الرئيسية | منوعات الوطن | محمد العباس - الإعلان التلفزيوني ميكانيكي أجساد وسيارات

محمد العباس - الإعلان التلفزيوني ميكانيكي أجساد وسيارات

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 محمد العباس 

 

الإعلانات التجارية التلفزيونية التي نتأفف منها لأنها تقطع علينا متعة الفيلم أو المسلسل الذي نشاهده، تحظى بالاحتفاء عند آخرين.

فهناك قنوات غربية تخصص ليلة كاملة أو بعضها لعرض أفلام استعادية متنوعة لتلك النوبات الإعلانية، وقد لجأت جهات فنية إلى إقامة متاحف للإعلانات التجارية باعتبارها قيمة ثقافية فنية وذاكرة استهلاكية جديرة بالتخليد.

كما تقام مسابقات عالمية للهواة، وبجوائز مالية مجزية، لإنتاج أفضل الأفلام المتعلقة بالماركات التجارية الشهيرة.

هناك تحول كبير في النظرة الثقافية والاجتماعية للإعلان التجاري، فبعد أن كانت فكرة عرض المنتجات بواسطة نجوم السينما مسألة معيبة تحولت إلى وصفة ثقافية ذات شأن.

لذلك لم يكن من المستغرب أن يضع مخرج سينمائي كبير مثل جان لوك غودار توقيعه على فيلم من ثلاثين ثانية لماركة معروفة من الأحذية الرياضية.

فقد فعلها بعض عباقرة الفن السابع، لذلك لم يعد أي نجم سينمائي يشعر بالعار من وجوده على خلفية ماركة تجارية.

فقد تغيرت القاعدة بالفعل وصار من النادر أن يعتذر مخرج أو ممثل عن المشاركة في فيلم إعلاني دعائي بعد أن كانت القاعدة رفض الظهور في أي إعلان ترويجي.

الممثلة التي تظهر في إعلان تجاري، لا تسلم وجهها لأصحاب الماركة التجارية وخبرائها من وكالات الإعلان، إلا بعد توقيع عقد بالملايين يزدحم بعدد هائل من البنود والأصفار .

حيث حصلت نيكول كيدمان - مثلاً - على ما يقارب أربعة ملايين دولار للإعلان عن ماركة عطور ، وبموجب ذلك الإغراء المادي تدافع النجوم للظهور في إعلانات متلفزة لأصناف من المأكولات والملبوسات والسيارات والبنوك والعقارات.

وهو اتجاه يبدو على درجة من الوضوح والكثافة، الأمر الذي أطفأ هالتهم، وقلّل من سطوة شخصياتهم الساحرة، فبعد أن كانوا رموزاً للقيم الحياتية الكبرى في الأفلام صاروا مجرد مشاجب ولوحات إعلانية للرفاهية والهامشية.

وهذا هو أحد الأسباب التي أدت إلى انهيار النظام الأسطوري للنجوم، حسب تعبير ادغار موران، حيث صارت العلاقة الجديدة بين النجم والرفاهية أقوى من علاقته بميزان القيم والخيالات والاستيهامات.

كما يفصح خطاب الإعلان المصوّر ، المعتمد بالدرجة الأولى على البعد الاقتصادي، الذي مهد بدوره لقبول الشرعية الاجتماعية لهذا المنحى الترويجي. وهكذا تحول النجم إلى حامل للمزايا النفسية والموضوعية للمنتجات الاستهلاكية، وأداة لترسيخ قيمة العلامة التجارية على وجه التحديد.

هكذا تم الربط الثقافي بين النجم كماركة تجارية والماركة التجارية كنجم، في صيغة من صيغ التبادل المصلحي والأداء الوظيفي، وهذا هو مغزى الرسالة التسويقية، التي تختزن قيم الذوق والجمال والصحة والشباب والمرح والنجاح، وكل ذلك من خلال شريط مصور يتكئ على تكثيف الصور واللقطات داخل الزمن، حيث انتهى عهد الدقائق وبرز عصر الثواني.

فقد تحطم في عصر السرعة الذي نعيشه رقم الثلاثين ثانية إلى خمس ثوانٍ فقط، وفي بعض الأحيان لا يتجاوز الإعلان الثانية، بما يعادل الفلاش، وهذا هو منطق الحداثة الفائقة التي تقوم على جماليات الصدمة من خلال فائض المؤثرات، المتأتية هي الأخرى من تطور التقنيات.

كل شيء صار في خدمة الإعلان التجاري. السحر البصري للصورة. التقنيات الرقمية. علم النفس. والنجم السينمائي بطبيعة الحال، وذلك كله يتمثل في مقطع خاطف ينهض على تقنية الإفراط في الخدع، وتركيب الصور في مشهد سردي، ثقافي النزعة، يُخرج النجم السينمائي من حالته الإنسانية إلى صورة غير واقعية.

وكأن شاشة الإعلان قد صار بمقدورها أن تستحوذ على منطق شاشة هوليود الساحر. لتؤسس نظامها الجديد للنجوم. النجوم الذين يعيشون معنا ولا يشبهوننا، فأدواتهم الإستعمالية لا تكتسب فاعليتها المادية واللامادية إلا عندما تقترن بهم، بمعنى أنها ليست مُشاعة إلا لكائنات فوق- بشرية.

الإعلان اليوم - وفق هذا المنطق الثقافي المستبد - هو الذي يحدد معالم ومفهوم المرأة الجميلة، وهو الذي يرسم سمت المدير العام الناجح، وهو الذي يقول كلمة الفصل في ربّة البيت المثالية. وهو الذي يقيس أبعاد الرجل الأنيق. وهو الذي يقترح صورة الطفل السعيد المعافى من الأمراض، وهو الذي يقدم المفهوم البصري والنفسي للمنزل الأمثل، وهو الذي يكتب الوصفة العلاجية للبشرة والعيون والأسنان، وهو الذي يتخيل شكل السيارة الفارهة التي تتميز بمواصفات السلامة.

إن مشاهد الأنوثة المتجاوزة، والصحة الفائضة، والسعادة الغامرة، والذوق الرفيع، والرومانسية الفارطة، كلها في خدمة الإعلان الذي يعمل كرافعة للماركة التجارية.

أجل، الماركة التي تدعو للتنازل عن الطبيب والميكانيكي والشاعر وحتى الأب والأم، وعدم الاعتماد على خزين التجربة الذاتية، للحاق بالجمال الذي يرتدي مقولات فلسفية قادرة على اختراق طيات الشعور واللاشعور .

  • ناقد
  • جريدة اليوم السعودية 

شوهد المقال 1543 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ العالم الى اين؟ الحاجة للدراسات المستقبلية

 أ.د. وليد عبد الحي  لأن المستقبل يأتي قبل اوانه بفعل تسارع ايقاع التغير ، فان رصد وقياس حركة ومكونات الظواهر وبمنهجية كلانية(Holistic) اضحى احد مسلمات
image

السعدي ناصر الدين ـ الأربعة الذين تحكموا في مصير الجزائر قبل 1988

السعدي ناصر الدين    هــؤلاء الاربعــة كانــوا يتحكمــون في مصيــر الجزائــر قبــل احــداث اكتــوبر 1988.. الشاذلــي بن جديــد قــائد مسيــرة ضيــاع انهــاها بالسقــوط والبكــاء على
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام ..الخوف المرضي .. Macbeth و Shakespeare

د. عبد الجليل بن سليم  بالنبسة ليا مسرحية Macbeth ليست العمل المدهش لشكسبير لكن هي مسرحية على حسب فهمي من الاعمال العظيمة التي
image

مرزاق سعيدي ـ عاشق الأرض.. والنرجس

 مرزاق سعيدي    عاشق الأرض.. والنرجس*!أشعُر بالخوف على الطبيعة كُلّما صادفت في قلب العاصمة الجزائر أشخاصا يبيعون النرجس البري بأثمان ملتهبة، وخوفي لا علاقة له بالسعر
image

رضوان بوجمعة ـ القضاء المعطل.. الشعب المناضل والعدل المؤجل!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 162  هذه هي الثلاثية التي تصل إليها وأنت تحاول تلخيص أكثر من 15ساعة من جلسة محاكمة فضيل بومالة، أمس، بقاعة الجلسات
image

يوسف بوشريم ـ فضيل بومالة ضحية الأمية الإلكترونية

 يوسف بوشريم  من خلال وقائع محاكمة المفكر والمثقف الحر فضيل بومالة والتهم الموجهة إليه و(مصدر الأدلة) الموجودة في الملف أكتشفت أن المتهم الحقيقي من
image

نوري دريس ـ محمد حشماوي : الأجهزة الأمنية وراء الحراك الشعبي

د. نوري دريس  في حوار مع مجلة la Croix, يدافع عالم السياسة الجزائري محمد حشماوي عن اطروحة مفادها ان الاجهزة الامنية( المخابرات) هي
image

العربي فرحاتي ـ الحراك..وانبعاث الاستئصال إلى الواجهة ...

 د. العربي فرحاتي  لم أقتنع لحظة واحدة ما روجه ويروجه ورثة الكاشير من النوفمبريين الباديسيين من أن الفكر الاستئصالي الدياراسي يكون قد فارق السلطة الحاكمة
image

نجيب بلحيمر ـ أنا فضيل بومالة .. باسم الحرية أحاكمكم

نجيب بلحيمر   ساعة علقت على حائط قاعة الجلسات الثانية بمحكمة الدار البيضاء كانت تشير إلى الساعة 12 و 17 دقيقة.. التوقيت الصحيح كان التاسعة إلا
image

واشنطن بوست: الحراك الجزائري علامة فارقة في تاريخ العالم ويدخل عامه الثاني بكل إصرار

لندن ـ “القدس العربي”: نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تحليلا أعده الباحثان طاهر كيلافوز وشاران غريوال أكدا فيه أن أول أمس السبت 22 فبراير/ شباط

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats