الرئيسية | منوعات الوطن | الثَوْرَة الجَزَائِرِيَة أُمُّ الحُرِّيَة : بقلم " بن زخروفة محمد"‏

الثَوْرَة الجَزَائِرِيَة أُمُّ الحُرِّيَة : بقلم " بن زخروفة محمد"‏

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
لن يكون الوطن عظيما إلا أذا كان أبناؤه عظماء ، هي مقولة استخلصتها من تاريخ الجزائر العظيمة التي امتزجت تربتها بدماء أبت الكف عن الجريان في أعماقها دون أن ترى راية الحرية ترفرف عاليا في كل شبر يقع داخل حدودها ، وقد اكتشف العالم خلال مسار الثورة التحريرية رجالا لم يعهدهم غيروا سياسات العالم ووسعوا نظرة الغرب اتجاه الشعوب المضطهدة التي نكّل بها المستعمر أيّما تنكيل ، وأصبحت هذه الشعوب الواقعة تحت وطأت الاضطهاد ترى في الجزائر القدوة الحسنة لتحرّرها واسترجاع سيادتها ، لكن راية الحرية في الجزائر لم ترفع جزافا ، فرغم التحالف الموسع المناوئ لتحرر الجزائر من الاستعمار الفرنسي الغاشم ، ورغم الثلة القليلة جدا التي كانت تؤمن بالنصر والتي لا يمكن مقارنتها بالعدة والعتاد اللذان كان يتباهى بهما الجيش الاستعماري آنذاك إلا أن العزيمة القوية لم تفسد النية في استرجاع الحرية المغتصبة من أبناء الوطن ، لم تكن انطلاقة الثورة التحريرية في غرة نوفمبر سنة 1954 دون احتساب أو اعتبار من منظميها ،بل كانت وفقا للأهداف المنبثقة عن اجتماع الـ22 يوم 23 جوان سنة 1954 الذي ترأسه الشهيد مصطفى بن بولعيد و الذي صدر عنه مجموعة من القرارات المتّفقة عليها من طرف الأعضاء المجتمعين من بينها تحديد موعد انطلاق الثورة وكذا إنشاء ما يسمى بمجموعة الستة وتقسيم الجزائر إلى خمسة مناطق ، ثم أتى اجتماع الـ23 من أكتوبر 1954 ليضع أسس قرارات حاسمة لبداية الثورة وقد اختير يوم الفاتح نوفمبر 1954 انطلاق العمل المسلح والقيام بعمليات عسكرية استهدفت مراكز العدو في مناطق مختلفة من الوطن وفي نفس الوقت وبأسلحة قديمة وبنادق صيد لكن بعزيمة كبيرة وإرادة قوية فاقت تواضع الأسلحة التي بيد الثوار ،مما جعل المستعمر في حالة ارتباك وذعر شديدين افقده الثقة في نفسه .
ومع انطلاق رصاصة نوفمبر تمّ توزيع بيان أو ما يسمى بنداء أول نوفمبر 1954 على الشعب الجزائري يحمل توقيع "الأمانة الوطنية لجبهة التحرير الوطني" وجاء فيه: "أن الهدف من الثورة هو إعادة بناء الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ضمن إطار المبادئ الإسلامية" ، ودعا البيان جميع المواطنين و الأطياف الحزبية والحركات الوطنية إلى الانضمام للكفاح المسلح ، وقد اتسع صدى الثورة داخل الجزائر وخارجها في مدة قصيرة وبشكل افزع المستعمر ،فراح هذا الأخير يقوم باجتماعات طارئة أفضت إلى توسيع العمليات الإجرامية والقتل العشوائي للمدنيين والأطفال مما أدى إلى وقوع جرائم بشعة راح ضحيتها الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ الأبرياء في محاولة منه لكسر مقاومة الثوار الجزائريين وإسكان عزيمتهم في نيل الحرية ، لكن كل ما قام به المستعمر اتجاه الثورة كان هباء منثورا ، بل زاد من إصرار المقاومين على نيل الاستقلال وكان شعارهم نيل الحرية أو الاستشهاد في سبيلها ، وقد نال إصرار الثوار على الانتصار ونيل الحرية تأييدا دوليا في حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره بل وحتى الاستعمار أصبح واعيا ببطولات الثوار وإرادتهم القوية ، وأكبر دليل على هذا ما قاله السفاح بيجار في حق البطل الشهيد العربي بن مهيدي :" لو كانت لي ثلة من أمثال محمد العربي بن مهيدي لفتحت العالم " وهذا استنادا لشخصيته القوية وحبّه للحرية بعد ان عُذب ونكّل به أشد تنكيل وبوسائل تعذيب جهنمية بهدف إرغامه على الكشف عن الثوار وأماكنهم غير أنه كان يردد أمام جلاديه "أمرت فكري بأن لا أقول لكم شيئا" ، فكيف لا تُنال الحرية أمام أبطال بأسهم من حديد ، وإرادتهم معدن لا يصدأ ، طيلة سبع سنوات ونصف من الكفاح المسلح من طرف الثوار أجبر جنرالات فرنسا على الاعتراف بالجزائر دولة حرة ديمقراطية دون المساس بشبر واحد من أراضيها ودون تقديم امتيازات لنيل الحرية، وهذا بعد مفاوضات عسيرة ومتعدّدة أُجبر فيها المستعمر الفرنسي على تسليم مشعل الحرية لأبطال الجزائر ، وكان ذلك في الخامس من جويلية سنة 1962 ما صادف يوم دخولها الأراضي الجزائرية أي بعد 132 سنة من الاستعمار الذي كبد الجزائر قرابة مليون ونصف المليون شهيد، فكان الوصول للحرية بدفع ضريبة دم غالية ، وقد أنجبت الثورة الجزائرية من رحمها أبطالا لا يقيد حريتهم مستعمر ، مهما تعاقبت الأجيال فهم من نسل الثورة وعقيدتهم في حب الوطن والتضحية من اجله متجدّرة ومتوارثة أبا عن جد لا يغيرها الزمن ولا يضعف بأسها فكر متجدد ، الحرية بدأت بإرادة الشعب وستعمّر في تلاحق الأجيال ما دام فكرهم يؤمن أن الثورة وهبتهم وطنا لا يعترف أبناؤه إلا بالحرية .

شوهد المقال 6595 مرة

التعليقات (4 تعليقات سابقة):

MIMA MIMI ANOUCHA في 11:12 12.12.2017
avatar
اعجبني ' لكن اريد تعبير عن مشاعرالاعتزاز بتضحيات ىالشعب الجزائري في سبيل الحرية و الاستقلال
في 10:35 20.10.2018
avatar
اريد قصص من تضحيات شهداء الجزاءر
في 09:41 12.11.2018
avatar
يا له من نص رائع ومؤثر
ياسر في 09:45 12.11.2018
avatar
رائع جدا هذا النص

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

أحمد حمادة ـ المنطقة الآمنة المقترحة شمال شرق سورية..

العقيد أحمد حمادة *  منذ عام 2014 أرادت تركيا إنشاء منطقة آمنة على حدودها الجنوبية على غرارمنطقة شمال العراق التي أقامت فيها الولايات المتحدة والتحالف
image

شكري الهزَّيل ـ البطيخ العَّجر : تهافت العملاء على فتات الكنيست الصهيوني!!

د.شكري الهزَّيل تعج المواقع الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعية العربية والفلسطينية باخبار ادانة وشجب المُطبعين العرب مع الكيان الغاصب وهؤلاء الفاشلون والباحثون عن الشهرة الرخيصة
image

توضيح للرأي العام من الدكتور ناصر جابي ومنع رئيس جامعة باتنة له من تقديم محاضرته

د.ناصر جابي أشكر كل الذين عبروا عن تضامنهم معي، بعد منع محاضرتي في جامعة باتنة. من قبل رئيسها الذي يصر في تصريحه الأخير للشروق
image

بادية شكاط ـ إلا رسول الله يارُسل أمريكا

بادية شكاط  يبدو أنّ ماقاله السفير الإماراتي في واشنطن،بأنّ دول الخليج العربي ستتحول إلى العلمانية في غضون سنوات،نراه اليوم رأي العين،وهو يمشي ليس على
image

محمد مصطفى حابس ـ بعد تكريم مفسر القرآن للأمازيغية، هل آن الأوان لتكريم الامازيغي سيد اللغة العربية عالميا العلامة واللغوي الدكتور مازن المبارك

محمد مصطفى حابس فيما أشاد وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى، هذا السبت بالجزائر العاصمة، بأول إصدار في تفسير القرآن الكريم باللغة الأمازيغية للشيخ سي حاج
image

نعمان عبد الغني ـ التميز في الأداء الإداري لأكاديميات كرة القدم ....شرط النجاح

نعمان عبد الغني * إن نجاح الإدارة , في كل من المؤسسات التربوية , والمنظمات أو الهيئات الرياضية , إنما يعود سببه إلى تقدم
image

حيدوسي رابح ـ قبل الميلاد

 حيدوسي رابح ـ  الجزائر          الموت مؤجل والميلاد سلالم . لموتك اينعت في اديم الروح ازهار ترش الألواح بعطرها .. الريح تذروه
image

محمد محمد علي جنيدي – بصائر سابحة

محمد محمد علي جنيدي – مصر يجري حتى استبد به التعب، فألقى بجسده تحت ظل شجرة تطل على كورنيش النيل، فانسكبت هنالك دموعه وفاضت أشجانه وكأنما
image

اليزيد قنيفي ـ عنصرية قاتلة..!!

اليزيد قنيفي  ما عبر عنه رسام الكاريكاتير "ديلام "في صحيفة "ليبارتي " مخجل ومؤسف ولا يمت بأية صلة لحرية الرأي والتعبير ،لأنّ هذا الرسم مُحمل
image

وليد بوعديلة ـ أصل الامازيغ..تاريخ الكنعانيين وتراثهم

د.وليد بوعديلة  يوجد رأي يعود بالأمازيغ إليه..تاريـــخ الكنــــعانيين وتراثهم وأســـاطيرهم  تحتفل الجزائر بالسنة الأمازيغية الجديدة، وتعيد كتابة تاريخ متصالح مع ذاتها وأمازيغيتها، ولان الجزائري يحتاج لعرفة هذا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

3.00
Free counter and web stats