الرئيسية | منوعات الوطن | محمد العباس ......... تدمير حقوق الملكية الفردية

محمد العباس ......... تدمير حقوق الملكية الفردية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 محمد العباس 

 

تختلف قوانين حقوق النشر من بلد إلى آخر على مستوى التشريعات وملكية الحقوق، وقد أدى ظهور الإنترنت وتراجع عصر الطباعة إلى إرباك تلك القوانين بما في ذلك كسر حق استخدام أقوال الآخرين، الذي كان يُعمل به في بعض الدول. إذ لم يكن لأحد الحق في اقتباس عبارة أو تجميع مقولات لطبعها في كتاب، بدون دفع مبالغ مالية لصاحب الحق، واستئذانه في إعادة نشر أقواله.
ومن يتابع المواقع الاجتماعية سيلاحظ بالتأكيد أن الاقتباسات تشكل النسبة الأكبر من المشاركات، وبدون أي ضوابط قانونية أو توثيقية، حيث يمكن تقويل الآخرين ما لا يتبنونه ولم ينادوا به على الإطلاق، وهو إجراء جماهيري لم ينتظر فيه أحد تعديل تلك القوانين التي تجرّم استخدام أقوال الآخرين.

هكذا صار النشاط الإبداعي الإنساني في العراء، بدون أي حماية قانونية، لأن معظم مستخدمي الإنترنت يريدون الوصول للمعلومة والسطو على الفكرة بأسرع الوسائل، ويتفننون في انتحال الأعمال الفنية بدون أي رادع أخلاقي. بمعنى أنهم يريدون تدمير كل ما تم الإتفاق عليه من حقوق الملكية الفردية، وتحويل المنتج الإبداعي إلى ملكية عامة ومشاعةوبفضل التكنولوجيا الرقمية تم تحطيم كل العوائق القانونية والأخلاقية والتقنية التي تمنع تدوير الكلام، وتم إسقاط حقوق النشر العنيدة في هذا الصدد.. وهكذا أصبح المنجز الفكري والأدبي للأحياء والأموات من الكتاب ملكية عامة، يمكن استخدامها في سياقات جديدة، لتعطي من المعاني والدلالات ما لم يرغبه كاتبها.
كذلك الصور، حيث انفتح الإرشيف العالمي على اتساعه ليُنشر على الملأ بدون أي اعتبار لصاحب الصورة، فيما يعتبر تصعيداً لفكرة انتهاك حقوق النشر، على إيقاع موجة من التباهي بالقدرة على استجلاب ما يثير الدهشة من خصوصيات المشاهير وغير المشاهير، وفي ظل عجز تام للمشرعين عن ضبط ذلك التدفق الإلكتروني.
صار بمقدورنا اليوم مشاهدة مسرحية عالمية تعرض على مسرح محلي، بعد إعادة تكييفها أو تزييف وقائعها بمعنى أدق. ولا ينتابنا أي شكل من أشكال المفاجأة عندما نلمح صورة ضخمة لنجم غنائي شهير على واجهة محل لبيع الخردوات. وهكذا يمكن لأي كاتب استخدام لوحة فنان كغلاف لكتابه. بل يمكن أن نقرأ كتاباً كاملاً يقوم على الاقتباسات بإسهاب كبير، مدموغاً باسم مؤلف هو أقرب إلى النهّاب منه إلى الكاتب.
لم يعد بمقدور أحد مقاضاة أحد على مثل هذه الأفعال، حتى في الدول التي كانت متشدّدة في تشريع حقوق الملكية الفردية، فالفضاء التعبيري الإلكتروني يتسع ويتمادى إلى الحد الذي لا يمكن السيطرة عليه، وتقنيات القص واللصق والانتحال والسطو على المعنى والمبنى صارت متقدمة جداً.
قوانين الملكية الفردية تلك لم تكن على تلك الدرجة من التعسف والصرامة، إنما تم اقرارها لتكفل حق المبدع، ولذلك استثنت في لوائحها مسائل الدراسات والبحوث، إذ سمحت للناقد -مثلاً- بالاستشهاد بالنصوص، كما سمحت للمبدع بفكرة التضمين وللفنان بالكولاج وهكذا، لكنها لم تقر أبداً هذه الفوضى التي تسلب المبدع حقه الأدبي.
حتى المراسلات الشخصية التي كانت محمية بموجب قوانين النشر ضمن اعتبارات زمنية، لم تعد على تلك الدرجة من القدسية، فالأسرار تتطاير في فضاء الانترنت، وكل كلمة تُكتب يمكن أن تتحول إلى وثيقة أمام المتصفحين، وهو الأمر الذي يفسر كثرة التسريبات للخطابات والوثائق والأشرطة، إما لقاء مبالغ مادية أو رغبة في التشهير، في الوقت الذي يعجز فيه القانون عن تحجيم ذلك الانفلات.
وهكذا صار النشاط الإبداعي الإنساني في العراء، بدون أي حماية قانونية، لأن معظم مستخدمي الإنترنت يريدون الوصول للمعلومة والسطو على الفكرة بأسرع الوسائل، ويتفننون في انتحال الأعمال الفنية بدون أي رادع أخلاقي، بمعنى أنهم يريدون تدمير كل ما تم الإتفاق عليه من حقوق الملكية الفردية، وتحويل المنتج الإبداعي إلى ملكية عامة ومشاعة.

كل ذلك الاضطراب في معادلة الحقوق أدى إلى ظهور حركة الحقوق المتروكة، التي تنادي بتعديل قوانين الملكية، ومراجعة ما يسمونه بالبنود المنحازة إلى جانب المبدع، لتتلاءم حركة الإبداع مع متطلبات اللحظة الإلكترونية، بحيث يُسمح بتوسيع هامش حق الاقتباس من أقوال الآخرين وصورهم وسيّرهم ومنتجهم الفني، مع الحفاظ على حقهم الأدبي والمادي، فيما يقف على الطرف الآخر تيار متطرف يدعو إلى تدمير كل قوانين الملكية الفردية، وإعطاء المستخدمين حق توظيف كل ذلك بدون أي اعتبار لا للقوانين ولا للأخلاق انتصاراً لما يسمونه حرية التعبير، في لحظة معولمة لا تحتمل الضبط والرقابة والحذر.

 

ma_alabbas@hotmail.com

 
 
 
جريدة اليوم السعودية  

شوهد المقال 1997 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نصر الدين قاسم ـ الجمعة 113 "شعب" السلطة و"شعب الجزائر"!

نصرالدين قاسم جمعة السلمية الثالثة عشرة بعد المئة المصادفة ليوم العلم الاحتفال الرمزي برائد النهضة الجزائرية الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس، كشفت كم
image

العربي فرحاتي ـ الحراك منهج تغيير

د. العربي فرحاتي     شيئا فشيئا وفي الميدان يترسخ معنى " الحراك منهج " في عقول الكثيرين ويتراجع داخل الحراك النقاش الايديولوجي وحديث
image

الصالح بن سالم ـ حوار في التاريخ وعن التاريخ وللتاريخ ... (03): الباحث في افريقيا جنوب الصحراء حسين بوبيدي

د. الصالح بن سالم   بعد كل من فوزي سعد الله وودان بوغفالة نستضيف اليوم ضمن سلسلة حوار في التاريخ وعن التاريخ وللتاريخ باحث متميز
image

طيبي غماري ـ مؤامرة مسلسل عاشور العاشر!!!

د. طيبي غماري   مصيبة مسلسل عاشور العاشر انه مع كل ما يمكن أن يفعله المقص، من قص، ومع ان النص وحتى التمثيل بغياب صويلح
image

عثمان لحياني ـ شفاعة الاستبداد

عثمان لحياني   لم تكن ولم تعد -سيان- للسلطة أية قدرة للاستماع للرأي المخالف، وأكثر مما كانت عليه قبل 22 فبراير 2019 ، لا في
image

وليد عبد الحي ـ هل يبني التسول دولا؟ فخ المساعدات الاقتصادية والثمن السياسي(٢)

أ.د. وليد عبد الحي   تشكل المساعدات المالية والاقتصادية لدول العالم النامية بخاصة أحد جسور الاقتصاد السياسي الدولي والمعولم على حد سواء ،
image

مريم الشكيلية ـ أحرف من كييف...

مريم الشكيلية  ـ سلطنة عُمان  أكتب لك وأنا لي يوماً واحداً في كييف...ورسالتي الأولى أخطها إليك من هنا...كل الأشياء غريبة هنا كأنا...حتى الأرصفة مغسولة بالمطر والأزهار تستيقظ
image

عثمان لحياني ـ كيف تشكل النظام... قصة جزائرية

عثمان لحياني  لماذا يستمر الحراك الشعبي في الجزائر في رفع شعار "دولة مدنية لا عسكرية"، ما دام هناك رئيس وحكومة وبرلمان ومؤسسات مدنية؟ وفي
image

الصالح بن سالم ـ حوار في التاريخ وعن التاريخ وللتاريخ ... (02): البحاثة ودان بوغفالة

د. الصالح بن سالم  يعد من أبرز المتخصصين حاليا في تاريخ الجزائر الحديث ينتمي لولاية أنجبت شخصيات عظيمة كالأمير عبد القادر وأبو راس الناصري اشتغل

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats