الرئيسية | الوطن الثقافي | طيبي غماري ـ أنثربولوجية الناير.... أو الناير كما كنا نعيشه....

طيبي غماري ـ أنثربولوجية الناير.... أو الناير كما كنا نعيشه....

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د. طيبي غماري 
 
كنت دائما أتساءل وأبحث عن السبب الذي جعل الدين الإسلامي يتغاضى عن ممارسة الناير، ولم يناقشها فقهاؤه يوم كانوا في عز قوتهم ... وانتظرنا حتى يتناطح التطرفان الإسلامي والعلماني لتؤدلج ممارسة عادية لم يكن لها كل هذه التشعبات مع أجدادنا وبساطتهم الدينية والثقافية..... أمام هذه الإشكالية التي تفترض أن الدين الإسلامي عندما دخل شمال إفريقيا وجد هذه الممارسة ... ولكنه لم يمنعها ولم يناقشها حتى ... على حسب علمي، وهذا لسبب بسيط هو أن هذه الممارسة لم تؤخذ كطقس ديني معارض للطقوس الإسلامية التوحيدية، ومن ثمة لم يعترض عليها الإسلام ... لقد كان الناير وحتى زمن قريب ولا يزال في بعض المناطق إلى اليوم نمط عيش وأسلوب تسيير اقتصادي للحياة السنوية للإنسان الشمال أفريقي... سأعرض عليكم الناير كما عشته في طفولتي حتى نهاية الثمانينيات لأثبت لكم أن الناير كان مجرد ممارسة اقتصادية لتسيير المزروع والمنتوج والمخزون الفلاحي.
حتى نهاية الثمانينيات كنا في عائلتنا الريفية والفلاحية نعيش مما نأكل تقريبا، وكنا نعيش إلى حد ما استقلالية شبه تامة ... ثم بدأت هذه الاستقلالية تتآكل شيئا فشيئا حتى أصبحنا نشتري كل شيء بعدما كنا ننتج كل شيء .... كنا نأكل المكسرات والتين المجفف والفاكهة والزبيب بشكل دائم، في حين أصبحت هذه الأمور اليوم حدثا، يتناقش حوله المؤرخ والسياسي ورجل الدين... وأصبح الكرموس أو التين المجفف الذي كنا نملئ به بطوننا ليعيننا على قر الشتاء ... نعم أصبح الكرموس مسألة هوية وانتماء وأصبح مرتبطا بشاشناق وبيناير الإله ذو الرأسين أو إله الآلهة أعاذنا الله من الشرك ومن المشركين...
نعم كان عامنا مقسما بحسب ما تنتج أرضنا ... من مارس إلى جوان تقريبا كنا نعيش من الخضر الموسمية، الجلبان والفول والطماطم والجزر واللفت ثم من أفريل إلى غاية شهر أكتوبر تأتي الفواكه... فكنا ننضج مع هذه الفواكه من يوم إزهارها إلى يوم قطفها ... نبدأ بالفريك والباكور ثم الكرموس وحب الملوك الأجاص والتفاح والمشماش والرمان والبرقوق والتوت والخوخ والسفيزف ... كما جرب جدي البرتقال فأكلنا منه لعدة سنوات... وجرب أبي الموز أيضا وأكلنا منه مرات كثيرة خاصة في السنوات التي لا تثلج ... لا يذهب بكم الخيال بعيدا، فأنا لا اصف لكم الجنة الآن ... إنها أرضنا وثمارنا ... كانت هذه الأمور أحداثا عادية بالنسبة لنا .... أتذكر جيدا أننا كنا لا نعود إلى المنزل لتناول وجبة الغذاء... لم يكن والدي في حاجة إلى التفكير في إطعامنا .... ثم نعود في المساء متعبين منهكين ... وكثيرا ما كنا ننام دون عشاء لأننا نكون قد اكتفينا من الطبيعة.... كنا كالطيور نغدو خماصا ونروح بطانا ... ثم يأتي موسم العنب فنأكل كل الأنواع ولغاية التخمة ويتخلل كل هذا موسم الحصاد فنحصد الحبوب ونزكيها عند حصادها ونصنع منها الروينة والمرمز كم كانت هذه الأكلات ممتعة ... ثم يأتي دور المكسرات من لوز بمختلف أنواعه وجوز .... كنا نشارك أهلنا في مواسم كثيرة نبدؤها بالتقليم والقلب والحرث والزرع ورعاية المزروعات بالسقي ونزع الحشائش والجني ... كنا نستحق فعلا ما كنا نأكله أو ما كنا نسرقه ... لأن جدي رحمه الله كان مسيرا بارعا وكان ملزما بأن يحافظ على نسبة من الثمار في الأشجار حتى تصل موسم الجني ... وبسبب هذه الرؤية التسييرية كان يمنعنا من الأكل بحرية ... فكنا نسترق الثمار أحيانا كثيرة كما يسترق السمع ... وكان جدي يؤدبنا بلطف ويقول لنا عبارته السحرية ... "ياولادي كولوا وما تخصروش" ... أي لا تضيعوا ولتأكلوا على قدر الحاجة ولتتركوا بعض المنتوج لوقت الشدة يوم تصبح الأشجار حطبا لا أوراق ولا أزهار ولا ثمار ... كنا ننافس الحيوانات على بعض الفواكه البرية اللذيذة كالغاز والنبق وعين البقرة واللنج ... ونبحث عن السكوم والفطر ... كل شيء كان موجودا في أرضنا أو بالقرب منها ... ثم يأتي موسم الجني ... كان الجني حفلتنا المتعبة والشاقة ... كانت شاقة ومتعبة لأننا كنا نتعب كثيرا في جني الفواكه والمكسرات ... وكان حفلة لأننا كنا نأكل كثيرا، بل نأكل أكثر من اللازم ومن الحاجة ... وأتذكر جدتي رحمها الله التي كانت تمارس مهمة مراقب العمال ... "ها حشموا يا ولادي ... هاو حبة في البيدو (الدلو) وحب في كروشكم ... ما غادي تخلوا والو ... " نعم كانت هذه هي حياتنا البسيطة المليئة بالنشاط والأكل .... لكنها أيضا حياة مليئة بالنشاط بعد الجني تقوم جدتي بتجفيف كل ما يمكن تجفيفه ... الكرموس والعنب والبرقوق ... وتخزن كل ما يمكن تخزينه ... البطاطا والحبوب بمختلف أنواعها ... والكرموص والسفيزف والبرقوق المجففين والرمان الحبوب والفول والمكسرات ... لم نكن نبيع شيئا ... كنا نهدي بعض المنتجات للأصدقاء والعائلة والأحباب ... ونخزن ما تبقى في مخزن الدار ... نعم العائلة كان عندها مخزن وكان مفتاحه عند الجدة التي كانت تخفيه بإحكام ... تتحول جدتي في فصل الخريف إلى أحب إنسان في المنزل ... فحبنا لها كان يزيد أضعافا مضاعفة بسبب الكنز الذي تخفيه ... ولأنها كانت تحبنا هي أيضا.... كانت تتغاضى عن المفتاح ... وتسمح لنا بالتسلل إلي المخزن وسرقة بعض الكرموس... كانت سرقة جميلة ومؤدبة ... لم نكن نأخذ إلا بقدر حاجتنا ومن الأشياء التي تكون وفيرة جدا فقط ... أما الأشياء القليلة فكنا لا نجرأ على لمسها ... لأن عيون جدتي تكون قد حسبتها بدقة متناهية ... وكنا سنعاقب شر عقاب لو تجرأنا على لمس المخزون الإستراتيجي... كان لجدتي نوع من المكر الجميل ... فكانت تتغاضى عن مفتاح المخزن ... أو تتكرم علينا ببعض اللوز أو الرمان أو الكرموس المجفف .... مقابل استغلالنا في بعض الأعمال المنزلية ... ثم يأتي موسم الزيتون من شهر أكتوبر حتى الشتاء ... وكان الزيتون أسوأ الفاكهة بالنسبة لنا ... لأننا كنا نتعب في جنيه دون أن نأكل منه... لكننا كنا نثار لأنفسنا ولتعبنا بعدما يشقق ويملح ... فكنا نأكل منه بدون توقف ... نظرا لشح الأشجار الأخرى فلم يكن أمامنا إلا الزيتون أو الخٌرِيف ... حيث كنا نغامر بأرواحنا من أجل نصف حبة رمان أو قليل من الجوز ... لكن في كل الحالات كان الخريف لذيذا لأننا كنا نتعب ونغامر كثيرا من أجله .... تبدأ جدتي طوال ليالي الخريف والشتاء في تمتيعنا بما تدخره في المخزن ... كنا تقريبا في كل ليلة وبعد العشاء نجتمع حولها ونبدأ في التحايل عليها حتى تحن علينا بشيء من المخزون ... وكانت هي الوحيدة من يقرر ما سنأكله في تلك الليلة ... كانت مسيرة مخزن بارعة ورائعة ... كانت البركة تنزل من بين أصابعها ... فتعطينا القليل وكنا نراه كثيرا .... نأكل ونضحك كنا ننير في كل ليلة طوال فصلي الخريف والشتاء .... باختصار كنا سعداء .... ثم يأتي منتصف شهر جانفي ويبدأ الشتاء في الانحصار ويبدأ الربيع يحضر نفسه ليحل علينا جالبا الفريك كفاتحة لسنة جديدة من الخير والبركة .... ففي منتصف جانفي تكون جدتي متأكدة من أن العولة المتبقية في المخزن تكفينا لإتمام الشتاء بأحسن حال ... ومن ثمة تختار هي ليلة من الليالي ... لم تكن الثاني عشر من جانفي ... لأنه لم يكن يهمنا الأمر بقدر ما كان يهمنا ما سنأكله في تلك الليلة ... كنا نسمع بعض الأحاديث عن النيروز والعيد الفارسي ... وعن ششناق وغيره من الأساطير التي احتلت حقيقتنا ... فأصبح بعضنا يؤمنون بها كما لو أنها كانت عقيدة .... مع ذلك لم يكن يهمنا شيء ... فجدتي هي من تقرر تاريخ الخلطة السحرية بين مختلف الموجودات في المخزن ... وتاريخ التوزيع ... وكيفية التوزيع ... وهي من تخيط لنا الزوادة ... لم تكن زوادتنا مؤدلجة ... أي لم يكن لها ألوان أيديولوجية ... كانت بسيطة وعملية ... تحمل كل شيء ... ولا تسمح لأي شيء بالسقوط إلا في بطوننا... كم معطف أو جزء من سروال كان يفي بالغرض ... كان الناير احتفاء بقدرتنا على تدوير السنة بنجاح ... كان شبيها بحفلة توزيع الأرباح على شركة نجحت في تحقيق فوائد كبيرة ... كانت الخلطة بسيطة كنا نعرفها جيدا لأننا نحن من زرع شجرها ورعى ثمارها وجنا محصولها وجففها ... نحن من حرسها من الطيور والحيوانات وبعض البشر ... كان بركوكس والشرشم عاديا ولم يكن قد تحول إلى بطاقة تعريف نتعرف بها على بعضنا البعض ... بعد ليلة الناير كنا نتفنن في الاقتصاد في الأكل ... وكنا نتنافس على من يبقي نصيبه إلى الأخير ... ومن آخر من يبقى معه قليل من الكرموس واللوز ... حتى نغيض به بعضنا البعض ... ونبتز به بعضنا البعض ... فنتقمص دور الجدة ... ونصبح نقايض بعض الكرموس ببعض الأعمال والواجبات الموكلة لنا ... هذا هو الناير المستديم كما كنا نعيش بدون عناوين وبدون وسم ... نمط عيش ... شكل من أشكال التسيير الاقتصادي للمزروع والمنتوج والمخزون ... ولهذا السبب تعايش الناير مع الإسلام لعدة قرون ولم يكن أبدا محل صراع ... لأنه بكل بساطة يدخل ضمن "أنتم أعلم بأمور دنياكم" ... أما اليوم فقد حول عنوة إلى ذكرى ملك لا نعلم عنه شيئا ولا يهمنا في أمره شيء .... وخلط بذكرى أديان أخرى حتى ما عندنا نعرف هل سنأكل في الناير أم أننا سنصلي ... الاقتصاد هو سبب كل شيء عندما كنا نزرع وننتج ونجفف ونأكل لم يكن يأبه لأمرنا أحدا ... وعندما أصبحنا نشتري ما يستوردوه لنا بأثمان باهضة ... تدخل رجال السياسة ورجال الدين والمثقفون والمؤرخون المزيفون ... ودجالون لا يعرفون شيئا ولا يمكنهم أن يعرفوا شيئا عن عصور غابرة... ليخطفوا منا نايرنا ... ويعوضوه لنا بيناير غريب تداول عليه الإغريق والرومان والوندال والفينيقيون وكل أمم الأرض ... ويريدون منا أن نرضى ونسلم بما رسموه لنا ... ونقتنع بالتفريط في نايرنا البسيط والبريء ... نايرنا الذي كان يدوم طوال السنة ... مقابل احتفال مؤدلج اختلط فيه الوثني بالجولياني وبالمسيحي والقريقوري ...
الله يرحم جدي وجدتي هما فقط الملكين الوحيدين الذي يمكن أن أنسب لهما ذكرى الناير ... وما عداهما مجرد هراء وتزييف للتاريخ...

شوهد المقال 243 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فضيلة معيرش ـ لا تبكي معي

فضيلة معيرش ـ المسيلة احتضنت مريم وجهها الطفولي الدقيق الملامح المشرئب بالحمرة بكفيها ، ناولتها الخالة نسمة منديلا ورقيا معطرا بالدهشة والحيرة ، وقد تناثرت حبات
image

محمد هناد ـ د̲ع̲ن̲ا̲ ن̲ت̲د̲بّ̲̲ر̲ ا̲ل̲أ̲م̲ر̲ !̲ لسنا بحاحة إلى اعتراف الدولة الفرنسية

د. محمد هناد  هل نحن في حاجة فعلا إلى اعتراف الدولة الفرنسية، رسميا، بالجرائم المرتكبة أثناء فترة الاحتلال لبلادنا كما لو كانت هذه الجرائم غير كافية
image

العربي فرحاتي ـ يا دكاترة الجزائر ..انزلوا إلى الحراك لتتعلموا من الشباب ..

د. العربي فرحاتي  سمعت أحد الأساتذة منذ يومين متخصص في علم التاريخ ..ستعرفون اسمه..يقول أن الانتخابات "دوز دوز " شرعية.. وأن "تبون الرئيس" أتى عبر الحراك
image

معتقل الرأي وليد كشيدة .. الميمز ليست جريمة

 #معتقل_الرأي_وليد_كشيدةالمقال بمساعدة صديقيه نوفل و أسامة.وليد كشيدة الإبن الوحيد لأبويه شاب في 26 سنة من عمره ولد في 14 ماي 1995 بمدينة خراطة ببجاية أين
image

كريمة ابراهيم ـ احسان الجيزاني يهدي الميدالية الذهبية العالمية الى شهداء ضحايا الارهاب الذي ضرب ساحة الطيران بالعراق

كريمة ابراهيم ـ البحرين الجيزاني يهدي الميدالية الذهبية العالمية الى شهداء ضحايا الارهاب الذي ضرب ساحة الطيران بالعراقحصل الفنان العراقي احسان الجيزاني على الميدالية الذهبي العالمية
image

رضوان بوجمعة ـ في ذكرى وفاته الثالثة ... زهير إحدادن زهد في المكاسب و كظم غيض المتاعب!!

د. رضوان بوجمعة  لم أصادف طول حياتي الجامعية _ودون أية مبالغة_ أستاذا اجتمعت فيه الصفات التي اجتمعت في الأستاذ الراحل زهير إحدادن، فهو المؤرخ ومن صناع
image

حمزة حداد ـ اليسار الأمريكي يقود معركة التوغل داخل السلطة الأمريكية من بوابة الحزب الديمقراطي

حمزة حداد لفتت قفازات السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، الأنظار خلال حفل تنصيب الرئيس الأميركي جو بايدن، وتساءل رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن سرّ هذه القفازات الكبيرة.هذه
image

بوداود عمير ـ ملحمة راهبة في الصحراء ، عين الصفراء

بوداود عمر  من أوجه الخلل في الساحة الثقافية أن بعض الأعمال الصادرة عندنا، رغم قيمتها الأدبية وأهميتها التاريخية، لا تحقق الحدّ الأدنى من الاهتمام، وسرعان ما
image

جباب محمد نور الدين ـ اليهودي بنيامين ستورا :يسعى لإغلاق القوس في زمن لم تعد فيه أقواس

د.جباب محمد نور الدين  لما صدر كتابه حول مصالي الحاج انتظرت الرد من أهل الاختصاص، ولما شاهدتهم "ضربو النح " خشية الإملاق والحرمان من عطايا
image

سعيد لوصيف ـ الأصل في المؤسسات تحييد غريزة الموت وبعث غريزة الحياة..

د. سعيد لوصيف  يعتبر التخويف و ممارساته النقيض المنطقي للاتجاه العقلاني في ممارسات الحكم، بل يمكن اعتباره من الناحية التحليلية سلوكا ساداويا، يعتقد اصحابه أن "العقل"

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats