الرئيسية | الوطن الثقافي | . * لا خصوصية ثقافـيـة في ظل تبعـية لغـويـة *

. * لا خصوصية ثقافـيـة في ظل تبعـية لغـويـة *

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
الأستاذ عبد القادر بوميدونة  
 
إن التشويه اللغوي الذي اعترى الأسماء والأفعال العربية وقواعدهما، في مختلف مناحي الحياة ببلادنا، في المقاهي والمطاعم والمحلات التجارية والمهنية والشوارع والملاعب والإدارات، والمؤسسات وإشارات المرور، وأغلفة المنتوجات الغذائية، والمطبوعات الإدارية، الرسمية، وغيرالرسمية، وبعض الصحف الأسبوعية، والدوريات الإعلامية، لم يكن ليأتي هكذا عرضا واعتباطا، أوبحثا عن أسهل سبيل للتبليغ والإعلام والتواصل، أولتحريف غيرمقصود، إنما نجم عن نية مبيتة، ما تزال تضمرها أطراف عديدة، لها مصلحة في ذلك، وهي الحقيقة التي أضحت صارخة، وتدعو إلى الحسرة على مآل تلك الجهود الكبيرة التي بذلت فيما سبق، لتعريب المحيط وتعميم استعمال اللغة العربية على المجالات كافة.
هذه اللغة التي تعرضت ومنذ فترة زمنية طويلة، إلى محاولات خبيثة متعددة ، ومتعمدة للنيل منها، ومسخ صورتها، بتوقيع أيدي وألسنة أولئك الذين كانت وما تزال تدفعهم حساسيتهم المفرطة، تجاه كل ما يتعلق بهذه اللغة المتميزة بالقدرة على الحياة والنماء عبرالحقب والعصور، وبالصمود والتحدي في مواجهة أعدائها.
وعلى الرغم من كل ذلك، فإنه صارمن واجب كل من يملك مقدرة على الدفع ضد هذا التدهورأن يساهم بما استطاع من مقاومة، وأن يؤيد هذا الكلام ، أو ربما يعتراض عليه ولكن بمسوغات معقولة ومنطقية، وأن يدلي بدلوه في هذا الشأن، الذي بات يركن في دائرة من دوائر المسكوت عنه، وربما تحريم الاقتراب منه ، أوالخوض فيه، بحجة حساسيته وخطورته.
أية حساسية هاته وأية خطورة ؟! وقد بلغ الموسى العظم، في تشويه صورة لغة الشعب والأمة ، من خلال حصص وبرامج الإذاعات الرديئة وأطباق القنوات التلفزيونية التي وصل البعض منها في تدني مستوى الرسالة الإعلامية والتبليغية والتربوية إلى درجة الإسفاف، والتي لم تعد تشرف الشعب الجزائري أبدا.
وذلك باعتماد اللغة الدارجة والعامية المطعمتين بفرنسية ركيكة وتوسيع نطاق استعمالاتهما في إعلانات الجرائد والومضات الإشهارية التلفزيونية، وفي الأشرطة الغنائية التي لا ضابط لها ولا رقيب، وأشرطة الفيديو، وما تبثه من أفلام هابطة المستوى، وتضرب اللغة العربية في الصميم وذلك بحشوعقول الناشئة بخزعبلات ماهي بلغة ولا بلسان، والأقراص المضغوطة ومحتوياتها المشبعة بالأخطاء النحوية والصرفية والإملائية، وحجة من يقف وراء ذلك كله هو:
( أن هذه هي لغة الشعب ! لغة التبليغ والتواصل) وكأن هاته اللغة الممسوخة المليئة بالألفاظ المهرسة، والكلمات المفرنسة، والأفعال المرفسة، هي اللغة الرسمية للدولة الجزائرية، هذه اللغة الهجينة، التي تعرف دعما وتشجيعا كبيرين من قبل دوائر معينة، قد طالت كل شيء، في ظل تراجع اللغة العربية عن تأدية وظيفتها الحضارية وتقاعس المشرفين على حمايتها والدفاع عنها.
فهل صادف وأن شاهدتم أوسمعتم قناة إذاعية أوتلفزية فرنسية محترمة واحدة ، حاورت شخصا ما باللغة العربية على أمواجها أوشاشاتها أو ارتكب الناطقون بها أخطاء في حقها، حتى لوكانت بسيطة؟!
والله لوحدث ذلك لقامت قيامة فرنسا من أقصاها إلى أقصاها، لأنهم أصحاب نيف وغيرة على لغتهم،التي يعتبرونها عنوانا لشخصيتهم الحضارية ومبعثا لفخرهم واعتزازهم.
إنه من حق ومن واجب كل مواطن حروشريف، ويغارعلى شرف وقداسة لغة بلاده، ويحترم بنود ونصوص دستورها، أن يرفع يديه حاملا يافطة طويلة عريضة، صارخا معترضا على هذا الإهمال واللامسؤولية، فيما طال اللغة العربية من مساس مهين ومذل، مدركا قبل كل شيء، أن هذا الأمر هو واجب وطني وديني وأخلاقي.
وعلى الرغم من كل تلك المحاولات اليائسة، التي تعرضت وما تزال تتعرض لها اللغة العربية، وبحيل متنوعة الوسائل، ومختلفة الأشكال، وعلى أصعدة وسلاليم وظيفية، يعرف كثير من الناس أصحابها، ها هي تؤدي دورها التعليمي والتربوي والحضاري في صبروجلد منقطعي النظير، شامخة كالطود الأشم، منتظرة من أولئك السياسيين أصحاب القرارالقادرين على تشريفها بالدخول إلى غرف البحوث المخبرية العلمية، لتنتعش أكثر، وإقحامها مكاتب الدراسات الهندسية والدفع بها إلىالورشات الميكانيكية دون عقدة ، واستضافتها في أبراج الأبحاث الفيزيائية، والمعامل الكيميائية والنوادي الفلكية، وفي جامعات الوطن للعلوم والتكنولوجية، لتشرفهم هي بدورها وهي أهل لذلك، وترفع معنويات الناطقين بها، وتكون سندا قويا للمتعاطفين معها، إثباتا للذات، وتحقيقا للاستقلالية اللغوية، وتميزا في الإبداع الأدبي والفني والفكري والثقافي الداعم لعناصر الهوية الوطنية.
وبهذا الصدد ينبغي التثمين عاليا ذاك القرارالسياسي الصادرمؤخرا عن مجلس الوزراء، الخاص بدعم اللغة العربية والذي أعطى بصيصا من أمل، ورؤية تقترب من الوضوح، لمستقبل اللغة العربية، لأن تتبوأ مكانتها التي تليق بجلالها ومجدها وعلى أرضها، ولكن أين وسائل متابعة تنفيذ محتوى القرار وتطبيق ما ورد فيه ؟

شوهد المقال 1946 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة المبدعة وإفلاس السلطة "المرضعة"

  د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 160   تدخل الثورة السلمية عامها الثاني، الأسبوع القادم، وهي باقية ومستمرة، واضحة في رؤيتها، وسلمية وذكية في أدواتها، ووطنية في جغرافيتها
image

نجيب بلحيمر ـ الثورة السلمية.. مفاجأة الجزائر لنفسها

نجيب بلحيمر   بدهشة اللحظة الأولى يحيي الجزائريون سنوية الثورة السلمية التي كانت مفاجأة الجزائر لنفسها.. جمعة أخرى ترتسم فيها صورتان، الأولى لجزائر المستقبل التي
image

العربي فرحاتي ـ الحراك ..والكيد لمحاولات اعتقال الحراك والسطو ...

 د. العربي فرحاتي  صحيح أن العصابات أرهقت الشعب طيلة حكمها منذ الاستقلال بكيدها ومكرها وبسياساتها التحكمية والاحتوائية .حيث أزاحوا الشعب ومقومات ثورته باسم الشعب
image

النظام الجزائري يرفض رسمياً ترخيص لإقامة ندوة جامعة في قاعة حسان حرشة لفتح نقاش جاد بين نشطاء وفعليات الحراك

بيان  تأجيل الندوة الجامعة لنشطاء وفعاليات من الحراك الشعبي والدعوة الى عقد ندوة صحفية غدا الخميس *نحن فعاليات ونشطاء من الحراك الشعبي، احتفالا بالذكرى الأولى
image

وليد عبد الحي ـ في مختبراتهم نحو المستقبل

 أ.د . وليد عبد الحي  ما الجديد في جعبة العلم القادم ؟ وما هي المشروعات التي يفكرون ويعملون على انجازها ؟  1- الوصول الى
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الفقر يصافح صانعه

عثمان لحياني  يحدث أن يلتقي الفقر بصانعه في قصر المؤتمرات في العاصمة الجزائرية، فعلى شاشة كبيرة شاهد الرئيس عبد المجيد تبون والوزراء في الحكومة
image

سعيد لوصيف ـ الموقف: ارادة التغيير لا تتأتى ببيانات.. المبادرات تشخيص مغلوط لواقع معلوم...

د. سعيد لوصيف  الواقع مستمر منذ سنة ويعبر عن صراع ارادات : ارادة التغيير في مواجهة ارادة اعادة انتاج النظام واستمراره... القول بندوة جامعة ينمي
image

فوزي سعد الله ـ عن إسهام الأندلسيين في نهضة بجاية وازدهارها والدِّفاع عنها...

فوزي سعد الله   "...في القرن 13م، أًصبح الأندلسيون، يقول ناصر الدين سعيدوني في "دراسات أندلسية" ، يحتكرون تقريبا المناصب العليا في الدولة في
image

نجيب بلحيمر ـ سلطان الظلام ..القانون غير المكتوب في الجزائر

نجيب بلحيمر  في ثلاثة ايام يظهر الحكم بالإعدام الذي صدر في حق جريدة النهار. لا يهم رأينا في الجريدة ومحتواها، لا نعرف كيف اتخذ قرار حرمانها من
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك لا تختصره في زاويتك المفضلة لكي لا تصدر عليه حكما

 د. عبد الجليل بن سليم  الامبراطور الروماني Marcus Aurelius لم يكن فقط رجل سياسة بل كان أحد أعمدة الفلسفلة الرواقية التي كان يستعملها في

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats