الرئيسية | منوعات الوطن | جابر خليفة جابر ...... خَسارات..

جابر خليفة جابر ...... خَسارات..

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

جابر خليفة جابر 



: عديد من أدبائنا ومبدعينا رحلوا في السنوات الأخيرة، مضوا بما عانوه من عوز وفقر وبما قاسوه من ظلمات الطاغية واضطهاده، لكنهم مضوا من دون أن تستثمر جامعاتنا خزينهم الإبداعي والثقافي والمعرفي، بعض الجامعات حاولت ذلك وأقامت ندوة أو أكثر لكبار المبدعين، لكنها تبقى محاولات فردية ناقصة من دون قانون وتشريع ييسر هكذا استثمار للطاقات البشرية غير الاعتيادية، بل ويفرض على الجامعات والمعاهد العليا الاستفادة من خبرات المبدعين..
كان الأستاذ مسترسلا وبحماس في حديثه وكنا نعبر جسر المَقَام تجاه شارع الوطن، وحين جاورنا تمثال أسد بابل، قال لي:
- هؤلاء المبدعون الأفذاذ هم أسود بابل، أسود المعرفة والإبداع العراقي، فلم لا نوفر لطلبة الجامعات، خاصة كليات العلوم الإنسانية، فرصة للتعرف على مبدعينا، ليسمعوا منهم مباشرة ؟
- بل حتى الكليات الأخرى أستاذ، ما أكثر المفكرين و الأدباء من الأطباء والمهندسين وأضرابِهم.
- وهذا يحتاج كما قلت إلى تشريع وطني، الأصح يحتاج قبل التشريع إلى إرادة وطنية واعية بأهمية الإبداع والمبدعين، وعلى دراية بعلو كعب المنجز الإبداعي العراقي قياسا إلى غيره.
مرت علينا ونحن نتمهل بمشيتنا في شارع الوطن وجوه محمود جنداري وسركون بولص ومحمود البريكان وكاظم الأحمدي ومحمود عبد الوهاب..و..و..مرت الأسماء على قلتها كثيرة ومثقلة بمعارفها وحسرتها لأن الوطن لم يستفد منها كما تحب، لذا مازالوا يراودون وطنهم وناسه وشارعه في العشّار.
وكانوا يملّون ثم يغادرون، إبداعا بعد آخر، ومعرفة تلو أختها، رأيت البريكان ومحمود عبد الوهاب يمضيان معا إلى مقبرة الحسن البصري ومضى السياب قبلهما، مرا بمباني جامعة البصرة وتحسرا، سمعتهما يقولان: خسارات .
وكان الأستاذ الكبير يتمشى سارحا بأفكاره وهو يهمس أيضا: خسارات وخسارات.
ثم التفت إلي وقال: 
- هل تعلم إن أغلب الدول خاصة المتمدنة والمتقدمة منها سنّت قوانين عديدة، حزمة قوانين لتنظيم واستثمار الثقافة والنشاطات الثقافية ولتوفير بيئة وطنية ملائمة للإبداع والمبدعين، منها التعاقد معهم بشراء تراثهم ، مخطوطاتهم، مطبوعاتهم، أوراقهم، مسودات أعمالهم بعد رحيلهم، مقابل، مبلغ مقطوع أو راتب تقاعدي أو دار سكن. وبذلك تضمن الدولة عدم ضياع مثل هذا الإرث الوطني الثمين.
لحظتها كم تمنيت لو أن قادة العراق الآن يستمعون إليه!
ولو أنهم يعون أهمية ما قاله! 
تمنيت من كل قلبي ذاك، وأوجعني قلبي وأنا أرى تراث محمود البريكان غائبا عن المشهد الثقافي ،غُيّبَ في حياته ،وغُيّبَ بعد إغتياله، ومثله تراث محمود عبد الوهاب!
لم لا يكون عندنا في البصرة كمثال، متحف لمبدعينا الكبار؟
لنسميه : دارة الأدباء، وليكن بيت السياب مقرا له..
ولم لا يعاد ترميم هذا البيت الجيكوري الخصيبي بشكل حضاري بعيدا عن المناقصات والمزايدات وفايروس الكومنشن ؟
أنهينا مشوارنا مع شارع الوطن وركبنا سيارة ما أو ظل سيارة، لا أتذكر، وكان خيالي يتجه الى جيكور وبويب وأبي الخصيب، رأيت البناء الشناشيلي الجميل لدارة الأدباء متربعاً على الخضرة والجداول ، رأيت قاعاته طين باردات النسيم، هذه للسياب وجوارها لمحمود وثالثة للبريكان ، رابعة كانت لكاظم الأحمدي وأخرى لمهدي عيسى الصقر ورأيت أول القاعات باسم سليمان فيضي، وكنت متلهفا لقراءة رواية سليمان فيضي (الإيقاظية) أول رواية في تاريخ العراق الحديث، كان طلبة كلية الآداب يتطلعون إليها عبر شباك من خشب الصاج، لم أجد بدّاً من الإنتظار، والتفت، ثمة أفواج أخرى على الطابور تنتظر..
همس الأستاذ محمد بأذني :
- ترى كم من الأجيال ستحرم مما نراه الآن؟ 
ومتى سنقيم متحفاً كمتحف بوشكين لمبدعينا، أو، دارةً للأدباء ؟
إنتبهت الى إنني كنت أخيل حسب ، ومعه رددت: متى؟
لكنه لكزني بلطف وقال : متى وحدها لا تكفي ، بادروا بالعمل ، ادعوا إلى ذلك، تحركوا ولو قليلا ، أوضحوا للآخرين ، خاصة أصحاب القرار ونواب الشعب،أهمية الثقافة في إنقاذ البلاد ، أية بلاد ، وإلا ستتزايد الخسارات وسيرحل كبار آخرون، وأنتم كما أنتم، كسالى وساكتون!
- نعم أستاذنا، كما ذكرت، علينا أن نتحرك، نحن الأدباء قبل غيرنا، وإلا فليس أمامنا غير خساراتٍ وخسارات..
وتساءلت في داخلي : ترى هل سنتحرك !؟
 
 صحيفة الأخبار البصرية 

 

شوهد المقال 3561 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عثمان لحياني ـ سندي الأول ..الجيش

عثمان لحياني  في مجمل الحوار تغيب الرؤية ولا يحضر المشروع ، تَحضر النوايا ولاشك لكنها لا تقدم ولا تؤخر في حاضر الأزمة، مخرجات الحوار موجودة في
image

العربي فرحاتي ـ هذا اقذر نفاق سياسي..رأيته

د. العربي فرحاتي  الحراك الشعبي - كما عايشت فعالياته وفهمته في كليته - مسار واضح لم يتغير منذ بدأ..مسار حدد في شعاراته المركزية الوطنية التي باتت
image

رضوان بوجمعة ـ نحو انتخابات عدد مترشحيها أكبر من عدد الناخبين!؟

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 196خرجة مقيم المرادية، أمس، وبعيدا عن مناقشة شكلها ومضمونها، أهم رسالة سياسية فيها للجمهور، كانت القول إن الانتخابات التشريعية ستتم بعد 3
image

الحرية للناشط السلمي محاد قاسمي Free Mohad

الحرية وكل التضامن مع الناشط السلمي المدافع عن خيرات الجزائر محاد قاسمي الذي يرفض اليوم طلب الإفراج المؤقت عنه في ادرار وتلفق له تهم خطيرة
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats