الرئيسية | الوطن الثقافي | النواب والسياب وسعدي

النواب والسياب وسعدي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
محمد غازي الأخرس . 
 
أحلم، منذ سنوات، أن أكتب شيئا مطوّلا عن مظفّر النّواب ، ليس لإعجابي به وعشقي لأشعاره التي أحفظ بعضها عن ظهر قلب، بل لأمر يتعلق بطبيعة الثقافة العراقية والنقد عندنا . فنحن نحتقر التراث الشعبي ولا نعيره اهتماما. ولهذا لا يوجد لدينا مصدرٌ نقدي واحد عن جيل الستينيات الشعري (العامي). أعني مصدرا نقديا رفيعا شبيها بـ(دير الملاك) لمحسن إطيمش مثلا أو (تطوّر الشعر العربي في العراق) لعلي عباس علوان. 
سبب اختياري للنواب يعود لعلاقته بمحور طالما تحدّثت عنه، وهو (ترييف) الذائقة الحديثة وإحلالها كبديل للذائقة المدينية . أنَّ الرجل رائدٌ في هذا المجال بالثقافة العامية، وقد لا يقلُّ أثره عن ريادة السيّاب للثقافة الشعرية. والمفارقة أن الاثنين رسّخا ، في الوعي ، رمزية للريف بوصفه جنة عدن الثوار والحالمين والفقراء وحتى العشّاق ، وهذا يعني (احتقارا) ضمنيّا للمدينة. 
نعم ، لقد بدت قصائد النوّاب التي دأب على نشرها في مجلة (المثقف) اليسارية، بين عدد وآخر، ابتداءً من عام 1958 ، مزلزلة للذائقة ، لدرجة أن سعدي يوسف أرسل للمجلة ، ذات مرة ، رسالة هي من أروع ما قرأت في تبيّن أهمية الشعر الشعبي وتفوقه في التأثير على الشعر الفصيح. 
الحال أنّ ما يجمع مظفر النواب بجيل الستينيات إنما يعود لأفكار اليسار التي آمن بها معهم ، إذ كان يساريا متطرّفا وطوباويا ربما ، وهو ما جعله يتّجه إلى الريف متقنّعا بأجوائه المحتدمة وناهلا من متخيله الشاسع. الغريب في أمره ـ أي النوّاب ـ أنه اتجه نحو الريف وعوالمه رغم أنّه (كظماوي) وابن عائلة متمدنة ، فكانَ أن ذهب إلى أهوار العمارة برعاية مباشرة من اتحاد الأدباء العام 1958 كي يقف على تراث الجنوب ويتفهمه كما قيل في خبر طريف نشرته مجلة (المثقف). وهناك قادَ الرجل ثورة في الشعر الشعبي غيّرت وجهه إلى الأبد بحيث بات أشبه بـ(سيّاب) شعبي لا يحيل لما قبله مطلقا . 
ما يهمّنا من النواب هو هذا إذن: لقد كان يرمز، مع شعراء الحداثة النازحين من الأرياف ، لتقدّم ثقافات الهوامش ومتخيّلها لإزاحة متخيّل المدينة المندحر، وكان جرى ذلك مع فترة بروز الشعبويين والجماهيريين في كلّ البلاد العربية. 
مع جيل النواب ، لم يعد ممكنا الالتفات إلى وراء ، لا في القصيدة حسب ، بل في الأغنية أيضا . فإلى جانب جيل الشعراء من الجانبين ، العامية والفصحى ، ظهر ملحنون كمحمد جواد أموري وطالب القره غولي وعبد الحسين السماوي وكوكب حمزة ومحسن فرحان. وكلهم من ذوي الذائقة والمزاج الريفيين. وكانوا نزحوا هم أيضا من الجنوب حاملين أرثا رمزيا عريضا لم تعهد له المدينة مثيلا. 
ما يجب التنويه له أن الأمر لم يكن عراقيا فقط ، ففي مصر لمع نجم الثقافة الريفية في الفترة ذاتها ، لدرجة أن الناقد غالي شكري يقرن ، في كتابه (شعرنا الحديث ..إلى أين) بين أكبر شعراء العربية الفصيحة ، من جهة ، ورفاقهم من الشعراء الشعبيين كصلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي وفؤاد حداد ، من جهة أخرى ، متوقفا ، مثلا ، عند تجربة لويس عوض في ديوانه (بلوتلاند) ، وفيه أشعار عامية قليلة ، ليتبين تأثيره المزدوج. نقصد تأثير عوض على شعراء الحداثة (الفصحى) ، من جانب ، وعلى شعراء العامية المصريين ، من جانب آخر . إنه يقول : " أمّا الذي حدث بالفعل فهو انبهار فريق من الشعراء الجدد بإحدى الزوايا دون غيرها في بلوتلاند ، بعضهم اقتصر على اتخاذ العامية لغة للشعر فأجهض بذلك مفهوم بلوتلاند للشعر الحديث. لقد راق هذا البعض أن تكون العامية لغة "الشعب" وبما أنهم شعراء الشعب ، شعراء الاشتراكية ، فأنهم يكتفون بهذا الجانب دون بقية الجوانب". الأمر نفسه تقريبا جرى في لبنان مع تبنّي مجلة (شعر) تجارب بالعامية اللبنانية وطرحها ، إلى جانب تجارب أدونيس وأنسي الحاج ويوسف الخال ، بوصفها شكلا من أشكال الحداثة العربية والمزاج الثقافي المختلف . 
مظفر النواب أكبر ممثلي هذه النزعة الريفية الثورية عندنا. وهو محور لم يكتب عنه النقاد شيئا للأسف. فانتظروني مع نقاش مطوّل لرسالة سعدي يوسف وفرضيته المثيرة عن النوّاب عام 1958.
 
جريدة الصباح العراقية . 

شوهد المقال 1887 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حميد بوحبيب ـ المسار الانتخابي ...2 !

د.حميد بوحبيب  للمرة الثانية في تاريخ الدولة الوطنية الفتية، تلوح في الأفق بوادر توقيف المسار الانتخابي .في المرة الأولى، فعلها الجيش بمعية القوى التي تحالفت ضمن
image

رائد جبار كاظم ـ التظاهرات في العراق تعدد السيناريوهات وصراع الارادات

د. رائد جبار كاظم  واقع الحال أن ما يجري في العراق من تظاهرات وأحتجاجات شعبية منذ مطلع تشرين الأول 2019، وأستمرارها الى يومنا هذا
image

سعيد لوصيف ـ في مشروعية مطلب الثورة في تمدين الدولة ،،، هلاّ تحدّثنا بهدوء؟

د.سعيد لوصيف   يعتبر تناول موضوع الفصل بين السلطة العسكرية و السلطة المدنية، موضوعا يحوي على الكثير من الحساسيات لدى الكثير من النخب السياسية
image

رضوان بوجمعة ـ من المحاكم الخاصة إلى قضاة القوة العمومية!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 132  ستبني الجزائر الجديدة سلطة قضائية مستقلة عن باقي السلطات، عندما تنجح في بناء المؤسسات ودولة الحق والقانون من قبل مجتمع
image

عثمان لحياني ـ كتاب واحد ..قاموس الأزمة

 عثمان لحياني   تقرأ السلطة من كتاب واحد ربطت عقلها اليها، وأعقلت خيلها وخيالها الى قاموس التسعينات ، تغرف من ديباجته حرفا بحرف وتدبير بتدبير، ولم
image

يسين بوغازي ـ إستراتيجية الأقلية السياسية من لا يملك الى من لا يستطيع ؟

يسين بوغازي   إن أخوف ما تخافه الأقلية السياسية رئيسا مدنيا ، وإذا اقول رئيسا فالمعنى نهاية المناورات السياسية والإعلامية التي تبثها  الأقلية
image

يوسف بوشريم ـ من الإعتقالات والسجون السياسية إلى غلق صفحات الفايسبوك ..مؤشرات نظام يحتضر

 يوسف بوشريم   من الاعتقالات والسجون السياسية إلى الإعتقالات والسجون الفايسبوكية مؤشرات نظام يحتضر  بعد فشله الذريع في كل أشكال الثورات المضادة التي تهدف إلى إجهاض و إحتواء
image

رضوان بوجمعة ـ عبد المجيد تبون...موظف سياسي على باب القصر الرئاسي!

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 131سيحتفل عبد المجيد تبون بعيد ميلاده الـــ74 يوم 17 نوفمبر، وهو ما يصادف تاريخ الانطلاق الرسمي المفترض للحملة الانتخابية، فهل هي
image

عثمان لحياني ـ التاريخ يتحدث : تعاطي العقل العسكري

 عثمان لحياني  ثمة أطروحة تبريرية في تعاطي العقل العسكري راهنا مع الشأن العام وفرضه مسارا سياسيا محددا، ويعتبر أصحاب هذه الاطروحة (بحسن نية
image

نجيب بلحيمر ـ مرشح الفراغ

نجيب بلحيمر   عاشت الجزائر في ظل شغور فعلي لمنصب رئيس الجمهورية ست سنوات, وكانت هناك نية في تمديد فترة الفراغ لخمس سنوات أخرى.هذا هو الفراغ الذي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats