الرئيسية | منوعات الوطن | بدر شبيب الشبيب - سويسرا التي لا يحبها العرب

بدر شبيب الشبيب - سويسرا التي لا يحبها العرب

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
بدر شبيب الشبيب


لا أحد يصدق أن سويسرا لا يحبها العرب، فهم مولعون بجمالها الأخاذ، وإليها يشد الميسورون منهم رحالهم ليحطوا في ربوعها، ويستمتعوا بأجوائها وجليدها وبحيراتها وغاباتها، وفيها تستقر أرصدتهم وحساباتهم السرية بعيدا عن أعين الحاسدين، ومنها يشترون ساعاتهم الفاخرة. أما غير الميسورين من ذوي الدخل الذي لا يكفي الحاجة، فحسبُ المحظوظين منهم أن يزوروها في منامهم، وربما تأخذهم أحلامهم إلى أرقى الفنادق فيها، رغم أنهم قبل النوم كانوا يفكرون في كيفية تسديد الديون المتراكمة عليهم من كل صوب. لكن لا عزاء لهم سوى الأحلام التي لا تزال ولله الحمد مجانا إذ لم يخترع أحدهم نظام (حالم) بعد.

لا علاقة لحديثي بسويسرا هذه التي نحبها، لأنه يتناول سويسرا الأخرى التي لا نتحدث عنها، وربما نجهل الكثير من شؤونها. حديثي عن سويسرا في تجربتها السياسية المميزة والتي ينبغي أن ندرسها بعناية، ونستفيد منها في واقعنا العربي المأزوم. لا أقول بإمكانية تطبيقها بحذافيرها، لكننا بالتأكيد نستطيع أن نستخلص من التجربة جوهرها وما نعتقد أنه سيساهم في تطوير حلول لمشاكلنا السياسية المستعصية.

سويسرا دولة أوروبية ذات هويات متعددة لغويا وعرقيا ودينيا ومذهبيا. من ناحية لغوية 74% من السكان يتكلمون الألمانية، و 20% الفرنسية، و 5% الإيطالية، و 1% الرومانشية. وكل هذه اللغات معترف بها رسميا برغم التفاوت الكبير في النسب، فلم تفرض الأكثرية لغتها على الأقليات اللغوية الأخرى. ومن ناحية دينية ومذهبية فتضم العديد من الأديان والمذاهب المتنوعة؛ الكاثوليكية 41.8% والبروتستانتية 35.3% والإسلام 4.3% والنسب المتبقية موزعة على عدة طوائف كالهندوسية والبوذية واليهودية واللادينية وغيرها. وهذه أيضا تتعايش مع بعضها في بوتقة سويسرا دون أي صراع أو نزاع. يتألف الاتحاد السويسري من 26 مقاطعة (كانتوناً) ليست مقسمة على أساس عرقي أو طائفي، وإنما على أساس إداري بحت، فلا توجد مقاطعة فرنسية أو أخرى كاثوليكية مثلا. والأحزاب جميعها وطنية، لا تخص قومية أو دينا أو طائفة معينة، فيمكن لأي مواطن أن ينتمي لأي حزب حتى لو كان ذا أساس ديني كالحزب الديمقراطي المسيحي والحزب المسيحي الاجتماعي، لأنها أحزاب مسيحية وطنية لجميع السويسريين بمختلف مذاهبهم، بل يحق حتى لغير المنتمين دينيا الانضمام إليها. يقوم دستورها على ثلاثة مبادئ أساسية هي المبدأ الديمقراطي الذي يحكم الشعب به نفسه بنفسه، ويضمن التداول السلمي للسلطة، والمبدأ الليبرالي المتكفل بضمان الحقوق والحريات الفردية، والمبدأ الاتحادي القائم على مقاطعات تتمتع بحكم ذاتي تحت مظلة الاتحاد.

الديمقراطية في سويسرا فريدة من نوعها، إذ تعتمد الديمقراطية المباشرة، فتخضع القوانين والقرارات الاتحادية للتصويت الشعبي إذا ما تم جمع 50 ألف توقيع للمطالبة بذلك، أما تعديل الدستور فيتطلب جمع مائة ألف توقيع فقط ليخضع للتصويت المباشر. البرلمان السويسري يتكون من غرفتين هما المجلس الوطني ويضم 200 نائبا، ينتخب كل كانتون عدداً من النواب بما يتناسب وحجمه السكاني، ومجلس الدولة الذي يُمثَّل فيه كل كانتون بنائبين فقط بغض النظر عن حجمه. ومن الغرفتين يتألف مجلس الاتحاد الذي ينتخب أعضاء الحكومة، أي السلطة التنفيذية المكونة من سبعة أفراد، ومن بين السبعة يتم اختيار رئيس الدولة الذي يحكم لسنة واحدة فقط، ثم ينتخب شخص آخر من السبعة. لذا فإن كثيرا من السويسريين يجهلون اسم رئيسهم.

النموذج السويسري كالساعات السويسرية يجمع بين الفخامة والدقة، وبين التنوع والوحدة. ومجتمعاتنا العربية بحاجة ماسة إلى قراءة هذا النموذج والإفادة منه، كي تتعلم كيف تحافظ على وحدتها وتنوعها وتمنع الانقسام والتشظي والفتن والحروب البينية.

شوهد المقال 1583 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الباقي صلاي ـ للاستطاعة ... حدود !

عبد الباقي صلاي في تجربة أجرتها نخبة من العلماء الباحثين حول قدرة النملة التي ضحك سيدنا سليمان عليه السلام لجرأتها، وصبرها ،وحرصها الشديد على
image

فارس شرف الدين شكري ـ بسكرة ليست العاصمة ..الناس تموت مشتاقة شربة ماء

د. فارس شرف الدين شكري  الرجاء تعميم النشر لو سمحتم، لأن الأمر يتعلق بحياة أفراد بسكرة ليست هي العاصمة يا الربّ العالي :  استلمنا نتائج تحليل
image

طارق السكري ـ ما الذي يدفعنا لأن نتأمل نصاً جمالياً وآخر ؟

 طارق السكريإنها حاجة النفس إلى التعبير عن مكنوناتها ، وتلمس أعماقها ، والكشف عن أبعادها ، والتلذذ بما يضفيه النص من جمال يثير فيها
image

أحمد عبد الحسين ـ رسالة في انطباق الشفتين

 أحمد عبد الحسين    قبل ثلاثين سنة قال لي شيخي في قمّ إن الميم هو حرفُ الحقيقة الآدمية، قال: انظرْ إلى تأخّره في آدم ثم
image

طيبي غماري ـ في محاولة الرد على دعوى دراسة تمرد الجزائريين على إجراءات الحجر الصحي سوسيولوجيا

 د. طيبي غماري يضع هذا المطلب علماء الاجتماع أمام المحك، حيث سنجد أنفسنا اذا ما اردنا استجابة صادقة مضطرين إلى إبراز علم اجتماع حقيقي لدراسة
image

ناصر جابي ـ الجنازة كلحظة سياسية مركّزة في الجزائر

د. ناصر جابي  علاقة السياسة بالجنازة والمقبرة والدفن، وبالتالي بالموت في الجزائر من أغرب العلاقات. هذا ما يخبرنا به تاريخنا السياسي في عديد مراحله،
image

رشيد زياني شريف ـ عودة حمالات الحطب لتحقيق ما فشلوا فيه أثناء الحراك

د. رشيد زياني شريف   كلكم لاحظوا عودة حرب الأيديولوجية، من نفس منابر الكراهية، التي عشناها وذقنا علقم صنيعها في التسعينات، وتقوم هذه الوكالات
image

سعيد لوصيف ـ لديّ حلم... (عن نصّ مارتن لوثر كينغ بتصرّف) I HAVE A DREAM ، في الذكرى 28 من اغتيال سي الطيّب الوطني أعيد نشر حلمه وحلم الجزائريين والجزائريات

د. سعيد لوصيف   قبل ثمانية وخمسين عاما، أعلن الجزائريون والجزائريات بالبندقية والشهادة بيان التحرير من ويلات الكولونيالية والاستعمار. كان ذلك اليوم التاريخي
image

وليد عبد الحي ـ دونية السياسي في الحوار الحضاري(2)

 أ.د.وليد عبد الحي  تنطوي المنظومة المعرفية الغربية على بعد معرفي تشكله البيانات والمختبرات واستنتاجات البحث النظري والميداني،وتستند هذه المنظومة إلى شبكة مفاهيمية(conceptual) تتوارى خلفها
image

مريم الشكيلية ـ حديث في مقهى الورق

مريم الشكيليه ـ سلطنة عمان  قالت له : أكتبني حين تكون متوحدا بذاتك...حين يأخذك الحنين إلى مسافات لا حدود لها...أكتبني حين أغادرك وامحو آثار وجودي من

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats