الرئيسية | الوطن الثقافي | غماري طيبي ـ الجامعة ومكوناتها

غماري طيبي ـ الجامعة ومكوناتها

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د. غماري طيبي 
 
تتشكل الجامعة من وجهة النظر الرسمية من جماعة الأساتذة وجماعة العمال وجماعة الطلبة وجماعة الإدارة. من الناحية التنظيمية تخضع الجامعة لنفس طرق وأشكال وقوانين التنظيم المعمول بها في اي مؤسسة في اي قطاع آخر، فما عدى المجلس العلمي الذي لديه دور استشاري فقط، لا تختلف هذه المؤسسة عن غيرها من المؤسسات، حيث لم يتم مراعاة طابعها الخاص الذي كان من المفروض أن يعطيها نظاما خاصا ومركزا خاصا في المجتمع. علما ان الجامعة في الحالة الصحية لا تُعطى بل تنتزع.
فالجامعة اضافة الى كونها مؤسسة نقل ونشر وتخزين المعرفة الضرورية لاستمرار وتطور الدولة، هي اولا مؤسسة ابداع وابتكار اي مؤسسة انتاج المعرفة، وهذا ما لا يمكن حدوثه بدون توفر جو من الحرية المؤسسة على تنظيم ديموقراطي يتجاوز الكثير من العراقيل الوظيفية التي تسبب فيها التنظيم البيروقراطي الذي تخضع له.
في هذا الوضع غير الطبيعي نشأت الجماعات الأربعة المشار إليها في البداية لتكون هي بدورها مسيرة برؤية بيروقراطية مانعة لأي شكل من أشكال الحرية والإبداع.
فعلى مستوى الإدارة تخضع تعينات المسؤولين في كل المستويات لمنطق الزبونية البيروقراطية، اين يتم تأخير الكفاءة والقدرة على تطوير أشكال جديدة وخاصة للقيادة والتسيير خلف معايير أقل ما يقال عنها أنها ميزاجية لأنها تخضع كلية لمزاج ومصالح المسؤول الأول ومستشاريه، ومن هنا يصبح المسؤول المحلي خاضعا بشكل كلي وبما يشبه العبودية لأوامر من عينوه، وإذا اقيل من عينه فهو لا يرتاح لأنه سيكون مطالبا بتغيير طريقة عمله لتنسجم مع طريقة السيد الجديد أو العودة إلى جماعة الأساتذة. بمثل هذا المنطق لا ينتظر من المسؤول المحلي إلا تسيير الميزانية واستهلاك أقصى ما يمكنه سنويا وضمان دفع الأجور للعمال والأساتذة وضمان الحد الأدنى من الخدمة للطلبة والجماعات الأخرى. ولهذا يُظهر المسؤولون المحليون وبشكل مطلق، اللهم بعض الاستثناءات، ضعفا مستديما ومستمرا أمام الإشكاليات التي تصادف الجامعة، والكثير منهم ينحرف نحو الفساد للتعويض على هذا الضعف وللانتقام من أسياده الذين عينوه، أو لخدمتهم بشكل أفضل وأفيد، ومن ثم التطور والتقدم في قناة الصرف الإداري، عله يصبح يوما ما سيدا على من عينه.
جماعة الاساتذة، ليست افضل حالا، حيث انه تم في الأصل تعويم هذا السلك بالنطيحة والموقودة والمتردية وما اكل السبع، حيث أن هناك جزء مهم من هذه الجماعة راض لمجرد أنه يوجد داخل الجامعة، بل هناك من يمكن أن يقبل البقاء فيها حتى بدون اجر. تدافع عن هذه الجماعة العديد من النقابات البيروقراطية الغارقة في مشاكل تنظيمية لا تتوقف، أو المتخفية وراء اعلانات ايديولوجية لا تزيدها ولا تزيد الجامعة الا عزلة وبؤسا، أربع نقابات لم تستطع رفع اي انشغال مهما كان بسيطا للاستاذ الجامعي، ويبقى العار الذي يتحمله المسؤولون والنقابيون والأساتذة على حد السواء، هو ابقاؤهم اجر الاستاذ المساعد في حدود 45000 دج اي حوالي 220 أورو دون أي احتجاج أو حتى مجرد تذكير للوصاية بهذا العار، يثبت هذا العار ما قلته سابقا من أن هناك من سيقبل بمجرد البقاء في الجامعة ولو بدون اجر ويمكن ان يزيد من كرمه بونيسا Bonus، كأن يصبح زفافا مثلا.
نتيجة هذا الوضع البائس ساد جو من اللا مسؤولية، التي حولت الاستاذ الجامعي إلى موظف بيروقراطي من النوع السلبي الذي يهتم باحترام القواعد أكثر مما يهتم بتقديم خدمة نبيلة، فانقسموا بين من يؤمن بالنجاح للجميع الا من ابى، وبين من يؤمن بأن النجاح لا يكون إلا على جثته.
جماعة العمال هي الأخرى تعاني بين التهميش والاستغلال، ففي هيكل يحتوي على عشر مدرجات ومائة قاعة وأكثر من عشرين مجمع مراحيض اكرمكم الله تكلف خمس نساء مسنات بتنظيف ما لا يمكن تنظيفه، ونفس الشيء بالنسبة الحرفيين وباقي العمال عدد قليل وأعمال كثيرة تنتهي بوضع كارثي مراحيض لا يمكن أن يدخلها إلا الجن أو من هم في صفتهم اوساخ وكلاب في كل مكان واشواك وحشائش تحوي ما لا اراك الله من زواحف وحيوانات.
اما جماعة الطلبة، وبسبب شعبوية السلطة منذ 62 تم تعويم الجسم الطلابي بمن هب ودب حيث لم يعد الجسم الطلابي يشكل نخبة بل هو جزء مقتطع من المجتمع بغثه وسمينه، حيث يوجد به حوالي 20 بالمائة على أقصى تقدير ممن يريدون الدراسة فعلا، والذين ينجحون في الوقت المحدد ويتخرجون ليحصل بعضهم على مناصب دنيا في نظام بيروقراطي معطل، وجزء آخر تنهشه البطالة والندم، وجزء ثالث وقليل جدا يواصل في الدراسات العليا، بعد نجاح مستحق في تحصيل جزء من مناصب الماجستير والدكتوراه، كمظهر تمويهي تضطر له الادارة لتثبت به نزاهة الجامعة. اما البقية فهم مجرد حشو منهم من يعمل بكل الطرق القانونية وغير القانونية لتحصيل شهادته، التي ينالها بعد ضعف او ضعفي المدة القانونية، ومنهم من يعمل على الخلود في الجامعة، علما ان هذا النوع هو من يتحكم في الجامعة وهو من يسرق الجزء المتبقي من مناصب الدراسات العليا فيتحول بقدرة من يرعونه إلى استاذ من النوع الذي ذكرناه أو إلى مسؤول يتحكم في رقاب الأساتذة بالكذب والفساد والشعبوية.
نشخص هذه الحالة السوداوية لجامعة كمؤسسة معطلة تؤدي الحد الأدنى المطلوب منها تشغل بعض الناس لممارسة وظيفة احتجاز جمع أكبر من الناس مقابل حد أدنى من المصاريف، التي لا تؤثر على توازنات الدولة لحد الان، وإذا تأثرت هذه التوازنات فالحل بسيط ومعروف من الآن.

شوهد المقال 98 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جلال خَشِّيبْ ـ "النهاية الجديدة للتاريخ" بَرَاغ خانا

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) مجلّة المصلحة القومية، 06 مارس 2021، الولايات المتحدّةالكلمات المفتاحيّة: الجيوبولتيك، العلوم السياسية، نهاية
image

حكيمة صبايحي ـ جلالة "الهايشر"

حكيمة صبايحي  من أطلق لفظة "الهايشر" على الشعب الجزائري؟ ماذا تعني لفظة "الهايشر"؟ طبعا لا يمكن أن تعني إلا لفظة سوقية تحط من شأن الشعب الجزائري،
image

جمال الدين طالب ـ لماذا يزعجهم "التاجديتيون"؟ بعض الأفكار لمحاولة الفهم ...

بقلم: حسني قيطونيترجمة: جمال الدين طالب تحليل ممتاز للباحث والمخرج الأستاذ حسني قيطوني نشره اليوم على صفحته على فيسبوك ولم أستطع الانتظار لترجمته بسرعة للعربية ومستقبلا
image

Kitouni Hosni ـ Pourquoi les Tadjadit dérangent ?

Kitouni HosniQuelques idées pour tenter de comprendre...Le cas Mohamed Tadjadit a provoqué une controverse au sein du Hirak et bien au-delà. Pour la première
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 112 الحراك راسخ في السلمية ولكل حدث حديث..

نصرالدين قاسممثل أحرار السلمية في توادهم وتعاضدهم وتضامنهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. في الجمعة الثانية عشرة
image

حماد صبح ـ قراءة في كتاب " السهم المرتد " رفيف دروكر

 حماد صبح يتناول هذا الكتاب أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انفجرت في 28 سبتمبر 2000 احتجاجا على زيارة شارون إلى المسجد الأقصى ، وتعبيرا عن غضب
image

"أُريد ابنا واثقا في نفسه" أول إصدار للكاتبة " مريم عبد الحميد شريبط" عن دار قيرطا للنشر والتوزيع.

الوطن الثقافي ـ ح . و  يصدر عن دار قيرطا للنشروالتوزيع بقسنطينة أول مُؤلف للكاتبة والأُستاذة "مريم عبد الحميد شريبط"، بعُنوان " أُريد ابنا واثقا
image

يسين بوغازي ـ الفٌلول ضد شباب الرئيس ؟!

  يسين بوغازي   رٌفع لثامٌ  زمن تشريعي جزائري ، رفع بمقاسات  جزائر  جديدة  فبدا  غريبا عجيبا يحتاج قراءة وتأمل ؟! 
image

سعيد لوصيف ـ في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح

د. سعيد لوصيف   في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح : أو كيف ينبغي أن يتجه التفكير في مأسسة الصراعية في ديناميكية التحول.. شرعنة معيار عام يحتكم إليه
image

رشيد زياني شريف ـ ماكينة الإعلام، مخلب العصابة

د. رشيد زياني شريف  مرة أخرة، ومن جديد، تتوّحد كافة وسائل الإعلام، المكتوبة منها والمرئية، المعربة والمفرنسة، "العلمانيةّ و"الإسلامية"، الحداثية والمحافظة، في الدفاع كلها عن الجلاد

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats