الرئيسية | منوعات الوطن | محمد العباس .... الاعتراف بمكانة وأهمية المتلقي خدعة المباشر «live»

محمد العباس .... الاعتراف بمكانة وأهمية المتلقي خدعة المباشر «live»

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

يبدو ظاهرياً أن أسطورة مجتمع المباشر live كما يطلق عليها في علم الإعلام الحديث، تنهض في المقام الأول على إلغاء دور الوسيط. والاعتراف بمكانة وأهمية المتلقي. إذ لا يمكن إرسال رسالة إلى (لا أحد). ولذلك تأسس مفهوم التواصل التقني الأحدث مع المتلقي وإنشاء الرسائل الإعلامية على خدعة كبيرة توهم المشاهدين بأن ما يتلقونه الآن غير خاضع للرقابة ولا للتوجيه. وأن الرسالة المبثوثة تصلهم بشكل خام كما تحدث في التو واللحظة.

وقد كان لظهور محطة الـ (سي إن إن) عام ١٩٨٠ أثره في تعزيز هذه الخدعة التي بلغت مداها إبان الغزو العراقي وأحداث أخرى. فهذه المحطة تستطيع بما تمتلكه من وسائل اتصال متقدمة أن تصل إلى موقع الحدث بسرعة وأن تنقله طازجاً وهو في حالة الحدوث. لدرجة أن العالم استسلم حينها لتلك الرؤية الأحادية التي لا ينافسها فيها أحد. بعد أن أصبحت القناة مرجعاً إخبارياً ومعرفياً. حيث تم إلغاء فكرة التعدّدية الإعلامية المنبثقة أصلاً من التعدّدية الاجتماعية والثقافية.

وبالنظر إلى انتصار الولايات المتحدة الأمريكية على الاتحاد السوفيتي واستحقاقها الواضح للهيمنة على العالم وفرض قطبيتها الأحادية، من خلال العولمة التي تعادل الأمركة، انتفى وجود الإعلاميات المتعدّدة. وصار مفهوم الوجود كله يُقدم من خلال نظرة المختبر الأمريكي. حيث انساق العالم وراء تلك الرؤية داخل قرية كونية لا تقر التنوع الثقافي ولا تأبه لتنوع الرؤى الإعلامية، بقدر ما تفرض تصوراً أمريكياً للحقائق والوقائع والموضوعات يقوم على أسطورة النقل الحي.

وبمرور الوقت أتقنت الدول الأخرى لعبة البث المباشر، فانفتح الفضاء الإعلامي على التنوع والتعدّد. وهو انفتاح لم يتحقق إلا من واقع الزحزحة السياسية. فالنزاع السياسي يولّد بالضرورة نزاعات إعلامية، ويعيد فتح ملف التنوع الثقافي. وضرورة الاتفاق على تعدُّدية الرؤية للعالم. وهذا هو ما حدث بالفعل حيث تم التوقيع في اليونسكو عام ٢٠٠٦م على معاهدة احترام التنوع الثقافي، وتنظيم ذلك التنوع بشكل معياري داخل المجتمع الدولي. الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الخطاب الإعلامي.

ولا شك أن عودة الروح لروسيا، وبروز دول البريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين) قد أحدث تنوعاً في سوق الإعلام، بالقدر الذي أحدثه في المدارين السياسي والاقتصادي. حيث تم اقتراح قرية التنوع الإعلامي، عوضاً عن قرية الرؤية الأحادية الشمولية. وهي انزياحات ناتجة بالدرجة الأولى عن إعادة ترتيب موازين القوى. فالرسالة المقدسة التي كانت ترسلها الـ (سي إن إن) بدون أن يطالها أي تشكيك، صارت محل مساءلة نتيجة وجود عدد هائل من القنوات التي تقترح رؤية مغايرة للحدث.

لم تعد مفاهيم مثل الديمقراطية والإرهاب وحقوق الإنسان تُقدم من خلال وجهة النظر الأمريكية وحسب، بل صارت لكل دولة وكل أمة وكل ثقافة وجهة نظرها في هذه المفاهيم. بما في ذلك القنوات العربية التي أضافت بعداً تعدُّدياً مغايراً. حيث صار بمقدور أي قناة أن تنقل الأحداث من جميع أنحاء العالم من خلال البث الحي. وأن تثبت على شاشتها كلمة (live) طوال فترة البث. بمعنى أن احتكار الحقيقة لجهة ما قد صار شيئاً من الماضي.

إن وجود لافتة (مباشر Live) على الشاشة يُراد منها الإيحاء بأن ما يتم بثه هو المادة الخام للحدث. وهو الرسالة بكل مضامينها. وأن القناة تحترم وعي المتلقي وتتواصل معه بأرقى وأدق وسائل الاتصال. ولكن تحليل شفرات تلك الرسالة يشي بما هو مغاير. فزاوية الرؤية لكل قناة تختلف عن غيرها إلى درجة التضاد، فالإرهابي بالنسبة لقناة ما هو استشهادي بالنسبة لقناة أخرى. وهو الأمر الذي يلعب عليه إطار الصورة، وبناء الحدث الإعلامي، ووجهة نظر المحلّل المختص، ومدة البث، والعنوان الذي تتم تغطية الحدث تحته وهكذا.

إن خدعة البث المباشر، متأتية من صُلب النظرية الديمقراطية، وضرورات المجتمع التواصلي التفاعلي المعاصر. وهي لا تكمن في بساطة النسخ الآلي للحدث، بل في تحويل ذلك الحدث عن مجرياته ووقائعه. بمعنى أنها رسالة تقوم على مخاطبة وعي ولا وعي المتلقي وذاكرته وغرائزه ضمن محمولة إعلامية بالغة التعقيد. وذلك اعتماداً على البعد الثقافي والاجتماعي في الثورات الاتصالية. حيث لا تتنازل الأيدلوجيا عن توظيف أي مكتسب إنساني. بل تقتحمه وتستخدمه بما يؤدي أغراضها. وهذا هو سر التنوع في الإعلاميات، التي تنادي بأفق منفتح متعدّد لرؤية العالم فيما هي تتصارع بشراسة بتكثر أساطير البث المباشر.

  • ناقد
جريدة اليوم السعودية 

شوهد المقال 1898 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي
image

أبوطالب شيبوب ـ كلمتين بالدارجة الجزائرية لمن يحاول التحريض على الحراك الجزائري

أبوطالب شيبوب  كلمتين بالدارجة راهم في خاطري وبغيت نقولهم قبل ما نرقد.. بالاك غدوة نموت ومازالوا حاصلين ليا في الڨرجومة: راه كاين واحد الفرق ااواضح -
image

العربي فرحاتي ـ نقد النقد ضروري..أيضا ..المتنمرون على الحراك الجزائري

د. العربي فرحاتي  كنا ننتظر من نخبنا الحراكية بعد هذه الهبة الاستئنافية للحراك أن تقرأ المشهد الاستئنافي بروية وبصيرة وتوجه انتقاداتها إلى السلطة .وتحثها على
image

خديجة الجمعة ـ امرأة ثلاثينية

خديجة الجمعة وقفت امرأة ثلاثينية، تخاطب نفسها!! اهو الزمان قدعصف بي أم أنا عصفت بهذا الزمان؟! وهل هم الأصدقاء مابرحوا ينتظرون الزهور التي أعددتها لهم؟ أم
image

مريم الشكيلية ـ على مائدة الكلمات

مريم الشكيلية ـ سلطنة عماندعاني ذات فصل لوجبه عشاء على أظرفة شتاء...قال لي :جميل لون الوشاح الذي يطوق عنقك..قلت :يا سيدي أنا أنثى ترتدي الفصول

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats