الرئيسية | منوعات الوطن | محمد غازي الأخرس ....... ثلثين المراجل باللسان

محمد غازي الأخرس ....... ثلثين المراجل باللسان

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

محمد غازي الأخرس

 

ومن أمثال المصريين التي تعكس نوع الثقافة الاجتماعية السائدة في العالم العربي قولهم أن :"الكلام نص الكدعنه"، أي أن نصف الشجاعة يتجسد عن طريق اللغة بينما النصف الثاني يظهر بالأفعال. و"الكدعنة" عندهم ترادف المرجلة عندنا، وتكمن في قيم مأثورة كالقوة الجسدية والكرم والغيرة والشهامة وألخ. أما مصدر "الكدعنة" هذه، كما أظن، فمأخوذ من قصة نبي من بني إسرائيل عرف بقوته وجبروته اسمه جدعون، يصفه الرب في التوراة بـ"المحارب الجبار" ويأمره أن يخلص شعبه من جور الميديانيين فيفعل رغم شعوره الداخلي بالضعف قبل تكليفه الإلهي. المصريون ربما استخدموا اسم جدعون ككناية عن القوة والغيرة التي يجب أن يتوفر عليها الرجل على عائلته وعشيرته فقالوا - فلان كدع، ثم صارت الكناية عامة فوصف المصريون كلهم بـ"الكدعان".

الكناية المأخوذة من النبي اليهودي ذكرتني بواحدة عراقية مصدرها يهودي عراقي كُلّف بأول وزارة مالية في تاريخنا الحديث، أعني حسقيل ساسون الذي ربما كان "دقداقيا" في الحسابات، ولذا قال البغداديون في كناية لطيفة: لا تحسقلها، كمرداف لقولهم: لا تقرمطها، بمعنى أنك تبالغ في حسابها "حساب يهودي"، فلا تتيح أي فجوة أو هامش للخطأ. كذلك هم يقولون: صاير حنبلي، كناية عن المعنى ذاته، والأصل عائد للإمام أحمد بن حنبل، الفقيه المتشدد الذي قبره ببغداد.

المثل المصري آنف الذكر، أعني: الكلام نص الكدعنه، له ما يرادفه عندنا أيضا، فنحن نقول: ثلثين المراجل باللسان، قاصدين ما يقصده العرب جميعا لجهة أن العرب يتمركزون حول اللغة حتى أن كثيرين يعتقدون أنهم مجرد ظاهرة صوتية، وقد يستبدل الفعل عندهم بالكلام، بل يمكن للأول منهما أن يتحرر من خلال الثاني. تراهم في المناسبات الاجتماعية كالخطبة و"الفصل" مثلا، فتلاحظ أن جزءا كبيرا من طقوس هذه الفعاليات لغوية لا فعلية، ومن ذلك طقس تنزيل الدية الذي قد يبدأ بخمسين مليون دينار ثم لا ينتهي إلا وجميعه "جوه الفراش"، فكأنهم استلموا المبلغ لغويا و"طيحوه" لغويا أيضا.

قدر تعلق الأمر بالمراجل و"الكدعنه"، فإن الصوت الملعلع والنبرة الغاضبة يعدان من أهم الأسلحة الشخصية، وهما قد لا يقلان عن السيوف والتواثي، وفي الكنايات ما يشيرُ لهذا المعنى كقول المصريين: خدوهم بالصوت لا يغلبوكم، ومعناه تهكمي بحت يفيد أن البعض قد يستخدم الصوت كبديل عن الفعل فيذهب إلى الصياح وافتعال الغضب لإخافة الخصم و"جر بوشه". أما نحن فنقول : اخذهم بالصايح، أي إنه انتصر عليهم بالصراخ أو كاد، ونحن نقول أيضا: أشو ماخذها للصيحة، أي إنك استهترت حتى وصلت وقاحتك معي للصياح.

وبعيدا عن توظيفها كسلاح قد يحسم المعركة قبل أن تنشب، يمكن للصيحة أن تدخل كعنصر أساسي في اكسسوارات أي عركة فعلية إذ يطلق المتحاربون أصواتا مثل - اووووووه آآآا، وخر، اليوم انعل ابهاتكم، ولعل هذه الطريقة مأخوذة من الحيوانات التي عاشرها الإنسان كالأسود والكلاب والقطط والنمور فهي تصيح أثناء القتال كلٌّ بطريقتها ليرهب بعضها بعضا. في العسكرية، أتذكر أن أحد ضباط الصف بالغ في انتهارنا بعد أن لاحظ أننا لا نصرخ بشكل جيد أثناء طعننا أكياس الرمل المعلقة، وفي الإستراحة قال - منو عنده سؤال؟ فسألته - عريفي ليش لازم نصرخ بالمعركة؟ فأجاب بنبرة غاضبة - هو هذا سؤال، غير علمود نرهب العدو!

الطريف أننا اليوم نواجه أعداءً لا حصر لهم، أعداء من كل الأنواع، وكلهم يطعننا بحربته دون أن يمنحنا فرصة الصياح حتى، دون أن يعطينا حق أن "نعد له ونصف" قبل أن يقتلنا. بل الأطرف من ذلك أن يكون مقتلنا مناسبة لأطراف أخرى لتمارس مرجلتها عن بعد، من خلف المتاريس، فتفرغ نصف الكدعنه بكلامها، متخلية عن النصف الآخر للقتلة، أولئك الذين لا يعرفون غيرنا، نحن الصامتين، فلا "ثلثين المراجل" حوينا، ولا "نص الكدعنه" امتلكنا.

أما الكلام فللمزايدين وأما الفعل فللقتلة، وبينهما نحن، لا نحسن سوى البكاء فتأمل!

 

العالم العراقية  

شوهد المقال 2604 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حكيمة صبايحي ـ درس أول من وحي الخيانة الوطنية استرتيجية السياق وخطورة العدائين في أروقة الوهم

د.حكيمة صبايحي خارج السياق، كل الدراسات في العلوم الإنسانية: المعرفية والعرفانية، باطلة، باطلة، باطلة. تظلم الدراسات الخاصة بالعلوم الإنسانية البشرية جمعاء وعلى مدار الأبد،
image

حميد بوحبيب ـ * وقتها وماشي وقتها !*

د. حميد بوحبيب  الذين يعتقدون أنهم خلفاء كرونوس، ويعرفون علم الميقات ليقولوا لنا أن هذه المطالب لم يحن وقتها بعد ، أو أن تلك المسائل فات
image

نوري دريس ـ ما وراء جغرافية المشاركة الانتخابية

د. نوري دريس ثمة افكار مسبقة خاطئة حول السلوك الانتخابي, لعل اهمها الافتراض بأن المناطق الأكثر فقرا وحرمانا يجب ان تكون هي
image

وليد عبد الحي ـ المكانة الدولية للمملكة العربية السعودية

 أ.د .وليد عبد الحي  استنادا لخمسة عشر مؤسسة دولية لقياس المؤشرات الدولية ، منها مؤسسات تتبع للأمم المتحدة أو مؤسسات ترتبط بجامعات او مؤسسات
image

العربي فرحاتي ـ الواقعية في معناها المعادي للحرية

د. العربي فرحاتي  الواقعية عند النوفمبري والباديسي المستعمل كذباب "يوسخ " الحراك الشعبي السلمي.. هي أن يقبل الحراك بالديكتاتورية واستمرار الاستبداد وصيغ اللاعدل ..بل
image

رضوان بوجمعة ـ هذا الكتاب يختصر المشروع الثقافي للأستاذ الراحل زهير أحدادن

 د. رضوان بوجمعة  سنتان كاملتان تمران على وفاته، في هذا اليوم تذكرت هذا الكتاب مع استمرار مصادرة الفضاء العام من قبل المتاجرين بكل مآسي الشعب.هذا الكتاب
image

نصر الدين قاسم ـ إلى جنة الفردوس أيها الحكيم بوح على هامش الوفاة... الشيخ عشراتي

نصر الدين قاسم  وفاة الدكتور الشيخ عشراتي حبست أنفاسي وجمّدت الدم في عروقي، وأعجزتني عن التفكير، وحرقة الفرقة قبل اللقاء أصابتني في مقتل.. كلمني الرجل عن مرضه
image

عثمان لحياني ـ الحداثة الصلعاء

 عثمان لحياني  تُعنى الحداثة بصناعة الأجوبة لأسئلة معاصرة و مساعدة المجتمعات في التحول من الاستغراق في قضايا الهامش وعلاقة الانسان بالموت والجسد، الى التركيز
image

وليد عبد الحي ـ ألْغازُ الغازِ : رؤية مختلفة

 أ.د. وليد عبد الحي  في الوقت الذي انصرفت أغلب التحليلات لخيط العلاقة الجديد بين مصر والأردن وإسرائيل في قطاع الطاقة وتحديدا الغاز، فإني لا أعتقد
image

زهور شنوف ـ جزائريات..

زهور شنوف  لا أحب الكتابة عن الإنسان بوصفه "جنسا".. مرارا عُرضت علي كتابة مقالات عن "المرأة الجزائرية" وشعرت ان الأمر ثقيل.. "كتابة على أساس الجنس"! الامر

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats