الرئيسية | منوعات الوطن | مرزاق سعيدي ـ وادي الحراش.. المسجد الأعظم وأساطير السبعينيات

مرزاق سعيدي ـ وادي الحراش.. المسجد الأعظم وأساطير السبعينيات

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
مرزاق سعيدي 
 
وجوه الجزائريين، عادة، ما تُشهرُ التعب على "واجهاتها" مساء في طريق العودة من العمل الى البيت، او من المدرسة، وحتى من رحلة صعلكة طوال النهار.
قد نستهلك عمرا ولن نفهم هذه "الظاهرة"، التي تشبه العبوس، بغير مبررات كافية لمسح هذه الملاحظة من عقول كثيرين لاحظوها، خصوصا على وجوه رواد الميترو، وما أكثرهم، وبالتالي لست وحدي من يرى بالأشعة المحشية ما فوق الحمراء!
على غير العادة، خرجت من المكتب أبْكر من ذي قبل بنصف ساعة، وفي نيتي، المشي والتسكع، في مكان، ضاع من خارطتي اليومية، في الذهاب والإياب، وهو مدينة الحراش، التي تستقبلك وتستدبرك بواديها العظيم، الذي ينطلق من بلدية العمارية في المدية ويصُبّ في المتوسط، وفي الطريق إليه يستبرك الوادي بحمام ألوان، ذات الطبيعة الجبلية الرائعة، روعة بساطة سكانها وهم يبحلقون في "الغريب" بابتسامات عابرة، وغمزات شبه طفولية..
اسرعت خطاي وأنا أرفل في خيال زرعهُ فيّ خليج الجزائر، الذي ذكرني من بين ما رشح من مطالعاتي، بواحدة من أكبر الثكنات، التي لم تعد موجودة اليوم، وهي ثكنة الإنكشاريين في الحراش، قرب مصب الوادي الشهير، والذي لم تقو كل الجهود حتى الآن على تطهيره وتنقية كليّا، رغم ان المتعودين على تقديم "آجال تسليم" تحدثوا في المرة الأخيرة، وليست الآخرة، عن تسليم الوادي والتعديلات الجارية عليه بمنشآتها، في صيف 2019!
مررت بين فيلات، كانت تستدر حكايا وأساطير في السبعينيات ومطلع الثمانينات، عن إسكان معارضين من الجهات الأربع من العالم، فيها، زمن "الجزائر مكة الثوار"، مع أن الحقيقة مختلفة تماما عن ما جرى ترويجه، وآمن به من يحلمون بصور تذكارية قرب مثل تلك الفيلات الجميلة، لأصحابها الجزائريين، منهم لاعبون في كرة القدم..
 
من هنا يظهر الجامع الأعظم، بشكل واضح، وهو يرمُق وادي الحراش بنظرة، قد تكون "نظف نفسك قبل إفتتاحي رسميا"! وفي هذا المكان تقريبا اختارت فرنسا استعراض قوتها على المقاومة الشعبية التي استقطبتها الحراش، عاما بعد احتلال فرنسا لمدينة الجزائر، اي 1831، وجرت معركة الحراش الشهيرة، بفضل علي ولد سي سعدي ، الذي نظم المقاومة في سهل متيجة وحول الحراش بداية من تلك السنة.
أركب الميترو في اتجاه الحراش، وأنا أشيّع أشعة شمس قوية في حي البدر، إلتقطتها عدسات عيني بصعوبة جراء تعب متراكم من كثرة البحلقة في جهاز الإعلام الآلي وتأثير الأشعة السينية وغيرها، في القدرة على الرؤية والتركيز.
دقائق وأجدني خارجا من محطة ميترو سكك الحديد بالحراش. أنظر يمينا ويسارا، فأرى ان كثيرا من البنايات التي تعود للعهد الكولونيالي مُحيت من المشهد العام المقابل للمحطة.
 
من الجسر الرئيسي المؤدي الى أعالي باش جراح وحتى الجسر العابر لوادي الحراش في الجهة الشمالية، كل شيء تقريبا تغير، وبشكل مجنون، يوحي أن سرعة تقرير التغيير بجرة قلم، لم تكن متكافئة مع بطئ تجسيد القليل مما جرى رسمه بقلم رصاص إداري يحمل ممحاة، معه دائما..
أقطع الطريق مسرعا نحو الجسر الحديدي، الذي تنتشر عليه حالات بشرية، كل واحد منها مشروع رواية مؤلمة، عن واقعنا، الذي يتجدد في البؤس والحرمان، ويأبى أن يُغيّر نفسه، ولو بالدعاء، مثلما يقول أئمة، يقرأون ما نسخوه من كتب عامرة بغريب اللغة، الذي لا يفهمه عامة الناس اليوم..
أتوقف وألتقط صورا، حقيقية ومغبرّة، عن واقع مشروع لم يتم تسليمه بعد، وأُكمل طريقي، باتجاه وسط الحراش.
في السوق المغطى يخرج ضابط شرطة، يكون قد صرف ربع شهريته على دقلة نور، وهو متأبط وحامل عددا من العراجين، في لقطة، قلّما، تهرب من عدسة مصور فوتوغرافي محترف. انعطف يمينا وفي مخيلتي: كيف هو بومعطي وسوقه، الذي ذكرني به صديق، في تعليق بفايسبوك هذا الصباح؟
الشارع الرئيسي هو هو، ولكن المحيط تغير وأغبر، تنبعث منه روائح زاكمة للأنوف، من كثرة النفايات والمرميات، والريح التي تجدد "العطور" في الأنفاس، كلما حاولت العبور مسرعا، ومحاولا طي شعور الخيبة في اكتشاف الجديد في هذا المكان، الذي يشبه مواضع أخرى في عوالم ناسوت ينهض صباحا ويعود ليلا، الى أحياء القصدير، غير البعيدة عن هذا المكان..
 
ومثلما حدث لي صباحا، كان موعدي مع حافلة "سوناكوم"، بالكاد، متماسكة، ومع ذلك يتبختر صاحبها على المسافرين، وكأنه "داير مزية فيهم".. يُدير المحرك، الذي تختلط فيه الزيت مع المازوت، وتنبعث منه اصوات ترسلك رأسا إلى "فايسبوك"، فتغرق فيه، مثلما غرق المتعودون على رحلات "الجهاد اليومي"، على أمل أن يجدون فيه تسلية تلهيهم طوال الطريق..

شوهد المقال 623 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ يا دكاترة الجزائر ..انزلوا إلى الحراك لتتعلموا من الشباب ..

د. العربي فرحاتي  سمعت أحد الأساتذة منذ يومين متخصص في علم التاريخ ..ستعرفون اسمه..يقول أن الانتخابات "دوز دوز " شرعية.. وأن "تبون الرئيس" أتى عبر الحراك
image

معتقل الرأي وليد كشيدة .. الميمز ليست جريمة

 #معتقل_الرأي_وليد_كشيدةالمقال بمساعدة صديقيه نوفل و أسامة.وليد كشيدة الإبن الوحيد لأبويه شاب في 26 سنة من عمره ولد في 14 ماي 1995 بمدينة خراطة ببجاية أين
image

كريمة ابراهيم ـ احسان الجيزاني يهدي الميدالية الذهبية العالمية الى شهداء ضحايا الارهاب الذي ضرب ساحة الطيران بالعراق

كريمة ابراهيم ـ البحرين الجيزاني يهدي الميدالية الذهبية العالمية الى شهداء ضحايا الارهاب الذي ضرب ساحة الطيران بالعراقحصل الفنان العراقي احسان الجيزاني على الميدالية الذهبي العالمية
image

رضوان بوجمعة ـ في ذكرى وفاته الثالثة ... زهير إحدادن زهد في المكاسب و كظم غيض المتاعب!!

د. رضوان بوجمعة  لم أصادف طول حياتي الجامعية _ودون أية مبالغة_ أستاذا اجتمعت فيه الصفات التي اجتمعت في الأستاذ الراحل زهير إحدادن، فهو المؤرخ ومن صناع
image

حمزة حداد ـ اليسار الأمريكي يقود معركة التوغل داخل السلطة الأمريكية من بوابة الحزب الديمقراطي

حمزة حداد لفتت قفازات السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، الأنظار خلال حفل تنصيب الرئيس الأميركي جو بايدن، وتساءل رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن سرّ هذه القفازات الكبيرة.هذه
image

بوداود عمير ـ ملحمة راهبة في الصحراء ، عين الصفراء

بوداود عمر  من أوجه الخلل في الساحة الثقافية أن بعض الأعمال الصادرة عندنا، رغم قيمتها الأدبية وأهميتها التاريخية، لا تحقق الحدّ الأدنى من الاهتمام، وسرعان ما
image

جباب محمد نور الدين ـ اليهودي بنيامين ستورا :يسعى لإغلاق القوس في زمن لم تعد فيه أقواس

د.جباب محمد نور الدين  لما صدر كتابه حول مصالي الحاج انتظرت الرد من أهل الاختصاص، ولما شاهدتهم "ضربو النح " خشية الإملاق والحرمان من عطايا
image

سعيد لوصيف ـ الأصل في المؤسسات تحييد غريزة الموت وبعث غريزة الحياة..

د. سعيد لوصيف  يعتبر التخويف و ممارساته النقيض المنطقي للاتجاه العقلاني في ممارسات الحكم، بل يمكن اعتباره من الناحية التحليلية سلوكا ساداويا، يعتقد اصحابه أن "العقل"
image

مولود مدي ـ التحديث السياسي

مولود مدي   أحد الباحثين في التحديث السياسي Lucian Pye في كتابه Aspects of Political Development يطرح فكرة، أن المجتمعات على اختلافها، يجمعها شيء مشترك وهو انه
image

عبد الجليل بن سليم ـ إستدلال Joe Biden بالقديس أوغسطين

د. عبد الجليل بن سليم  البارح في خطابه الاول Joe Biden إستدل بالقديس أوغسطين ، باش يكون عندكم خبر برك بلي Joe Biden ينتمي إلى الكنيسة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats