابون، وهم ينتظرون الحمولة التي يصنعون منها "صابون دزاير" ذائع الصيت، حينذاك، ليس في الجزائر فقط، بل في أوروبا، الى درجة أن الفرنسيين "أمّموا" هذه الصناعة بجودتها ونسبوها الى أنفسهم، إختصارا، وعُنوة، في "ماركة" مشهورة إسمها "صابون مارساي"..
كان من نصيب الجزائر، في ذلك الوقت، ثلاثة أنواع من 13 نوعا من أشجار الصابون السخية، في نفث الأوكسجين في الهواء، وسخية في مدّ "مرضى النْقا" برغوة كثيفة، لا تحتاج ماء كثيرا، ولذلك كان كلُّ من يحترم نفسه، في ذلك الزمن الجميل يصطحب معه "صابون دزاير" الى الحمامات، لتطهير بدنه وتزكيته بصابون "بيو"، لا مواد كيماوية فيه.. ولا رماد ولا شحم فيه، مثلما درج الرّومان ومن جاؤوا بعدهم على صناعة صابون، يتلاصق متى دعكته وأنت تستحثُّه على تقديم مزيد من الرغوة..
 
الخبرة التي اكتسبها اجدادنا في صناعة الصابون، من ما قبل العهد التركي، وحتى اليوم، تضيع في مداحيس الجارون خلف تدمير كل ما هو جزائري، بدواعي مضحكة أحيانا، مثل التبجح بالتطور والتقدم، والإستحمام بـ"لاكس" وأخواتها، المشبعات بمواد كيماوية، الله أعلم ما تثيره في الأجساد التي تعودت جرعات متتالية من المواد الكيماوية في المأكل والملبس والحمام.. تلك ملاحظة يكررها صاحب حانوت المفتي بالقصبة السفلى، على مسامع من يهوون سماع ما يذكرهم بماض قريب، فيه من إشعاعات المحبة، ما يصدُّ مغريات إشهار "كابيلان" وما بعده من مصائد النساء الإشهارية..
في هذا الدكّان، الوحيد، في عاصمة "الصابونية"، يوم كان للصابون إسم وعنوان، يُمكنك أن تطلب باعتزاز "صابون دزاير" أو "صابون المسلمين"، مثلما شاعت التسمية زمن الإحتلال الفرنسي إمعانا في تذكير الجزائريين كلّما غسلوا ايديهم ووجوههم بأنهم مختلفون عن الكولون.. حتى في الطهارة والصابون!
 
اليوم، لم يبق من صنّاع الصابون، بمواصفاته على العهد التركي، غير قلائل، بعضهم ما زال يصنعه في الأخضرية (باليسترو سابقا)، لا توظيب خاص به، ويباع بـ"الميزان"، ومع ذلك لم يفقد "أولويته" لدى من يعشقون الطبيعة وعالم "البيو"..
خارج السرب:
من يطوف اليوم بحي مناخ فرنسا، الذي اكتسحه الإسمنت، لا يشم رائحة "الدزاير" ولا صابونها، لا في العمران، ولا في بقايا "ريحة زمان"، ولا في الطبيعة، التي عبث بها الفرنسيون، وجرّدوها من بصمتها الجزائرية، من "فري فالون" الى تخوم الابيار، مرورا بـ"لا فونتين"، التي لم يبقى منها غير الإسم الذي توارى خلف آخر لا علاقة له بجمال المنطقة وعذوبة مياهها: "لا بوشري"!!
بعض بقايا الاشجار الباسقات من أحواز جنان حسان الى مرتفع السكالا ما زالت تغمز الباحثين عن الجذور وتمنيهم بوجود تاريخ جميل يختفي وراء الفيلات الموريسكية، والعمارات المبنية كيفما اتفق، في المنطقة، وتؤكد لهم أن "جوبير" لم يكن خادما للبيئة والطبيعة، بقدر ما كان مدمرا لها من أطراف باب الوادي الى أعالي بوزريعة..
 
مختصرات ومستحضرات:
1- "صابون دزاير" اليوم يستخرج بالأخضرية من أشجار الغابات والأعشاب والرماد و"المرج" (زيت الزيتون) القديم، وأغصان الكروم، خال من أية رائحة.
2- استخدم الصابون أول مرة في عام 2800 قبل الميلاد، حيث كان الناس يغلون الشحوم والرماد لصنع الصابون واسمه باللغة الرومانية (مونت سابو) وهو المكان الذي كان الرومانيون يذبحون فيه القرابين لآلهتهم فتتجمع الشحوم والرماد فيغسلها المطر بعد ذلك فتسير لتستقر على حافة نهر التايبر.
3- كان المصريون، في 1500ق.م، يخلطون الزيوت النباتية والحيوانية مع الأملاح فيحصلوا على صابون للغسيل وللعلاج من أمراض معينة.

شوهد المقال 7103 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

مريم الشكيلية - رسالة إلى لا أحد

مريم الشكيلية - سلطنة عُمان  هناك أشخاص يسكنون فراغك وآخرين يزاحمون تفاصيلك...لا أعلم إلى أي مدى سوف ندرك إننا واقعين في منتصف طريق بين جبهتين....ولا
image

علاء الأديب - الشعر الملمّع ..النشاة والهوية والمزايا

لم يسبق لأحد غير العراقيين بنظم هذا اللون من الشعر الذي مزج بين العاميّة والفصحى . حيث يكون صدر الببت فيه من اللغة العربية
image

شكري الهزَّيل - صادها وما صادها : السامج ومشتقاته!!

د.شكري الهزَّيل كان الحديث صاخبا وغاضبا حين اقسَّم " الاسلاموجي" بان هذا هو ليس " الاسلام" وان هذا الشخص لا يمت لنا باي صلة
image

أحمد جَلال - شبّبْ جِهازَك

 أحمد جَلال             شَبِّبْ جِهـازَكَ حَيْثُ كُنتَ وَكَيْفَمَـا
image

زاهدة العسافي - عنواني ... أمي

د . زاهدة العسافي  صغيرة كنت غير واعية على الحياة علمت أن أمي ماتت وهي تلدني تركتني واخوتي الثلاثة دون أن أراها أو احتفظ بصورة
image

خديجة الجمعة - ثورة

خديجة الجمعة  إنها ثورة القراءة ،حين كان أبي وأنا صغيرة يذهب بي إلى المكتبة الكبيرة ، والتي كنت أراها كساحة فضاء واسعة ، لأدور في رحاها
image

عادل السرحان - راع كردي

 عادل السرحان               أغنية راعٍ كُرديگوله باغ سأورِدُ أغنامي الماءَ و أعودُ إليكِأورد قلبي عينيكِنجمع أغصان الجوزنبني كوخاً من لوزوألملم غيم الوديان كي يمطر بين ذراعيك
image

خديجة الجمعة - الحضور و الغياب

 خديجة الجمعة  مابين الحضور والغياب اشتياق، ومابين الزهرة والأخرى رائحة فواحة، لكن حينما يتعلق الشعور بمحبوب إليك . وهو بتلك النظرة المتساقطة كأوراق خريف متناثرة
image

شكري الهزَّيل - الدم ما بصير مَّي :النظام صهيوني والشعب عربي؟!

د.شكري الهزَّيل تعيش الشعوب العربية منذ عقود من الزمن حالة قسرية حياتية ووطنية سقفها ومرجعيتها انفصام خطير بينها وبين من يحكمها من حكام انتهازيون وفاسدون
image

حميد بوحبيب - « موحا وممادو...»

د.حميد بوحبيب             »«»«يجلس موحا كل صباح على صقيع الرصيف...عين على حفنة النقود في قاع الإناءوعين على المارّة...على اليمين مقهى للشاي والقهوةوعلى الشمال مطعم قذرللأكلات السريعة الحارّةولكن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats