الرئيسية | الوطن الثقافي | طيبي غماري ـ المواطنة في أدبيات الفكر السياسي الاسلامي

طيبي غماري ـ المواطنة في أدبيات الفكر السياسي الاسلامي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د. طيبي غماري 
 
 
ناقشنا ، السبت 27 مارس 2021، في نادي البيان مع الأستاذ باب العياط نور الدين من جامعة شلف موضوع "المواطنة في أدبيات الفكر السياسي الاسلامي"، وبعدما طرح الأستاذ أفكاره، فتح باب النقاش، فتدخلت لتوضيح بعض الأمور، أعيد طرحها هنا مرة أخرى لتعميم النقاش في هذا الفضاء، فقلت (بطبيعة الحال ما أكتبه هنا هو أكثر تنظيما ودقة مما ارتجلته في النقاش، ويحتوي على ما قلته في تدخلي وفي نقاشاتي على هامش الندوة).
تسعى أدبيات الفكر السياسي الإسلامي، ومنذ زمن طويل إلى لي عنق المفاهيم التي أنتجتها التجربة التاريخية والاجتماعية الغربية، ومحاولة طرح المشروع الاسلامي كمشروع مستوعب بل ومنتج (دون أن يعي) لهذه المفاهيم، وبهذا فهو يحتل السبق في طرح مفاهيم كالمواطنة وحقوق الانسان والمجتمع المدني وغيرها، وهذا يعني في النهاية أن هذا الجهد الفكري هو جهد ضائع، لأنه يتم في الاتجاه الخاطئ وبمنهجية خاطئة تماما.
فالمواطنة باعتبارها نتاج تجربة تاريخية واجتماعية غربية، تبقى مفهوما متعارضا بشكل كلي مع روح المشروع الإسلامي، المؤسس بدوره على تجربته التاريخية والاجتماعية (المتوقفة ـ الجامدة) الخاصة. فالمواطنة إنتاج حصري للدولة الحديثة بمفهومها الغربي المنطلق بالأساس من تغير تاريخي في أسلوب التفكير الغربي، والذي تسبب فيه تغير جذري في ثلاثة أشكال أساساية لمنطق التفكير، أدت بدورها إلى ثلاثة اشكال من الثورات، أنتجت ثلاثة محتويات غذت الكثير من المفاهيم الغربية، التي أدت إلى الحداثة الغربية، والتي تسببت بدورها في قطيعة كلية مع الوضع التقليدي للمجتمع الغربي.
الأشكال الثلاثة للمنطق هي: منطق الدولة الذي تغير من الدولة الإمبراطرية إلى الدولة القطرية الوطنية؛ ومنطق رأس المال، الذي أنتج قطيعة جذرية مع الممارسات الاقتصادية القديمة؛ ومنطق التشريع والأخلاق، الذي أسس للقوانين الوضعية المتجاهلة والنافية للقوانين الإلهية المنزلة، والتي كانت سائدة في الماضي. أما الثورات، فتتمثل في الثورة السياسية الفرنسية التي أنتجت وعيا جديدا وشكلا مختلفا لتنظيم العلاقات السياسية؛ والثورة الصناعية البريطانية التي غيرت معالم السوق ووظائف رأس المال محليا ودوليا؛ والثورة الفكرية والثقافية الألمانية التي أطرت الأنظمة التشريعية الغربية وحددت معالم التشريع والأخلاق الوضعية بدل الأنظمة الدينية التي كانت سائدة؛ كل هذا أنتج لنا في النهاية مفهوما المواطنة المتشبع بمحتويات وروح الحداثة الغربية، أي أننا أمام مواطنة متشبعة بالمحتوى العقلاني والمحتوى العلماني ومحتوى الحريات. من هنا اعتبرت أن مفهوم المواطنة هو مفهوم غربي خاص لا يمكن تكييفه مع المشروع الاسلامي القائم على اللإيمان والعقيدة بدل العقلانية، وعلى الإرتباط الوثيق بين الدين والدولة بدل العلمانية وعلى التبعية الإيمانية بدل الحرية.
من هذا المنطلق ستكون أية محاولة لأسلمة هذه المفاهيم الغربية مجرد ترف ورياضة فكرية مارسناها لعقود، مع علمنا باستحالة ذلك في الواقع، فالدعوة إلى أسلمة المفاهيم الغربية والعلم الذي أنشأه الغربيون (الإقتصاد والعلوم الاجتماعية ككل)، هو مجرد وهم يمارسه بشراسة وباندفاع متهور وبراغماتي وشعبوي، كل من عجز عن التخلص من ضغط العقيدة من جهة، والتخلص من رغبته الجامحة في تكرار التجربة الغربية بعيدا عن روحها ومحتوياتها المؤسسة. إن الدعوة إلى أسلمة المفاهيم الغربية، ومن بينها المواطنة، وأسلمة العلوم، ستبقى وهما وجهدا ضائعا، لأن الداعون والممارسون لها هم كمن يحاول أسلمة المسيحية أو أسلمة اليهودية. قال لي أحد الحاضرين المحبين لنادي البيان، والذي أضنه فهم بشكل جيد ما قلته، وهو من القادة الكشفيين، أن دستور الكشاف، الذي يقسمون على احترامه، هو دستور عالمي موحد، يقسم به كل الكشفيون في العالم، ينص في أحد موضوعاته أنه على الكشاف أن يكون أخا لكل كشاف وصديقا للجميع، قال لي أنه عندما يقسم الكشفي بذلك فهذا يعني أنه أخ اليهودي وأخ المسيحي، وأنا أرفض أن أكون أخ اليهودي على الأقل، هذا المثال الذي عرضه هذا الصديق هو التجسيد العملي والبسيط لهذا التعارض الذي لا يمكن التوافق حوله بين المفاهيم الغربية والخطلب الإسلامي، وكل محاولة في مواصلة هذا الجهد الطوباوي والعبثي، تصنف إما ضمن شعبوية براغماتية فردية، أو ضمن براغماتية سياسية جماعية.
رفض أحدهم فكرة التعارض بين المواطنة كمفهوم غربي والمشروع الإسلامي، متحججا بأن المواطنة في معناها البسيط هي الإنتماء إلى دولة والتمتع بحقوق وأداء واجبات، ومن ثم فأين المانع من أن يتبناها الخطاب الإسلامي، هذا الفهم الإختزالي والتبسيطي الذي يعتمده الكثير من اللإسلاميين يستعمل في العادة للمصادرة على المطلوب، بل ويمارسه الكثيرون من باب التعصب أحيانا، ومن باب الجهل بعمق الأشياء أحيانا أخرى، هو الذي يغذي هذا الجهد الضائع، الذي لا زال يصر على أن المسلمين اخترعوا واكتشفوا كل شيء قبل الغربيين بقرون. ما لم يفهمه هذا المتدخل، وفهمه القائد الكشفي، هو أن ادعائه ببساطة المفهوم ليس صحيحا، لأن القول بأن المواطنة هي مجرد إنتماء لدولة والتمتع بحقوق وبواجبات، سيفتح باب جهنم على اصحاب هذا الإدعاء، لأنه بمجرد ما ينتهي من هذا الطرح النظري والتنظيري السطحي، سيصطدم في الواقع بسؤال عملي وبسيط: أية دولة؟ وحقوق وواجبات وفق أي تشريع؟ وبذلك سنعود مجددا إلى نقطة الصفر، لنصطدم بأشكال المنطق الثلاثة والثورات الثلاثة والمحتويات الثلاثة التي أسست لمفهوم المواطنة. يصر هذا التفكير التبسيطي والإختزالي على التعامل مع المفاهيم الغربية كما يتعامل مع السلع في السوبر ماركت، يبحث عن الحلال منها فينتقيه، ويستبعد الحرام، وعندما يجد أنه لم يبقى له إلا الحرام، يُفعل القاعدة الفقهية (المبسطة والمختزلة هي بدورها): الضرورة تبيح المحظورات.
بسبب هذا الشكل من التفكير الإختزالي تقف الأمم المسلمة اليوم في منتصف الطريق فوق خيط رفيع يشبه الصراط المستقيم، الفاصل بين الدولة المؤسسة على الإرث الإسلامي التقليدي، التي أصبحت تاريخا مضى، والدولة الغربية الحديثة، التي تمثل الحاضر والمستقبل، وبذلك تبقى هذه الأمم في وضع الجمود الذي لا يسمح لها لا بالرجوع إلى إرثها، ولا بالإنطلاق نحو غربها، وهي تتأرج، كلاعب السيرك الأكروباتي لتحافظ على توازن هش ومستحيل، إنها تقاوم فوق الخيط الرفيع مصير السقوط إلى جهنم، بفضل ما حباها الله به من خيرات طبيعية، لا زالت تقدمها ثمنا بخسا لسكوت الغرب على بؤسها وتبئيس شعوبها.
ما هو المطلوب والوضع بهذا البوس إذا؟ يسأل احد المحبين للنادي على هامش النقاش، المطروح اليوم يا صديقي في سوق التحرر من التخلف، واحد من ثلاثة حلول لها رابعها:
الحل الأول هو الإنغماس في الحضارة الغربية بكل محتوياتها والتخلص بشكل نهائي من ضغط العقيدة والإيمان.
الحل الثاني هو الإرتكاس إلى الإرث الإسلامي التقليديى وإعادة إحياء وتشديد وتثبيت ضغط العقيدة والإيمان.
الحل الثالث هو التلفيق بين الإنغماس والإرتكاس من خلال إختزال وتبسيط للمفاهيم الغربية لتقبل اندماج المفاهيم الإسلامية في المنظومة السياسية والإقتصادية والفكرية الغربية.
وهي حلول مستحيلة ولن تنتج إلا استمرار البؤس، وستبقى مبررا مزمنا للشمولية والظلم والفساد.
من هنا سيكون الطريق الرابع هو إعادة بعث التجربة التاريخية للمجتمعات المسلمة، تجربة تسمح بتغيير أشكال منطق التفكير المعتمدة على مستوى الدولة ورأس المال والفكر، لكي تمارس الشعوب ثوراتها الخاصة على المستويات السياسية والإقتصادية والفكرية، لتنتج لنا محتويات خاصة تنظم العلاقة بين العقل والواقع، والعلاقة بين الدين والدولة والعلاقة بين الانسان والمجتمع بمؤسساته المختلفة، هنا فقط يمكننا الحديث عن علاقة خاصة بين الإنسان ودولته، ولنسميها حين ذاك، المواطنة من الوطن، أو المداولة من الدولة، أو المسالمة من الإسلام. بطبيعة الحال إنه مشروع طويل الأمد ربما تكون هذه النقاشات التي يفتحها نادي البيان لبنة بسيطة في طريقه.
 https://www.facebook.com/ghomari.taibi

شوهد المقال 452 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خلجات ...علاء الأديب

دلوني على بلاد لا تجف فيها الأنهار. ولا يحترق فيها القمح ولا يعيش فيها الانسان مهان ولا يموت فيها كموتة الديدان دلوني على بلاد أنام
image

حتى لا يستمر الخذلان

قال الشاعر الشيعي وهو يعبر عن الشيعة، ( أنا شيعي وعندي قصة ويه الحسين ) وما ظهر لي من قصة الشيعي مع سيدنا الحسين رضي
image

فروسية - قصة قصيرة

قصة قصيرة لم يسبق لى أن امتطيت خيلا ولا تعلمت الفروسية، ولا رأيت فارسا فى الحقيقة رغم مقابلتى لكثير من الخيول بحكم تواجد الخيل
image

سماسرة : منظومة الفساد ومافيا تصاريح العمل تستغل العمال الفلسطينيون الى حد العبودية!!

د.شكري الهزَّيل **فلسطيني عن فلسطيني يفرق وعلى جميع السماسره الفلسطينيون على ضفتي الوطن المُحتل ان يخجلوا من السمسرة واستغلال احوال اخوانهم واخواتهم العمال الفلسطينيون اللذين
image

أسباب انخفاض حماسة الشبان الإسرائيليين للالتحاق بالجيش بقلم : حماد صبح

يتوجع عسكريون وساسة إسرائيليون من انخفاض حماسة الشبان الإسرائيليين للالتحاق بالجيش ، في دولة قيل عنها يوما إنها جيش له دولة . ومن أشد العسكريين
image

هل الولايات المتحدة دولة إرهابية ؟! ترجمة : حماد صبح

لا مفر من الإجابة : نعم ، أميركا دولة إرهابية . غالبا ما تشير كلمة " الإرهاب " إلى هجمات عنيفة منظمة على
image

لا لمُعدل أقل من عشرة في البكالوريا والجامعة ليست مكانا للهو.

مبارك لكل الناجحين والناجحات في بكالوريا هذه السنة التي صنعت الإستثناء للمرة الثالثة على التوالي بتبني وإقرار مُعدل 9,5للظفر بالباك أو الثانوية العامة كما يُطلق
image

ما وراء الجدار!!

  د.شكري الهزَّيل في طفولتي المشاغبة لم اترك شئ لم اكتب او ارسم عليه رسمة ما,كتبت على الرمل والحيطان والاشياء وحجارة الرغمون وكنت دائما اشعر اني
image

تحت عجلة التدوير...الشاعرة ريم النقري ..سوريا

أنا لا أكتب الآن بل أتخيّل بطولاتكم على وقع مزامير عقمكم قد تصبحين دمية كبيرة زاحفة باتجاه الموج تترسّب عليها الكثير من
image

دستور نوح فيلدمان يلفظ أنفاسه، وتونس جزء من الأمة بجناحيها العربي والإسلامي

  في كتابه "سقوط وصعود الدولة الإسلامية" الصادر سنة 2008 يقول البروفيسور الأمريكي نوح فيلدمان أن على الإدارة الأمريكية دعم الجماعات الإسلامية في البلاد العربية والتحالف

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats