الرئيسية | منوعات الوطن | سلمى بنت مصطفى اللواتية ..... أمنا الأرض

سلمى بنت مصطفى اللواتية ..... أمنا الأرض

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

سلمى بنت مصطفى اللواتية

يوم الأرض وساعة الأرض، وكل المناسبات التي تحمل اسم هذا الكوكب المظلوم جراء تعدي الإنسان وجوره عليه لا لشيء إلا لأجل تحقيق بعض مكاسبه التي وإن كان يدعي أنّها تحقق له استقرارًا وتجلب لأجياله القادمة ضماناً ما؛ إلا إنّها في حقيقة الأمر تزعزع الأصل والأساس الذي سيعيش عليه أبناءه القادمون. ومن السخريات المضحكة فعلاً أن تجد من يبعد فلذة كبده في أخطر المراحل العمرية، وفي أوج سن المراهقة عن البيت ليواجه مُر الحياة، ويحتج عليه في المحاكم لو لم يدفع له إيجارًا مقابل سكناه مستنداً إلى قانون يقره، لمضحك أن تجد مثله يتحدث عن ضمانات يحاول أن يوفرها لأجياله المتناسلة بعد حين!! ومضحك حقاً أن من يسن ذاك التهتك التربوي هو من يسن عقوبات للمستهتر في حماية البيئة والأرض، والأعجب أن تجده متصدرًا لصناعة الحروب التي تخنق التربة والهواء والماء، والإنسان !!

ومع سمو الفكرة، وأهميتها وضرورتها ووجوب تطبيقها؛ فإنّ معرفة العقيدة الاجتماعية والمنظومة القيمية التي يحملها مروجها تمكننا من النظر إلى الدوافع التي قد تكون وراءه، والتي قد ترمي أحيانًا إلى ذر الرماد في العيون، في سبيل تحقيق مكاسب أكبر؛ فتقبع أنت في البحث عن الظاهرة، ويعمل هو في إشعال الأسباب المؤججة للمشكلة !! وعمومًا فسواء كانت الأسباب السابقة أو غيرها فالتطبيقات والممارسات التي تتبع هكذا قناعات متناقضة قد لا تتناسب وسمو الفكرة،. والحقيقة أنني لا أريد التشكيك ولا تصغير حجم العمل المبذول، ولا مستوى الفكر المطروح، إنّه فقط من الجانب الذي ينبهنا أن البعد القيمي الذي ننتمي إليه سيدر علينا المنافع الأكبر من خلال الممارسات الأكثر نزاهة، هذا فقط لو كنّا نعي تمامًا – فكرًا وممارسة – أبعادنا القيمية الإسلامية التي نظرت بعمق إلى ترسيخ علاقة المحبة بين الإنسان وهذا الكون الذي يحيط به، باعتبارات مختلفة تدلل على وحدتنا الكونية الجامعة بيننا كبشر وبين كل جزئيات هذا الكون، طبعاً ليس المعتقد الخالي من الجد والجهد طريقاً يتأتى منها النجاح والوصول إلى نتائج واقعية في حماية البيئة وسلامة الأرض، فالأخذ بالأسباب المادية والعلمية وتطوير البحوث والدراسات في مجالات البحث هي التي يعول عليها في الوصول إلى الحلول الحقيقية. ولعل سائلا يطرح عليّ ما جدوى ما أدعيه في ظل ما نراه من سعادة محققة للبشرية اليوم على يد من لا يدين بدين ربما، والذين لولاهم لكنّا من سكان كوكب التخلّف، وذاك مبحث طويل لا تكفيه صفحات طويلة كثيرة ناهيك عن مقال متواضع، غير أن الخلاصة التي أرمي لها هي أن النتائج الحاصلة من علاقات المصالح تختلف كثيرا عن تلك الحاصلة من علاقات الأخوة الصادقة، ومهما نعتنا ناس زماننا بالغدر، فإنّه لا يخلو من صديق صادق وفي، فمهما كان هناك من متهاونين في تطبيق ما تمليه عليهم المعتقدات إلا أنّ الأمر لا يخلو من مخلصين لما آمنوا به وهي عين النظرة التي ينظر لها الإسلام لعلاقة الإنسان بكوكبه الذي يسكن فيه، بل إلى كل الكون الذي يحيط به، فالنظرة القرآنية تؤكد على أنّه "وإن من شيء إلا يسبح بحمده ويقدس له "44 سورة الإسراء، إنّ هذه الوحدة العبادية التي تجمع بين البشر والشجر والحجر والمدر، لتوثق علاقة الإنسان وتنظمها مع عالمه المادي الذي يحيط به بكثير من الروحانية التي من المفترض أن تدفعه للعناية به والحرص عليه، بحيث لا يعتدي على مكون يآخيه في التوجه للمعبود نفسه، والذي لولاه - أي الأرض- لما كان للإنسان مسرح يستعرض فيه نتاج تفكيره، وعمله، واكتشافاته لمكنون الأرض وآفاق السماء؛ إنّ هذه العلاقة الفريدة الآخذة بالأسباب الممزوجة بالغيب ترتفع عن المصالح نحو تحقيق غايات البناء المشترك، فالمسخَّر هو الكون، والمعمِّر هو الإنسان، والهدف هو السعادة الحاصلة من تحقيق العبودية الحقة بالبناء وتشييد الحضارة؛ أدوار متكاملة متناسقة لا تتعارض مبتغياتها، فسبحان الله !

أمّا عمليًا فلو كان الحصول على هكذا نموذج عالمي إسلامي في بناء الحضارة والعناية بالبيئة غير حاصل فعلا، فإن استقرار هكذا إيمان في قلوب العاملين في هذا المجال وتصديقهم إياه بالعمل الصالح ممكن، خاصة عند شعوب عرف عنها الحب والسلم والهمة والعمل فإنّه يكون ممكنا أكثر، وفي عمان حيث انشغل العقل بالبناء والنهضة، وانشغل الوقت بالعمل والهمة، وانشغلت الروح بمفاهيم السلام والحب، تكون الأرضية مهيأة تماماً لتأسيس فكر وعمل واعٍ في المجال، وبغير إنكار للجهود المبذولة من قبل الجهات الرسمية والجمعيات الأهلية وغيرهم من الفرق التطوعية فإنها لا ترقى لمستوى الطموح والمؤهلات الوطنية والاجتماعية سالفة الذكر . إنّ البيئة العمانية لا تزال بكرا في الكثير من تفاصيلها والتي لو اعتني بها وجرت عليها البحوث الجادة لوجدناها ثروة تاريخية وحضارية ستشكل رافدا سياحيا واقتصاديا حقيقيا للوطن، والتي تغتالها يد التمدن في كثير من الأحيان دون هوادة لأغراض السكن والتعمير، والواقع أن العالم اليوم يجتهد لإيجاد حلول توازن بين المدنية والحفاظ على البيئة، ونسمع بين الحين والآخر عن مشاريع تلغى في بلد ما لأنّه وبعد الدراسة تبين أهمية البيئة النباتية والحيوانية التي تسكن تربة تلك المنطقة لتحقيق التوازن البيئي فيها، والسؤال هنا: هل يا ترى تعرض مخططاتنا ومشاريعنا لهذا النوع من الدراسات؟ أم هل هناك دراسات حقيقية في التشجير بتقنياته العلمية الحديثة؟، ولعل الحديث ذكرني بلقاء لي مع إحدى الباحثات الزراعيات من دولة أجنبية، وكانت تحدثني عن إمكانية استخدام تقنية الاستنساخ الزراعي لفصائل من أشجار البيئة العمانية، مع استخدام وسائل ري وزراعة متقدمة جدًا توفر الوقت والجهد والمال، ولربما يمكننا من خلالها زيادة زراعة الأشجار المثمرة بكميات تجارية تحقق الاكتفاء الوطني على الأقل فأبناؤنا اليوم لم يتذوقوا الخيار والجزر العماني، والكثير مما يزرع في جنوب البلاد لا يصل لشمالها إلا نزرًا قليلاً والعكس. وعموما فهو أمر متروك النظر فيه للجهات المختصة والتي نأمل منها أن تتابع مثل هذه الأفكار التي ستحقق دخلا قوميا للوطن. والحديث عن البيئة لا ينفك أبدًا عن ذكر المحميات وكذلك البيئة البحرية، وما يخلقه هذا التنوع البيئي الفريد من هجرات طيور سنوية، وأثر ذلك على الحفاظ في النهاية على صحة البيئة وجمالها. وخلاصة القول فالجهود المبذولة كثيرة وكبيرة وجادة، وكلها تتجه إلى ذات الهدف السامي؛ غير أنّها بحاجة إلى توحيدها كي لا تتبعثر وتتكرر في الوقت الذي نحتاج فيه أن تكون منوعة وشاملة، حينها سيحقق التناغم الروحي والقيمي مع العمل المنظم والممنهج، فقط حينها سيحقق هذا التناغم الهدف.

s.allawati@hotmail.com

 

الرؤية العمانية  

شوهد المقال 4950 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن
image

ناصر جابي ـ الحراك الجزائري في سنته الثانية… ماذا حقق وما ينتظره من تحديات؟

د . ناصر جابي  ليس هناك اتفاق ولو جزئي بين الجزائريين، حول حصيلة للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وهو يدخل سنته

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats