الرئيسية | الوطن الثقافي | الرجل الموقف ..مؤمن آل ياسين ..

الرجل الموقف ..مؤمن آل ياسين ..

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
     الاستاذ بدر الشبيب  
 
إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) سورة يس.
مقطع عظيم من سورة عظيمة يتحدث عن موقف عظيم لرجل عظيم.
الرجل العظيم لم يُذكر اسمه في الآيات، حيث التركيز على الرجل/ الموقف. أما الروايات فقد ذكرته بلقبه (مؤمن آل ياسين، أو صاحب ياسين) كما ذكرته باسمه ( حبيب النجار ).
الرجل كان يعيش في أطراف مدينته الوثنية، أو (أقصى المدينة) بحسب التعبير القرآني. يعتزل القوم جسدا كما اعتزلهم روحا ووعيا، ولكنه الغائب الحاضر باندكاكه في شؤونهم، وحمله لهمومهم، وحرصه على إنقاذهم وتحريرهم من ظلمات الجهل إلى الآفاق النورانية الرحبة.
كان يتابع باهتمام مجريات الأحداث في مدينته :إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (15).
ثلاثة من المرسلين جاؤوها يدعون أهلها لعبادة الله وحده، ولكن – كما هي الحال دائما – يقابَل المصلحون بالتكذيب والاستهزاء وبالتشاؤم منهم وإلقاء التهم جزافا عليهم، وأخيرا تهديدهم بمنطق القوة العاجز أمام قوة المنطق:
قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18).
وعندما وصل الأمر إلى هذا المنعطف الحاسم، لم يقف حبيب النجار متفرجا، بل تحرك بسرعة وجاء من أقصى المدينة (يسعى) ليقف إلى جانب الحق منتصرا له غير مكترث بما سيصيبه من أذى، مستعدا لتحمل أسوأ النتائج، وليسجل موقفا بطوليا يخلده التاريخ.
ألقى مواعظه المنبعثة من قلبه الكبير الحريص على سعادة قومهم ومستقبلهم، والمؤيدة بالأدلة العقلية المتينة:
يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ (21) وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (24)
ولكن القوم أصروا على استكبارهم عن الحق، وذهابهم في الغي، ورفضوا الاستجابة لنداء الفطرة. لقد فضلوا البقاء في السجون التي اخترعوها لأنفسهم مستمرئين قيودها وظلماتها. وهكذا ترفض بعض الشعوب الحرية والكرامة فلا تستجيب لنداءاتها، ولا تتفاعل مع تطلعات مصلحيها، لأنها وطنت نفسها على الذلة والمهانة، واكتفت من حياتها بأرذل العيش.
أمام هذا العناد، أعلن حبيب النجار موقفه بكل شجاعة، صريحا واضحا، وهو يعي ما سيجره عليه هذا الموقف من بلاء.
إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25)
ما أكبر التحدي في قوله: فَاسْمَعُونِ.
لم تتعرض الآية التالية لما حدث له، ولكنه مفهوم من السياق بدلالة الاقتضاء. لم يتحمل قومه هذا الإعلان منه، رغم أنه مجرد إعلان عن عقيدة، فقاموا بقتله. هو إذن سلوك المستبدين وأنصارهم عبر التاريخ. لا يتحملون الرأي الآخر أبدا، ويواجهونه بأسلحتهم المعهودة من سجن وتعذيب ونفي وقتل.
وهنا وقفة قرآنية جميلة. حيث أن إهمال ذكر حادثة قتله يمكن أن يراد بها أن قتلهم إياه كأنه لا شيء بالنسبة له، أو أن القتل لم يستغرق من الوقت إلا يسيرا جدا وكان معبرا مباشرا إلى الجنة، إذ ليس بين استشهاده ودخوله الجنة فاصلة تذكر.
إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26)
وعندما دخل الجنة، لم يشغله نعيمها، كما لم تمنعه فعلة قومه الشنيعة به عن التفكير في مصيرهم. فها هو هناك يتمنى أن يعلم قومه الغافلين ما حازه من جوائز من رب كريم، فيغيروا موقفهم ويؤمنوا، وينالوا بالتالي ما ناله من غفران وإكرام.
أي نفس كبيرة هذه التي لا تفتأ تنشغل بصلاح الآخرين حتى بعد انتقالها لدار النعيم؟ وأي نفس هذه التي تتمنى لقاتليها أن يستيقظ ضميرهم كي يلحقوا بها ويشاركوها المنزلة الرفيعة.
قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)
لقد حصل على جائزتين عظيمتين: تخلية من الذنوب، وتجلية بالمقام الرفيع. ومع ذلك لم ينسَ قومه.
التحق هو بالمكرمين من الملائكة وعباد الله المخلَصين والمخلِصين (بفتح اللام وكسرها )، كما أخبر تعالى عنهم في كتابه:
وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) الأنبياء
إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ (41) فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ (42) الصافات
أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ (35) المعارج.
هكذا هم الرجال أصحاب النفوس الكبيرة والمواقف العظيمة؛ نبلاء أينما كانوا، لا يشغلهم شيء عن لفتات النبل.

شوهد المقال 2543 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ الفارس الملثم

خديجة الجمعة    وفي ليلة ظلماء أسهبت بنظري للسماء محلقة بفكري . علني أجد شيئا ما بداخلي. وإذ بي أراه حقيقة لاخيال وتلعثمت حينها . وفركت عيني
image

عادل السرحان ـ شهداء الجزائر يعودون

عادل السرحان                   أهلاً بمَنْ فدّى الجزائربالدمِإذ عاد مزهواً بأجمل مقدمِأرواحهم قد حلّقت فوق  العُلاورفاتهم مسك يضوع بمعصمِ مُذْ في فرنسا والجماجم عندهاشطر الجزائر تستديرُ لتُحرمِسبعون عاماً بعد
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في
image

وليد عبد الحي ـ حماس وفتح: تمويه الاستراتيجي بالأخلاقي

 أ.د.وليد عبد الحي  الاعلان الاخير عن لقاء قيادات من حماس وفتح لبحث " تحقيق وحدة وطنية" للرد على القرار الاسرائيلي بضم اجزاء من الضفة
image

عبد الجليل بن سليم ـ مناورة النظام الجزائري اطلاق معتقلي الرأي وهو في la crise و كل قرد و بنانتو the red herring gambit

د. عبد الجليل بن سليم  أولا الحمد لله على أنه هناك مجموعة من معتقلي الحراك من أبناء الشعب أطلق سراحهم (الحمد لله على السلامة كريم
image

العربي فرحاتي ـ لنتعامل مع الحقيقة التاريخية لا مع تجار الحقيقة التاريخية

د. العربي فرحاتي  فسر لجوء بومدين بعد انقلابه على بن بلة ١٩٦٥ إلى تجميع رفاة قادة الثورة وإعادة دفنهم تكريما لهم..بأنه بحث عن شرعية ثورية
image

طيبي غماري ـ الذاكرة والتاريخ ..والسيدة التي ساعدتنا في مركز ارشيف ماوراء البحار بفرنسا

 د. طيبي غماري   بمناسبة النقاش حول الذاكرة والتاريخ والأرشيف ومراكزه، ساقص عليكم هذه القصة التي أتذكرها دائما وارغب في روايتها كلما أتيحت لي الفرصة. في
image

محمد زاوي ـ فريد علي بلقاضي وابراهيم سنوسي الباحثان الجزائريان ودورهما في استرجاع جماجم القادة شهداء الجزائر ..الجماجم عار فرنسا

زاوي محمد   يرجع الفضل في اكتشاف جماجم القادة الأولين للمقاومة الجزائرية لمواطنين جزائريين ليس لهما أي إنتماء حزبي في الجزائر ولا أي متدادا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats