الرئيسية | منوعات الوطن | هادي الحسيني - انا وصدام حسين !

هادي الحسيني - انا وصدام حسين !

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

هادي الحسيني 
 
كان يوم جمعة من صيف عام 1975 حين أتفقت مجموعتنا المدرسية في الذهاب بسفرة قريبة من محلتنا بأتجاه المطار الدولي للعاصمة بغداد ، وكانت اعمارنا لا تتجاوز الثانية عشرة واغلبنا طلاب في الصف الخامس والسادس ابتدائي . بنات وبنين يزيد عددنا على الاربعين وبرفقة معلّمين أثنين ، أحدهم كان ينتمي باخلاص الى الحزب الشيوعي العراقي والآخر كان ينتمي الى حزب البعث الحاكم وايضا بإخلاص ، وكانت الجبهة الوطنية التقدمية في تألق وزهو وينتظر الجميع ثمارها في بناء العراق ، إلا ان الانتظار باءَ بالفشل الذريع وادخلت البلاد بدوامات العنف والاعدامات التي نالت من الحزب الشيوعي بعد ان تفرد صدام حسين بالسلطة عام 1979 !
تجمعّنا نحن الطلاب قرب باب المدرسة وكل واحد منا جلب أمتعته من الطعام والشراب في كيس صغير وبدأنا المسير بإتجاه مطار بغداد الدولي من منطقتنا التي تقع بمحاذاة شارعه الجميل الذي تحيط به اشجار الكالبتوز بطريقة رائعة وكذلك تنتشر في وسطه الكثير من الحدائق المكتظة بالورد واشجار الزينة . ومنذ ستينات القرن الماضي يعتبر شارع المطار الدولي من أجمل شوارع العراق لا بل هو اجمل شارع يؤدي للمطار في كل الدول العربية وحتى الاوربية ومازال على جماله حتى هذه الايام ، كنا نسير في حديقة الشارع الوسطية التي لا يتجاوز عرضها الثلاثين متر تقريبا ، مضت اكثر من ساعة ونحن نسير في الحدائق حتى تجاوزنا مناطق كثيرة تطل على الشارع كان آخرها منطقة العامرية ، وقد شارفنا للوصول الى نادي الصيد الذي نسمع به ولم نره من قبل ، فعادة ما يرتاد هذا النادي كبار رجالات الدولة في ذلك الوقت ، ويقع النادي على مقربة من مطار بغداد وهو معزول تماماً عن المناطق السكنية . ونحن نهم بالسير فقد ادركنا التعب والجوع في ذات الوقت الامر الذي اقترح علينا معلمينا أن نجلس ونتناول فطورنا خاصة وان الساعة قد شارفت على الثانية عشر ظهراً وقد قطعنا قرابة الخمسة كيلومترات من المشي المتواصل .
كانت السيارات التي تذهب بإتجاه المطار قليلة جداً وكذلك العائدة منه الى المدينة ، وما ان أكملنا طعامنا كنت واصدقائي نشاهد سرعة السيارات التي تمّر ذهاباً واياباً ، حتى رأينا اثنان الواحدة بعد الأخرى وبسرعة عالية جداً ، كانت عبارة عن سيارتين سوداويتين من نوع المارسيد نوع 280 وعادة ما تكون مثل هكذا نوعية من السيارات خاصة بالوزراء او الشخصيات الكبيرة داخل الدولة العراقية ، وقد تعرفنا على نوعياتها من خلال الوفود والرؤساء الذين كانوا يزورون العراق في تلك الفترة فنقف بالقرب من شارع المطار نحيي ونشاهد الروؤساء ، واتذكر كنت قد شاهد مرات عدة الرئيس احمد حسن البكر وهو يستقبل ( جيف كوف ) ونحن نهتف له ( جيف كوف أهلا بيك ، شعب العراق يحييك ) وانور السادات وياسر عرفات ورؤساء آخرون . كانوا يخرجوننا من مدارسنا لنحيّي الوفود بسبب قرب منطقتنا من شارع المطار . ذهبت السيارات السوداء باتجاه المطار وكان حديثنا يتركز حول الشخصية التي داخل السيارة السوداء الامامية ، استبعدنا ان يكون الرئيس فعادة ما يكون موكب الرئيس كبيرا وتتقدمه الماطورات العسكرية التابعة للتشريفات ، مضت قرابة الساعة تماماً حتى قال المعلّم : بعد نصف ساعة من الآن سنعود من هذه السفرة بإتجاه بيوتنا ، فالساعة تقارب على الواحدة ظهراً ونحتاج اكثر من ساعتين من المشي حتى نصل ، في تلك الاثناء التفتُ يميناً بالاتجاه الثاني للشارع النازل الى المدينة وكانت الدهشة قد اصابتني ، بعد ان ألقى السلام علينا كان شخص طويلا عريضا وقد نزل من سيارته من دون ان ندري ، انه صدام حسين نائب الرئيس احمد حسن البكر ، ومعه مرافقه صباح ميرزا واثنان اخران ومعه كذلك اولاده ،كان اكبرهم عدي وقصي وبناته ايضا ، لم يتجاوز عدي آنذاك عمره العاشرة او اكثر بقليل فهو بنفس اعمارنا تقريبا . في تلك السنوات كانت شخصية النائب صدام حسين اقوى بكثير من شخصية الرئيس ، كذلك كان كثير الزيارات الميدانية والتفقدية للعوائل ، وكل زياراته ينقلها التلفزيون العراقي مباشرة وبسببها تتوقف أغلب البرامج ! وعلى ما يبدو كان يخطط السيد النائب آنذاك لتسلمه السلطة بعد ان اجبر الرئيس على التنحي عبر مسرحية كشفت للجميع بعد فترة قصيرة ، اعود للقائنا معه ، الرجل اتذكر جيدا كان يرتدي بدلته الرسمية بلونها النيلي الغامق وكذلك من معه من مرافقيه ميرزا واثنين آخرين واولاده ، سلمنا عليه جميعاً بحرارة اللقاء وقام بتقبيلنا جميعا من الصغير وحتى الكبير الى ان وصل حد التعب من العناق والقبل التي اخذت مأخذها منه ، في تلك الاوقات كنت قد قرأت القليل عن الجبهة الوطنية وما اسمعه من اخي وخالي حول الحزب الشيوعي وحزب البعث وكيف قاد البعثيون انقلابهم عام 1963 ودمويتهم ، بالمقابل كنت اعرف جيدا السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي آنذاك وهو (عزيز محمد)! وكنت قد قرأت نص خطابه حول الجبهة الوطنية التقديمة واحفظ قسماً منه على ظهر قلب . جلس صدام حسين نائب الرئيس على تلة صغيرة جداً تستخدم للسقي داخل حدائق شارع المطار وجلسنا جميعا امامه ومن حوله ، كان ضمننا من هم في الصف الثاني والثالث الابتدائي فهم صغار جداً ولم يلتزم بعضهم بالهدوء والجلوس خاصة وان واحدة من البنات الصغيرات كانت كثيرة الانتقال من جهة يمين النائب صدام الى جهته اليسرى لتتحدث مع صديقتها بعد ان تقوم برفع يده وهو يضعها على ركبتيه اثناء جلوسه ! كان قد تحملنا كثيراً بعد ان سألنا من اي منطقة نحن وماذا نفعل في حدائق شارع المطار ، استلطف فكرة السفرات المدرسية بهذه الطريقة المتعبة لكنها في نفس الوقت جميلة وممتعة الى حد ما ، انثالت على السيد النائب الاسئلة الكثيرة ، احدهم قال له لماذا ليس في منطقتنا مركز للشاب ؟ والآخر قال له لماذا ليس لدينا مسبح او نوادي ترفيهية ؟ حتى مارس علينا ديمقراطيته بحيث حدد لكل شخص سواء كان كبيرا او صغيرا سؤالا واحدا فقط وسيقوم بالاجابة عليه ، بينما كنت اصغي لحديثه كنت افكر بالسؤال الذي سوف اطرحه عليه ، وبعد ان اجاب على الاسئلة الكثيرة والتي غالبيتها عبارة عن طلبات ، قال بان الثورة في بداياتها الاولى وعليكم ان تصبروا قليلا حتى يتحقق اكثر ما تطلبون . ليرفع الاستاذ الشيوعي يده ويقوم بسؤال صدام حسين ، حول الجبهة الوطنية التقدمية وما هو مستقبلها ؟ اتذكر جيدا ان صدام حسين قال علينا كأحزاب وقوى وطنية ان نتحد ونقوم بخدمة الشعب والوطن ، لم اكن حين ذلك اعرف ماذا تعني كلمة ( تعقيب !) لكني سمعت من المعلمين حين يتحدث صدام حسين كانوا يرفعون ايديهم وحين يسمح لهم بمقاطعته يقولون له ( تعقيب ) ! ويتداخلون في نفس ما كان يتحدث به ، الامر الذي قلت انها فرصتي وبينما هو يتحدث عن الجبهة رفعت يدي ، كان ذكياً جداً فأنتبه ليّ باعتباري صغير السن ثم قال تفضل ، قلت له لديّ تعقيب على كلامك ! اندهش النائب صدام مني لكن دهشته كانت بفرح ، قال تفضل يا ابني ، قلت له : بالنص ان مختصر كلامك ينص على ان السيد الرئيس احمد حسن البكر قال . ثم ضحك وقال لي ماذا قال ؟ والقول هو لعزيز محمد سكرتير الحزب الشيوعي في توقعيه على اتفاق الجبهة ، لكني غيرت الاسم ونسبته للبكر حتى لا يقول عني من عائلة شيوعية ! قلت قال ( اننا نريد جبهة راسخة ، جبهة ذات افق ستراتيجية ومهمات ستراتيجة بعيدة المدى ، وما ان ينتهي طموح المرء حتى ان نصبح ثوريين بمعنى الكلمة والجوهر ) ! كان الخوف قد اخذ مأخذه مني والعبرات سكنتني ، لكن صدام ضحك وصفق لي بقوة ، ثم طلب ان اتقرب منه ، اقتربت ووضع يده على كتفي وقال للجميع صفقوا لهذا الولد الذكي والشاطر فصفقوا. ثم قال صفقوا مرة اخرى وثلاثة مرات كان التصفيق ! ثم انتبه الى المعلمين وقام بتوبيخهم بطريقة مؤدبة وهو يقول لهم أريدكم ان تتحدثوا كما هذا الصبي ، لا ان تسألوني عن مراكز الشباب وتبليط الشوارع واشياء هي في طريقها اليكم . 
اكثر من ساعتين قضاها معنا نائب الرئيس صدام حسين وهو يجلس على الارض بكل تواضع وطيبة وتفهم وقد تأسف كثيراً لانه كان في موعد سريع داخل نادي الصيد ولم يأت معه المصور ليقوم بتصويرنا للتلفزيون ، لكنه كان يخبأ في حديثه الكثير ، والجميع كان يتوقع انه اذا ما اصبح رئيسا للعراق فسنكون واحدا من افضل بلدان العالم خاصة وان ارض العراق مملوءة بالنفط والثروات ، لكنه وبعد سنوات قليلة وبمجرد ان تسلم السلطة انقلب راساً على عقب الامر الذي ادخل البلاد والعباد في حروب لا اول لها ولا آخر ومارس دكتاتورية من نوع فريد ! ومازالت البلاد تئن من تلك الويلات التي افتعلها الرئيس الذي جاء عام 1979 ، مقابر جماعية أعدامات لا اول لها ولا آخر ، قد يكون حب السلطة والجاه قد جعل من الرجل ان يرتكب تلك المجازر الدموية على طول سنوات حكمه التي تجاوزت ال24 سنة وما خفي كان أعظم قبل تسلمه السلطة !، وعادة ما تصنع السلطة الطغاة في كل زمان ومكان ، لكن صدام حسين كان طاغية على ابناء شعبه للاسف الشديد وحاول ان يسحق الفقراء والمظلومين اكثر ما هم مسحوقون في حياتهم ، أتذكرك ايها الرئيس الطاغية في ذلك اللقاء الوحيد الذي التقيتك يوم كنت طفلا وقلبي يحن عليك ، لكني حين كبرت قليلا وذهب شبابي في ساحات حروبك وسجونك وصعلكات في شوارع العاصمة عمّان في غربتنا التي مازالت تلاحقنا ولم تفارقنا حتى بعد رحيلك فقد جاءت معارضتك لترد صاعك بصاعين على نفس الشعب الذي طغيت عليه عقود من الزمان عشر سنوات مرت والعراق يسير الى الوراء !، انت دمرتنا بدكتاتوريتك البغيضة وخلفائك دمروا شعبنا ووطننا بديمقراطيتهم العرجاء ، فلا الدكتاتورية نفعت معنا ولا الديمقراطية ! يفترض ثمة مخرج آخر !

 

 

ملاحظة : رجاء لا احد يتهمني باشياء ، هذا تاريخ وصدفة لقاء لا أكثر !
 

 

شوهد المقال 2103 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

الحر في 05:43 22.01.2015
avatar
عليه لعائن الله والملائكة والناس اجمعين
لم يأت على مر العصور طاغية مثل المقبور صدام اللذي اهلك الحرث والنسل هو وحزب البعث اللذي ينتمي اليه .

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوداود عمير ـ مارادونا ..شي غيفارا الرياضة

معظم صحف العالم اليوم، تحدثت عن رحيل مارادونا، الظاهرة الكروية العالمية؛ صحيفة "ليمانيتي"، أفردت غلاف صفحتها للاعب الارجنتيني، ونشرت عددا من المقالات عنه موثقة بالصور.
image

نجيب بلحيمر ـ وهم الحل الدستوري

نجيب بلحيمر  ما الذي يجعل كثيرا من الناس مطمئنين إلى عواقب تطبيق المادة 102 وإعلان حالة الشغور في منصب الرئيس؟لقد كان "المسار الدستوري" الذي فرضته السلطة
image

محمد هناد ـ تطبيق المادة 102 من الدستور أضحى أمرا ضروريا

د. محمد هناد  في هذه الفترة العصيبة من جميع النواحي، تجد الجزائر نفسها من دون رئيس دولة منذ أكثر من شهر. المعالجة الإعلامية المتصلة بمرض الرئيس
image

العربي فرحاتي ـ أبناء العمومة يلتقون ..في نيوم

د. العربي فرحاتي  قبل أزيد من أربعين سنة خاطب السادات الإسرائيليين ب "أبناء عمومتي" عند زيارته التطبيعية الأولى من نوعها في العلاقات العربية الاسرائيلية.. اليوم أعلن
image

عبد الجليل بن سليم ـ رسالة كريم طابو في ميزان السياسة

عبد الجليل بن سليم  أولا اتفهم الدافع الوطني الذي دفع كريم طابو لكتابة رسالة تنديد لم صرح به رئيس فرنسا حول الجزائر و تبون و دعهمه
image

عثمان لحياني ـ في ما يجب أن يقال لماكرون

عثمان لحياني  لا حكم على النوايا ، ولا حق لأحد مصادرة حق الغير في ما يراه فعلا سياسيا ، يبقى أن المضمون الوحيد الذي يجب أن
image

جيجيڨة براهيمي ـ بين الكونغرس الأمازيغي والجامعة العربية / الفصام الجغرافي والنكوص التاريخي العابر للكركرات بالصحراء الغربية.

د. جيجيڨة براهيمي بين هذا وذاك يعيش بعض الجزائريين أوهامهم بالاحتماء وبالانتماء . فريق باسم الأمازيغية يوالي المغرب بحجة احتضانه للكونغرس العالمي الامازيغي بالرباط؛
image

شكري الهزَّيل ـ جيش التنسيق الفلسطيني الى اين؟!

د.شكري الهزَّيل الغابة الفلسطينية تتسع ووراء كل شجرة تختبئ غابة أخرى من الاحاديث والاقاويل والمجموعات والملتقيات والنقاشات الى حد أصبحت فيه الخيانة الوطنية العلنية مجرد وجهة
image

محمد بونيلرسالة مفتوحة إلى السيد وزير المجاهدين..."في الجزائر الجديدة"!

محمد بونيل في صبيحة هذا اليوم الأحد 22 نوفمبر 2020، أفتح قوس (لهذا الشهر رمزية عظيمة، ففي الفاتح من شهر نوفمبر من عام 1954،
image

خديجة الجمعة ـ طال الغياب

خديجة الجمعة   هناك أعاصير في القلب فجرتها في لحظة انهيار. وتاهت مني الكلمات، فلم أجد أمامي إلا لوحة وألوان وأصبحت حينها كالمجنونة ارسم لكن ، هذه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats