الرئيسية | الوطن الثقافي | بابا عزيز رحلة المؤمن المطمئن ، لملاقاة المحبوب الكبير

بابا عزيز رحلة المؤمن المطمئن ، لملاقاة المحبوب الكبير

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

كاظم مرشد السلوم

 فيلم بابا عزيز

طرق الوصول الى الخالق بقدر عدد نفوس خلقه

 حين يتوحد الدين في قلوب المؤمنين الذين لايضلون طريقهم بعد إيمانهم ، حتى لو ساروا في صحارى شاسعة ، لادليل لهم فيها سوى قلوبهم المفعمة بالايمان ، وحتى لو كانوا عميان لايبصرون ، فالحق والحقيقية والمطلقة ، كما الشمس لاتحجبها الستر ، والشيخ بابا عزيز هو من يجسد ذلك في فيلم المخرج التونسي ناصر خمير " بابا عزيز "، فيلم يتحدث عن أولاءك الذين يتقربون من الله بأنفسهم دون الحاجة الى وسيط ، فالوسطاء أوصلوهم الى شاطىء المعبود ، وخوض عباب البحار للوصول اليه ، هي مسؤوليتهم وحدهم ، الصحراء هنا هي البحر الذي يخوضون فيه ، صحراء صافية بلون الذهب ، وسماء زرقاء تزيد بهائها ، والعابرون ملائكة المكان الضاجين بالمديح والغناء والتغزل بحبيهم الذي يريدون وصله ليل نهار ، رجال ونساء من بلدان مختلفة يتحدثون لغات مختلفة ، اشكالهم مختلفة ، ازيائهم ، كل شيء فيهم مختلف ، إلا الايمان المطلق بالحبيب الذي طال انتظار لقياه ، لذلك يجتمعون كل ثلاثين سنة ، مرددين مدائح ورقصات الحب ، لكي يصلون حالة التجلي التي يريدون ، فالمطلق يرى كل شيء ، وهو يقبع هنا في هذه الصحراء الشاسعة ، ليختبر أيمانهم ، وليؤكد لهم ان من يؤمن به هو الوحيد الذي لايخاف غياهب الصحراء ، ولا يحتاج لبوصلة او دليل لكي يلقاه.

بابا عزيز العجوز الضرير ، المؤمن الواثق من حبه لمعبوده ، لم تبقي رحلة الحب والوجد الذي يعيش فيه أي سمات لشباب مر ، ولا يحمل معه الا كسرة خبز وبعض تمر ، ترافقه حفيدته عشتار ، كأنها عشتار الاله ، تتبعه كغزال يتبع امه ، وكأنه ارضعها الايمان وحب المعبود ، صحراء لاتغطيهم فيها الإ سماء المعبود ورحمته ، وغزالة تجوب الصحراء ، لاتقترب إلا من المؤمنين ، حتى حكايته لحفيدته فيها درس من دروس الايمان ، حاية تشبه حكايات جداتنا واهاتنا ، اللواتي كن يحكينهن الينا في ليالي الشتاء الطويل ، فنشعر بالأمان والطمئنينة ، فنخلد للنوم مطمئنين انا سلطان النوم ، سيأخذنا الى حضن المعبود ، بابا عزيز يقص لعشتار قصة الامير الذي يحب الصيد والرقص ، ومطاردة الغزلان وأصطيادها ، لكن غزالة الصحراء التي تختار من يصطفيه الرب للهداية ، تغويه فيطاردها ، ختى يضل طريقه بعد اختفائها في واحة الماء ، رحلة البحث عنه تستمر طويلا ، ولا احد يعلم انه الختار المَلك دون المُلك ، ليجلس جوار الواحة منتظرا ، ساعة الوصل والتجلي .

بابا عزيز يعرف انه ذاهب هذه المرة الى لقاء حبيب، لايتحقق إلا من خلال حفرة القبر ،لكن مصير عشتار هو ما يقلقه ، ولكن ليس القلق الذي يعترينا ، بل هو قلق من نوع اخر ، هو قلق المؤمنين .

الشاب العربي ذو الصوت الجميل الباحث هو الاخر عن تجمع المؤمنين ، يلتقي بابا عزيز وعشتار ، يسأل فتجيبه عشتار التي تعلمت الحكمة من فم جدها ، امشي واستمر في المشيء ، وستصل فأن المؤمن لايتيه . وتستغرب ان جدها بابا عزيز ياخذ مسارا اخر غير مسار الشاب ، اليسوا ذاهبين الى جهة واحدة ، لم تعرف ان جدها في رحلته الاخيرة .

في منتصف الرحلة يصلون الى محطة من محطات تجمع المؤمنين ، أناس من كل مكان ،البعض يوزع الطعام ، والبعض الاخر يتجمع حول البئر التي رمى شاب فيها نفسه ، ينقذونه ويسأله بابا عزيز عن السبب ، فيحكي لهم ان احد الخطاطين اعطاه رسالة لكي يوصلها الى إمرأة متزوجة ، التي تطلب منه الدخول ، لم تكن رسالة غرام ، لكن دخول زوجها المفاجىء يضعه في موقع الاتهام فيهرب وبدون ان يبنتبه يسقط في احد ابار القرية ، ليجد نفسه في قصر مهيب ونساء لايعرفهن يتوددن اليه ، ومن احد نوافذ القصر يرى في الصحراء شجرة نخيل محترقة ، فتطالبه جارية بان يذهب الى هناك ، ليجد نفسه ، وسط هذا الحشد ولايعرف كي سقط في هذا البئر ، وكيف وسط الى هنا .

درويش بشعر احمر ، يرفع الرمل من قاع القصر الكبير والقديم المتهالك الذي يسكنه المؤمنون ، يستمر في رفع الرمل ، مع أستمرار تساقطه من الاعلى ، مالدلالة هنا ، ماذا يعني ان تستمر في رفع الرمل دون معالجة او منع استمرار تساقطه .

في اخر الرحلة يخبر بابا عزيز حفيدته ان الرحلة بالنسبة اليه انتهت ، وقد وصل هو الى مبتغاه ، ويجب عليها ان تواصل رحلتها الخاصة ، ويأتمن الشاب العربي عليها ، لكي يوصلها الى حلقات الذكر التي يحييها العديد من الناس كل ثلاثين عاما .

بضعة صخور صغيرة ، صفت بشكل يوحي انها ستكون شاهدة لوجود قبر ، بابا عزيز يجلس على اطرافه ، يصلي ثم يموت ، عشتار تواصل الرحلة لتصل الى حلقات الذكر ، وتندمج وسطها .

التناول الفني والتقني للحكاية ، كانت اكثر من جيدة ، فالتصوير في مناطق الصحراء الشاسعة اضاف للفيلم جو من الطمأنينة والراحة النفسية ، وربما جعلت البعض ينقطع عن العالم الخارجي تماما وهو يتابع الحكاية ، وكان للإضاءة دورها الهام رسم تلك اللوحات الفنية الرائعة ، لتساهم في تعميق الشعور والاحساس الروحي ، والمضي في تأمل تلك الرحلة الروحية الرائعة .

لأول مرة اشاهد هذه الممثل الهائل " برويز شهانكو " الذي لعب دور بابا عزيز ، ممثل لاتشعر ولو للحظة انه يمثل ، شكله حركاته العفوية ، اضافت للدور الشيء الكثير ، كأنك ترى درويشا حقيقيا يجوب الصحراء .

مريم حميد ، الطفلة التي أدت دور عشتار ، كانت مميزة الاداء ، وكأنها ابنة وحفيدة الدراويش الحقيقين ،

اعتقد ان المخرج ناصر خمير استطاع ان يقدم لناتحفة فنية رائعة ، وفرت لنا 69 دقيقة من التأمل الروحي ، ويقول عن فيلمه " هدفي من هذا الفيلم ان أمحو بردائي عن وجه الاسلام الدين الذي انتمي اليه ، ما علق به من إساءات وتوشوهات نسبة اليه ، وان أخذ بيده من عثرته التي آل اليها .

 

كاظم مرشد السلوم

ناقد سينمائي  

 

شوهد المقال 2436 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فيصل الأحمر ـ الحراك و"المابعدية" (أو حديقة الحيوانات الأيديولوجية )

 د. فيصل الأحمر    فجأة ظهرت فصائل كثيرة ناتجة عن الحراك المبارك في الجزائر وكلها تتبنى السابقة المغرية "ما بعد":*مابعد الثوري: وهو مثقف كهل ركب الحراك ثائرا
image

نوري دريس ـ حينما ترى أعين حشماوي أيدي المخابرات الخفية, وتعمى عن رؤية ألاف الشباب في الشوارع

د. نوري دريس  في حوار مع مجلة la Croix, يدافع عالم السياسة الجزائري محمد حشماوي عن اطروحة مفادها ان الاجهزة الامنية( المخابرات) هي
image

وليد عبد الحي ـ العالم الى اين؟ الحاجة للدراسات المستقبلية

 أ.د. وليد عبد الحي  لأن المستقبل يأتي قبل اوانه بفعل تسارع ايقاع التغير ، فان رصد وقياس حركة ومكونات الظواهر وبمنهجية كلانية(Holistic) اضحى احد مسلمات
image

السعدي ناصر الدين ـ الأربعة الذين تحكموا في مصير الجزائر قبل 1988

السعدي ناصر الدين    هــؤلاء الاربعــة كانــوا يتحكمــون في مصيــر الجزائــر قبــل احــداث اكتــوبر 1988.. الشاذلــي بن جديــد قــائد مسيــرة ضيــاع انهــاها بالسقــوط والبكــاء على
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام ..الخوف المرضي .. Macbeth و Shakespeare

د. عبد الجليل بن سليم  بالنبسة ليا مسرحية Macbeth ليست العمل المدهش لشكسبير لكن هي مسرحية على حسب فهمي من الاعمال العظيمة التي
image

مرزاق سعيدي ـ عاشق الأرض.. والنرجس

 مرزاق سعيدي    عاشق الأرض.. والنرجس*!أشعُر بالخوف على الطبيعة كُلّما صادفت في قلب العاصمة الجزائر أشخاصا يبيعون النرجس البري بأثمان ملتهبة، وخوفي لا علاقة له بالسعر
image

رضوان بوجمعة ـ القضاء المعطل.. الشعب المناضل والعدل المؤجل!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 162  هذه هي الثلاثية التي تصل إليها وأنت تحاول تلخيص أكثر من 15ساعة من جلسة محاكمة فضيل بومالة، أمس، بقاعة الجلسات
image

يوسف بوشريم ـ فضيل بومالة ضحية الأمية الإلكترونية

 يوسف بوشريم  من خلال وقائع محاكمة المفكر والمثقف الحر فضيل بومالة والتهم الموجهة إليه و(مصدر الأدلة) الموجودة في الملف أكتشفت أن المتهم الحقيقي من
image

العربي فرحاتي ـ الحراك..وانبعاث الاستئصال إلى الواجهة ...

 د. العربي فرحاتي  لم أقتنع لحظة واحدة ما روجه ويروجه ورثة الكاشير من النوفمبريين الباديسيين من أن الفكر الاستئصالي الدياراسي يكون قد فارق السلطة الحاكمة
image

نجيب بلحيمر ـ أنا فضيل بومالة .. باسم الحرية أحاكمكم

نجيب بلحيمر   ساعة علقت على حائط قاعة الجلسات الثانية بمحكمة الدار البيضاء كانت تشير إلى الساعة 12 و 17 دقيقة.. التوقيت الصحيح كان التاسعة إلا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats