الرئيسية | منوعات الوطن | جميلة غريّب ـ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة

جميلة غريّب ـ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د. جميلة غريّب 
 
 
1- تصدير:
صِدق أنّ كلّ ما في يقين الكون، وكل ما في يقين الوحي الإلهي معجز ومدهش وعجيب، يتبيّنه المجتهد الواعي الباحث الفذّ، ويفكّ أسراره، ويكشف حقائقه كل من دقّق في كنهه، وتبصّر جوهره، وفقه غاياته، فاهتدى به إلى عليائه. 
ولا يحقق فهم معجزات الكون الربانية، إلا الإقبال على طرقها، ودرسها في معارف القرآن الكريم
بطول أناة، وإنعام نظر، وصفاء سريرة، وانفلات من أرسان التقاليد.
ولعل التكنولوجيا الحديثة وما اكتسحته من مجالات معرفيّة، وعلوم بينية؛ هي من فيض التكامل بين العلوم، واستباق الزمن بتفاعل التخصصات والفنون. زمن غدت فيه المعلومة تكاد تكون أقرب إلينا من ضغطة زر من لوحة المفاتيح، وأصبح فيه سبق الشرف لمن أنتج بلغته، فسلك بها غمار التقدم المعرفي، والعلميّ، وارتقى بها إلى سماء التألق، فتنداح حتى تحتوى كل الثقافات، وتغزو مختلف الشعوب و المجتمعات.
واللغة العربية تتجاسر على لغات العالم منذ القديم ولا تزال، وعبقريتها تتجاسر للدارسين من كل التخصصات. وإن في الرقمنة والحوسبة سبيل للباحثين على إدراك عبقريتها، وتقصّي سحرها الرباني الذي يخترق كل الأزمان العابرة، ويتعالى على كل الأنفس الجائرة. 
الدراسة التي بين أيدينا؛ هي نقطة التقاء لا تنفصم بين اللغة العربيّة والنص القرآني المجيد، ولغة أخرى هي شِفرة العقل الالكتروني، ومفتاح للتفاعل مع الحاسوب، لغة الحوسبة( أو الرقمنة).
ونحن إذ نعرض بحثنا نتوسم فيه الرفعة للغة العربية، وهي أرفع ما تكون بالنص القرآني، الذي أردفْنا بعضا من آياته للتعليل بها على منطق التكنولوجيا الحديثة، ولغة الحوسبة، التي صدحت بمياسمها الرقمية، وهندستها الدقيقة حتى للغات الطبيعيّة، فضلا عن:
إبراز المعرفة الرقمية في القرآن الكريم.
التّأكيد على قدرة اللغة العربيّة( لغة القرآن الكريم) على استيعاب لغة الحوسبة.
نشر الوعي بضرورة حوسبة اللغة العربيّة، ومعالجتها آليّا.
فتح المجال للباحثين العاملين لإمعان النّظر، والتدبّر في المعرفة الحاسوبيّة في آي القرآن الحكيم. 
متوسمين في ذلك المنهج الوصفي التحليلي، للوقوف على الحقائق الرقمية بالقرآن الكريم، ومقاربتها بلغة الحوسبة. 
2- معجزة القرآن الكريم:
القرآن الكريم كلام الله المنزل على نبيه محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، كلام معجز تحدى الله به العالمين من إنس و جن، ولم يتحدى الملائكة لأنهم ليس لديهم اختيار فيما يفعلون، بل هم يفعلون ما يأمرون من الله – جل وعلا- دون اختيار منهم. وعليه؛ فالقرآن يتحدى كل القوى المخيرة في أمرها، التي ميزها الله عن بقية مخلوقاته بالعقل، والتفكير، والاختيار.
ولوكان ككتب القوانين و الفنون؛ لما كان لتلاوته كل ذلك التأثير في قلب الطباع، وتغيير الأوضاع، بل لكانت تلاوته تمل فتترك.(1)
وحديثنا عن معجزة القرآن الكريم؛ يقودنا بالضرورة للإشارة إلى معنى كلمة الإعجاز والمعجزة ودلالتهما. 
فالإعجاز؛ مصدر من كلمة أعْجَزَ- يُعْجِزُ – إعجازاً، فهو معجِز لصيغة الفاعل. أما المعجزة؛ فيعتبرها السيوطي بأنها: " أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة، وهي إما حسية، إما عقلية(2)
والشيخ متولي الشعراوي – عليه رحمة الله- فيعتبرها مما لا يستطيع أحد أن يأتي به، وأن تكون-أيضا- مما نبغ فيه القوم، حتى لا يقال أن الرسول قد تحدى قومه بأمر لا يعرفونه ولا موهبة لهم فيه. فالتحدي لا بُدّ أن يكون في أمر نبغ فيه القوم حتى يكون للتحدي قيمة. (3) 
إن المعجز في القرآن الكريم أنه ليس كغيره من الكتب السماوية، التي جاءت بمعجزات خرقت نواميس الكون فتحدت الأقوام، وأثبتت صحتها وصدق رسالة النبي المرسل. يؤمن بها كل من رآها، ومن لم يراها صارت عنده من الأخبار المتواترة التي قد تصدق أو لا تصدق. فهي معجزات حسية، آنية تنتهي بانتهاء الأجل المرسلة فيه، ولولا إثبات القرآن لها لغدت أخبارا تتواتر بين الناس. أما معجزة القرآن الكريم، فهي معجزة عقلية، خالدة إلى الأبد، لا يحدها مكان ولا زمان، مستمرة متجددة بتجدد الأجيال و الأزمان، إلى يوم يبعث الله الأرض ومن عليها.(4)
إن الرادع إلى البحث في معجزات القرآن؛ يؤول بنا للحديث عن معجزته اللغوية، التي بات من الضروري، التنبه إليها وإرخاء القلم حتى يبلغ منتهاه وغايته إلى طرقها؛ ألا وهي اللغة العربية في القرآن الكريم، ولغة الحوسبة و الرقمنة، التي تميِّز عصرنا الحالي بكل تجلياته التكنولوجية.
3- عبقرية اللغة العربيّة:
لقد شرَّف الله تبارك وتعالى اللغة العربية تشريفاً لم تنله لغة أخرى، حين أنزل كتابه العزيز على قلب رسوله ونبيّه محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم؛ فكان هذا التشريف الإلهيّ مصدر الحفظ، والمناعة والمتانة والقوة للغة العربية، الذي رفع قدرها وأكسبها من عناصر القدرة على النمو الذي لا يتوقف ما جعلها متميّزة، لأنها لغة الوحي الرباني والرسول الخاتم. بها تقام الصلاة ركن الدين المتين التي يؤدّيها المسلمون من شتى الأجناس في جميع أقطار الأرض على مدار الليل والنهار، فأصبحت لغة إنسانية ولساناً عالمياً منذ ظهور الإسلام(5).
جاء الخطاب القرآني بلسان عربي محكم مبين، بدليل الآيات البينات التالية من الذكر الحكيم :
﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:3]
﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْ‌آنًا عَرَ‌بِيًّا﴾ [الشورى:7] 
﴿ قُرْ‌آنًا عَرَ‌بِيًّا غَيْرَ‌ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر:28]
﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْ‌آنًا عَرَ‌بِيًّا﴾ [يوسف:2]
﴿لِّسَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف:12]
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:3]
﴿أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَ‌بِيًّا﴾ [الرعد:37]
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:195]
﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ [مريم:97]
وعليه؛ وُكِّل للسان العربي أن يوصل الأمانة للعالمين، وغدت العربية وعاءً حاملا لرسالة إنسانية غراء بمبادئها الرصينة، ومعالمها الوضاحة، ومقاصدها النبيلة. واستطاعت أن تكون-العربية- لغة حضارة مترامية الأطراف مكانا وزمانا، وواسعة الرؤى. لغة الحقائق الرياضية والطبيعية، والحكم والتشريع، والتجارة والعمل، والفلسفة والمنطق، والروح بما فيها من أدق الخواطر وأرق الأحاسيس والعواطف، لغة العلوم والآداب والفنون. لقد تجلّت عبقرية اللغة العربية في مجموع آثارها التي تجلت في بحر العصور، وفي فنون أدبها وأساليبها البيانية، وفي نظمها للكلام وتركيبه وربط أجزائه، وفي مفرداتها وألفاظها. وإن خصائصها المنطقية والفكرية والفنية لتتبدى وتتكشف في ذلك كله، ولهذا كان الكلام عن عبقريتها بوجه عام واسع الأطراف تحتاج دراسته إلى زمن طويل، ولا يكفي للإحاطة به الزمن القصير.
وحسبنا أن نقول؛ إنَّ التنزيل الخالد، الممتد إلى نهاية الزمان، والذي وصف الله أبعاده ومداه، بقوله: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ البَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبيِّ ¸ لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبيِّ ¸ وَلَوْ جِئْنَا بِمِثلْهِ مَدَدا ﴾ ]الكهف 109 وقوله: ﴿وَلَوْ أنَ مَا فِي الأرَضِ مِن شَجَرَةٍ أقَلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ﴾ ]لقمان : 27 [والذي كانت (العربية( وعاءه الخالد، هو الذي يجعلنا ندرك الطاقة التي تمتلكها العربية، والشرف الكبير بجعلها لغة التنزيل.(6) 
ويزداد شأن العربيّة رفعة وتأكيدا لعبقريتها؛ احتوائها لمفاهيم حديثة، هي من صلب التكنولوجيا، ومن بيت المنطق، والرياضيات، والحوسبة بالمفهوم الواسع، الذي يؤشر لعالم جديد، عالم الرقمنة والحوسبة.
4- الإعجاز اللغوي والحسابي في القرآن الكريم:
4-1 الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم؛ 
4-1-1 آية الكرسي (أعظم آي القرآن الكريم - نموذجا-)
آية الكرسي هي الآية 255 من سورة البقرة، والتي تجلى من خلالها إعجاز لغوي، وعبقرية للغة العربيّة في القرآن الكريم، يتبين من خلال التفصيل الموالي:
أ‌- التكرار للنفي و الإثبات :
اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ……….................….نفي
الْحَيُّ الْقَيُّومُ..................................إثبات
لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ.........................نفي
لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ..........إثبات
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ................نفي
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ.................إثبات
وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ.......نفي
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ.............إثبات
وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا.............................نفي
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ...........................إثبات
إن في توارد النفي والإثبات في آية الكرسي، بهذا الترابط، والتماسك، والتواشج المتقن، لدليل على براعة اللغة العربيّة، وإعجاز القرآن الكريم. وإليكم الآن قرينة لغوية أخرى بذات الآية القرآنية، تثبت براعة العربية، وإعجاز القرآن اللغوية.

ب‌- التناظر :
اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ 
لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ 
لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ
وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ 
وَلَا يَؤودُهُ حِفْظُهُمَا
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
بداية وكما هو ملاحظ؛ 
- تبدأ الآية الكريمة باسمين من أسماء الله الحسنى، ألا وهما (الحيّ/ القيّوم) و تنتهي باسمين من أسماء الله الحسنى وهما( العليّ/ العظيم) – الواضحان باللون الأحمر في نص الآية بالأعلى-
- ﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾؛ الشطر الثاني من الآية، والظاهر في ترتيب مقاطع الآية أعلاه باللون الأحمر، و﴿ حفظهما ﴾ الظاهر بالمقطع ما قبل الأخير. وكما وضحه أحمد مصطفى المراغي في تفسيره للآية:" لا يعتريه نوم ولا مقدماته، وإذا كان كذلك كان قائما بتدبير شؤون عباده في جميع الأوقات آناء الليل وأطراف النهار"(7) ضمانا للحفظ الذي لا يقوم دون قائمة من رب لعالمين. وقد جاء النظم الكريم بحسب الترتيب الطبيعي في الوجود، فنفى ما يعرض أولا وهو السِّنة، ثم ما يتبعها وهو النوم...وذكر جل وعلا النوم بعد السِّنة؛ ترقّ لنفي الأضعف إلى نفي الأقوى. 
- تناظر آخر بين المقطع الثالث من بداية الآية الكريمة، والمقطع الثالث من نهايتها. أي ما يلي:

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فكل من فيهما وما فيهما ملكه وعبيده. تأكيدا لملكه لهما- سبحانه( للمُلكيّة)

﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ ﴾ إن الكرسي- كما وصفه المراغي في تفسيره- " شيء يضبط السموات والأرض" (8) أي بمعنى التصرف فيهما.
فهو يملك السموات والأرض –جل وعلا- ويتصرف فيها.( تناظر)

- استثناء وارد في آيتين متقابلتين والظاهرتين باللون الأحمر، وهما: 

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ استثناء بــ إلّا

﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾ استثناء آخر – مناظر له – بـــ إلّا.

- في وسط الآية الكريمة؛ أي في قوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ أي؛ يعلم أمور الدنيا التي خلفوها، وأمور الآخرة التي يستقبلونها(9). (ما في الأيدي، وما خلفها) جمعت بين ما هو كائن بتفصيل الجزء الأول من الآية، وما سيكون من خبايا الغيب المؤشر عليه بالشطر الثاني من الآية الكريمة.
4-1-2 ؛ لغة جديدة بالقرآن الكريم:
عُدّ إيجاد لفظ جديد واحد من قبل شاعر أو أديب عربي؛ بمثابة فتح كبير، ولا سيما إذا وقع هذا اللفظ موقعه في العقول و القلوب فتداوله الناس، وسار على أقلام الكتاب(10). فغدا على إثره الشاعر ملقب به فيغلب على اسمه الأصليّ، وهذا على نحو الشعراء التالية أسماؤهم:
معاوية بن تميم لقّب بـــ " الشَّقِر " لقول"::
قد أحمل الرمح الأصم كعوبه ** به من دماء القوم كالشّقرات

فيل بن عمرو بن الهجيم لقّب بــــ " بليلا " لقوله:
وذي نسب ناء بعيد وصلته ** وذي رحم بلّلتها بِبِلالها

عمرو بن سعيد بن مالك لقّب بـــ " المرقِّش "لقوله :
الدار قفر والرسوم كما ** رقّش في ظهر الأديم قلمْ

عمر بن ربيعة لقّب بـــ " المستوغر " لقوله: 
ينشُّ الماء في الرَّبَلات منها ** نشيشَ الرضف في اللبن الوغير

شاس بن نهار العبدي : لقب بــــ "الممزَّق " لقوله:
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ** وإلا فأدركني ولَمَّا أُمَزَّقِ

عائذ بن مِحْصَن العبدي : لقب بــــ " المثقِّب " بقوله: 
ظهرن بكِلة وسدلْنَ أخرى ** وثقَّبْنَ الوَصاوصَ للعيون

عامر بن زيد مناة العبدي لقب بـــ " الحصيص " بقوله: 
قد حَصَّت البيضة رأس امرئ ** جَلْدٍ على الأهوال صَبَّارِ

ربيعة بن ليث العبدي لقب بــــ " المطلع " بقوله: 
فإن لم أزر سعدى بجُرد كأنها ** صدور القنا يطلعن من كل مطلع 

وهكذا استحق إسحاق المرقّش الاكبر هذا اللقب لقوله:
الدار قفرٌ والرسوم كما ** رقّش في ظهر الأديم قلم

واكتسب المتلمس لقبه من بيته المشهور:
فهذا أوان العِرضِ حيا ذبابه ** زنابيره والأزرق المتلمّس
وغيرهم كثر ممن لقبوا بلقب دهاء استعمالهم لكلمات لم يعهدها العرب قديما، فاشتهروا بها، وغدت سببهم للشهرة و المفخرة، والسؤدد – بكلمة واحدة فقط – 
ولا يكمن إعجاز القرآن الكريم في الإتيان بلفظ أو ألفاظ جديدة فقط؛ بل في الكم الهائل من الألفاظ فضلا عن السرعة الزمنية المنزلة فيها- ليلة القدر بغار حراء- التي أحدثت صاعقة لغوية، ومعجزة إلهية لم يعهد لها العرب مثيلا لا قبل ولا بعد القرآن الكريم. الإعجاز– كذلك – ليس في الألفاظ الجديدة بحد ذاتها، فقد تنتج كلمات جديدة من بضع أصوات لغوية لم يسمع بها من قبل، لكن العظيم في الأمر أن يفهم النص الجديد من أول لحظة سمعوه بها، أو لنقل من ثاني لحظة...مع أنه كان يحمل لهم لغة جديدة بكل عناصرها(11)... لقد تجاوز الأمر معهم مجرد الفهم لما يسمعون؛ إلى الإعجاب الشديد البالغ حد الذهول، واعترافهم –الكافر منهم قبل المؤمن – بتفوقه واستحالة الوصول إلى مراقيه.
= يتبع=

د. جميلة غريّب 
جامعة باجي مختار- عنابة
ghriebdjamila.2015@gmail.com

شوهد المقال 1043 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

Benouhiba Hichem في 01:54 28.07.2020
avatar
Mes félicitations docteur

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عادل السرحان ـ شهقةُ الكرملْ

عادل السرحان                ياأبتِ خذ قلبي وامنحني قلبك وإن كان عليلاًسأحيا به ... حتماً سأحيا حبك كالربيع وأنى لزهرةٍ أن تموت حين يغشاها الربيعخذ قلبي الفتي
image

عادل البشراوي ـ قرابين هولاكو

عادل البشراوي عندما جهز جورج بوش الإبن قوات التحالف للحرب على الإرهاب قبل عقد ونيف فاستحل أفغانستان والعراق، كان يقول أن الرب تحدث معه وأمره بذلك
image

عماد بوبكري ـ ما وراء ملف الصحراء الغربية في الحسابات الجيوسياسية الإقليمية و الدولية

عماد بوبكري  أنا من اللذين يعتقدون أن ملف الصحراء الغربية خرج من الحسابات الضيقة و المناواشات الجزائرية المغربية الضيقة ليدخل و بصفة دائمة كقضية مربوطة حتميا
image

سعيد لوصيف ـ التفكير في المجتمع الجزائري المعاصر

د . سعيد لوصيف  يعتبر التفكير في المجتمع الجزائري و ظواهره النفسية الاجتماعية نشاط شيّق و شاق في الوقت ذاته: شيّق لأنّه يسمح للباحث
image

نجيب بلحيمر ـ مرض تبون.. مأزق السلطة وفرصتها

نجيب بلحيمر  حديث "الفراغ" يهيمن على ما يكتب ويقال عن الجزائر. هنا وفي الخارج أيضا، فرنسا تحديدا التي يرانا بعيونها جزء كبير من العالم، تجري المقارنات
image

العربي فرحاتي ـ الساركوزية والماكرونية..والحراك

د. العربي فرحاتي  بدافع التلهية سبق لساركوزي أن أثار قضية الاعتراف بجرائم الاستعمار باعتبارها قضية الشعب الجزائري وهو كلام استهوى الكثير من مثقفينا فأثاروها كما لو
image

نجيب بلحيمر ـ الفراغ.. مرض النظام المزمن

نجيب بلحيمر   “سمعنا دعوات لإلغاء الإستفتاء، فإننا إذا فرضنا جدلا بالتسليم بتلك الحجج وفي إطار وفاق وطني بين الشركاء في الساحة الوطنية بضرورة إلغاء الدستور
image

عادل السرحان ـ جنوبي أنا

عادل السرحان                ومذ ولدتُ رضعتُ حروف المحبّةمن صدر أمّي وأول مانطقت به (حبوبي)تشرق شمسي من سعف النخيل وتغرب خلف خطوط الكهرباءفي الأفق الخجولتعلّمتُ البكاء قبل الولادة وحين خرجت
image

فضيلة معيرش ـ مرآب في بيت أبي

فضيلة معيرشأدمن الصمت على عتبات الماضي دون ما يد حانية تخفف من أعباء شكواه، تزوج منذ أكثر من عشرين سنة وهاهو عبد الباقي يقترب
image

أحمد سليمان العمري ـ سياسات عقيمة ورسومات لا تختلف عنها

أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف«إنّا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر». هل الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لرسول الأمّة حريّة تعبير أم استفزاز صريح لشريحة كبيرة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats