الرئيسية | الوطن الثقافي | مرتضى كزاز ـ أُحمس فوق الشجرة

مرتضى كزاز ـ أُحمس فوق الشجرة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
مرتضى كزاز 
 
لعل الروايات مثل الأمثال تضرب ولا تقاس، ومثل الوصفات تؤخذ في ميعادها، حينما كتب محفوظ «كفاح طيبة» كآخر أجزاء ثلاثيته الفرعونية؛ كانت رواية توفيق الحكيم «عودة الروح» ما يشبه حجر الأساس لرواية وطنية عن شعب مقهور يبحث عن «زعيمه»، حتى قيل أنها الرواية الوحيدة التي قرأها عبد الناصر ومهدت لجمهوريات الضباط في الوطن العربي، كان المناخ حول محفوظ هو مقاومة السرديات الأجنبية عن الذات وأن يكتب الشعب تاريخه بنفسه ويستعيد هويته المستلبة، خلافاً للبضاعة الثقافية في روايات جرجي زيدان في ذلك الوقت، التي يصفها النقاد أنها لا تعنى بالجوانب المشرقة في التاريخ الشعبي، وغير مهتمة بإنتاج روح وطنية. وبتشجيع من أبيه الروحي سلامة موسى نشر محفوظ عبث الأقدار ( اسمها الأصلي حكمة خوفو) ثم رادوبيس، ثم كفاح طيبة، التي اُقتبس منها مسلسل الملك-أحمس الملغى عرضه، وكان الإسقاط التأريخي فيها واضحاً عن ثورة ١٩١٩ وسلسلة الاحتجاجات الشعبية في مصر بقيادة حزب الوفد وتذمر الناس من الاحتلال البريطاني والغاء الدستور واعلان الأحكام العرفية، وإذا آمنا بقول لوكاتش فالرواية التاريخية هي رواية حقيقية على نحو مغاير!، والمسلسلات المأخوذة من روايات تاريخية، تثير الحوادث الماضية وتبعثها لتعاش بشكل يومي معاصر ككناية عن مجريات الواقع، وقد تقول ما لايقوله التاريخ ولا تلتزم بتفاصيله، بل هي رؤية الفنان للأحداث الآنية بشخوص مصنعة في مطبخه الشخصي مع توابل من الماضي.
لكن التاريخ ليس شيقاً دائماً، فكان لمحفوظ أن يبتدع قصة خيالية بين الملك الشاب الذي سلبت منه أرضه وبين ابنة ملك الهكسوس الغزاة، جسدتها الفنانة ريم مصطفى في المسلسل الذي شاهده الجميع دون أن يشاهده أحد، وهي مثال موجز عن السخط الشعبي الذي يرى ملامحها غير المصرية نشازاً برغم امتثال أصحاب العمل لكلمات محفوظ شبه حرفياً، كما لو كانت تلك الفنانة قد خطتها أنامله، إذ يقدم الشخصية في الرواية هكذا :« كأنها شعاع من النور الساطع يغشى العيون، شقراء يعبث النسيم بحاشية ثوبها الأبيض، ويراقص ذؤاباتها الرقيقة الذهبية ...و رأى وجهاً تجسم فيه الحسن والكبرياء، ففيه من دواعى الفتنة بقدر ما فيه من نوازع الهيبة، ورأى عينين زرقاوين، يتجلى فى صفائهما التعالى والاقدام»، مع أن العمل الدرامي يملك مساحة كبيرة للتهرب من الالتزام بالصور الفوتغرافية التي يلتقطها المؤلف لشخصياته، إلا أن لصانع العمل ما يرى و «الناس مسلطون على أموالهم» ومسلسلاتهم!.
قرأت اليوم أن المسلسل أوقف عرضه بقرار «سيادي»، ولست هنا في مقام الاعتراض او الدفاع عن المسلسل أو عن قوة الدهماء التي دفعت السلطة إلى منعه، إنما استعمل هذا المسلسل كمثال لموضوع أوسع، فالمسألة بخصميها ليست نزيهة ولا عقلانية، لا السلطة التي تتحكم بشركات الانتاجات العربية أو تتخادم معها، ولا قوة الدهماء في السوشيال ميديا التي لا يعني اختلافها أو اتفاقها على قضية ما، فساد هذه القضية أو صلاحها، فقد يعجب الناس بالغث والتافه ويتفقون بقضهم وقضيضهم على ازدراء الرصين.
بل أن ما يثير الانتباه هو حساسية الدهماء لممتلكاتها الوطنية الحسية وهويتها المتخيلة٬ لدرجة أن تتحول تلك الحساسية إلى عمى مؤقت عن عيوب الذات، وتتوحش لتخيف كل من يفكر بتناول التأريخ أو تحريكه في خياله المجرد، هنالك طبعاً وسيلة واحدة لارضاء ذلك المتفرج السعيد، وهو آلة الزمن، أن تقوم ببث مباشر للفراعنة والهكسوس والبابليين والسومريين ليتصفحه في جهازه النقال، وأنت هنا لا تلغي الفن فقط، إنما تتخلص منه ومن التأريخ ومنا ومنكم ومنهم جميعاً، ما أقصده، أن الأمانة التأريخية المنشودة في الصورة التلفزيونية أو السينمائية هي رابع المستحيلات بعد الغول والعنقاء والخل الوفي، ونحن نتحدث هنا عن الواقعية الخارقة لا عن عن التفاصيل التي ينبغي طبعاً أن تدرس جيداً كالأزياء والوجوه والمواقع والديكورات إلخ . ولعل المفارقة هي أن موجة مسلسلات الروح «الوطنية جداً» تنتعش في أوساط تعاني من تضييق في الحريات الدنيا على الناس بما يشبه العلاقة الطردية، زيادة في الدعاية الوطنية تقابلها زيادة في خنق معايش الناس وحرياتهم المدنية، لتصبح هذه الأعمال الدرامية بديلاً معاصراً للأفلام والأغنيات التعبوية التي تغافل شعور الناس بالنكسة والخسارة وتجعلهم يشعرون بالنصر في عز خيباتهم، وكان أحمس وغيره انصياعاً لذلك الترند السلطوي وتنفيذاً له، لكن الدهماء غيرت مزاجها فغيرت السلطة حساباتها.
قام محفوظ بتحضير روح أحمس على طريقته وفي سياقه وفي لحظته الخاصة أيام الأربعينات، حتى أن تأويلاً قيل في وقتها أن أحمس المحفوظي هو محاكاة للملك فاروق المخذول ودعوة الناس للالتفاف حوله حتى يطرد الإنجليز، وقيل سعد زغلول، وقيل غير ذلك٬ لكن المعنى ليس في قلب الشاعر، ولا في أنف الروائي، المزحة في فن الرواية أن المعنى لا يحفظ في القلب، ولا حتى في الثلاجة.
بعيداً عن أحمس، كيف سينجو الخيال إذا كانت الآنسة دهماء شديدة الحساسية إلى هذا الحد، من يطبب جرحها القومي النرجسي إذا حطت في رأس كاتب ما فكرة صادمة لا يريد المواطن الكريم أن يراها في نفسه، لأنه يحب أن يرى نفسه عربياً أصيلاً مقداماً شجاعاً هماماً أبياً عزيزاً مقداماً مغواراً٬ هو صانع الحضارات وصادم القطارات .. . قد يترحم خيال الكاتب هو و كل الحيوانات الخرافية التي تسرح فيه على الرقيب السياسي وكاتب التقارير والمخبر الأمني، في ظل ذلك الإصغاء القبيح لكل رأي سريع في مواقع التواصل، يكبر ككرة الثلج ويصبح رأياً عاماً يخافه الجميع، مع أنه رأي مربوط ومسيطر عليه في قفص، يهشه عليك وقت اللزوم أهل الحل والعقد، لأن قوة الدهماء ليس في أسنانها بل في اليد التي تمسك الحبل في عنقها.
في رواية البريطاني جوليان بارنز، الإحساس بالنهاية، في فصلها الأول يسأل الأستاذ تلاميذ الجامعة في لندن الستينات، ما هو التأريخ، فيسمع أجوبتهم المتفاوتة والغاضبة والمراهقة، واللمّاحة :« التاريخ أكاذيب المنتصرين»، يقول آخر :« التاريخ أمجاد وهمية يهذي بها المنكوب والخاسر»، لكن أدريان الذي سينتحر فيما بعد قال تعريفاً غيّر مجرى الفصل الدراسي: «التاريخ هو يقين ناتج عن التقاء ثقوب الذاكرة بقصورنا في التوثيق». في هذه المساحة، في ذلك الجزء المشكك الذي نعجز عن تأكيده يحتل الفن موقعه، وهي منطقة لا يمكن وصمها بالتزوير أو الكذب، لأنها لا تدعي الحقيقة.

شوهد المقال 65 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جلال خَشِّيبْ ـ "النهاية الجديدة للتاريخ" بَرَاغ خانا

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) مجلّة المصلحة القومية، 06 مارس 2021، الولايات المتحدّةالكلمات المفتاحيّة: الجيوبولتيك، العلوم السياسية، نهاية
image

حكيمة صبايحي ـ جلالة "الهايشر"

حكيمة صبايحي  من أطلق لفظة "الهايشر" على الشعب الجزائري؟ ماذا تعني لفظة "الهايشر"؟ طبعا لا يمكن أن تعني إلا لفظة سوقية تحط من شأن الشعب الجزائري،
image

جمال الدين طالب ـ لماذا يزعجهم "التاجديتيون"؟ بعض الأفكار لمحاولة الفهم ...

بقلم: حسني قيطونيترجمة: جمال الدين طالب تحليل ممتاز للباحث والمخرج الأستاذ حسني قيطوني نشره اليوم على صفحته على فيسبوك ولم أستطع الانتظار لترجمته بسرعة للعربية ومستقبلا
image

Kitouni Hosni ـ Pourquoi les Tadjadit dérangent ?

Kitouni HosniQuelques idées pour tenter de comprendre...Le cas Mohamed Tadjadit a provoqué une controverse au sein du Hirak et bien au-delà. Pour la première
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 112 الحراك راسخ في السلمية ولكل حدث حديث..

نصرالدين قاسممثل أحرار السلمية في توادهم وتعاضدهم وتضامنهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. في الجمعة الثانية عشرة
image

حماد صبح ـ قراءة في كتاب " السهم المرتد " رفيف دروكر

 حماد صبح يتناول هذا الكتاب أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انفجرت في 28 سبتمبر 2000 احتجاجا على زيارة شارون إلى المسجد الأقصى ، وتعبيرا عن غضب
image

"أُريد ابنا واثقا في نفسه" أول إصدار للكاتبة " مريم عبد الحميد شريبط" عن دار قيرطا للنشر والتوزيع.

الوطن الثقافي ـ ح . و  يصدر عن دار قيرطا للنشروالتوزيع بقسنطينة أول مُؤلف للكاتبة والأُستاذة "مريم عبد الحميد شريبط"، بعُنوان " أُريد ابنا واثقا
image

يسين بوغازي ـ الفٌلول ضد شباب الرئيس ؟!

  يسين بوغازي   رٌفع لثامٌ  زمن تشريعي جزائري ، رفع بمقاسات  جزائر  جديدة  فبدا  غريبا عجيبا يحتاج قراءة وتأمل ؟! 
image

سعيد لوصيف ـ في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح

د. سعيد لوصيف   في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح : أو كيف ينبغي أن يتجه التفكير في مأسسة الصراعية في ديناميكية التحول.. شرعنة معيار عام يحتكم إليه
image

رشيد زياني شريف ـ ماكينة الإعلام، مخلب العصابة

د. رشيد زياني شريف  مرة أخرة، ومن جديد، تتوّحد كافة وسائل الإعلام، المكتوبة منها والمرئية، المعربة والمفرنسة، "العلمانيةّ و"الإسلامية"، الحداثية والمحافظة، في الدفاع كلها عن الجلاد

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats