الرئيسية | الوطن الثقافي | جلال خَشّيبْ ـ ستيفن والت في كتابه الأخير "جحيم النوايا الحسنة: نُخب السياسة الخارجية الأمريكية وتراجع الريادة الأمريكية"

جلال خَشّيبْ ـ ستيفن والت في كتابه الأخير "جحيم النوايا الحسنة: نُخب السياسة الخارجية الأمريكية وتراجع الريادة الأمريكية"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
إعداد وترجمة: جلال خَشّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية
 
 
هل "القوقعة" (مُؤسّسة الخارجية) غيرُ مَلَومةٍ حقّا؟ كيفيةُ عدمِ تقييمِ الاستراتيجية الأمريكية الكبرى
ستيفن والت، مجلة السياسة الخارجية، 22 سبتمبر 2020/ الولايات المتحدة

يُناقش ستيفن والت في هذا المقال مجموعةَ الإنتقادات التّي طالت كتابه الأخير "جحيم النوايا الحسنة: نُخب السياسة الخارجية الأمريكية وتراجع الريادة الأمريكية" والتّي وردت في مراجعةٍ سابقةٍ قدّمها فرانسيس غافين، واصفاً أغلبها بكونها مجرّد إدّعاءاتٍ وتضليلٍ يدّعي صاحبها الحياد الأكاديمي والسياسي، في حين لا يَخفَ على أحدٍ مَيْله الشديد لتيّار الهيمنة الليبرالية (الذّي ينتقده كتاب والت بشدّة) الداعي لإنخراطٍ أمريكيٍ أكثر في العالم بالرغم من كلّ الكوارث التّي ألحقها هذا التيار المهيمن بالسياسة الخارجية الأمريكية منذ سنة 1991.
قبل كلّ شيء، يسير كتاب "جحيم النوايا الحسنة" –مثلما يقول والت- على درب تقاليدِ أعمالٍ شهيرةٍ ككتاب رايت ميلز "قوة النخبة"، إضافةً إلى الأدبيات الواسعة عن السياسة البيروقراطية، سياسة مجموعات المصالح والمُجمّع الصناعي-العسكري، فضلاً عن أعمالٍ لمؤرخين اكتشفوا ذلك الميْل المُزمن لمؤسّسة الخارجية إلى تضخيم التهديدات القادمة من الخارج.
يرى والت بأنّ نقد غافين ينحصر في أربعة إدّعاءاتٍ رئيسية، يُقدّم عرضاً لها ثم ينقُدها الواحدة تلو الأخرى. أولاًّ، يدّعي غافين بأنّ السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة قد حقّقت نجاحاً عظيماً بغضّ النظر عن الأخطاء الفادحةِ باهضةِ التكلفةِ في الشرق الأوسط.
ثانياً، يدّعي بأنّ الإستراتيجية الكبرى البديلة التّي أَوْصَى بها والت وزملاؤه المُسمّاة بإستراتيجية التوازن خارج المجال (أو التقيّد وضبط النفس كما تُسمّى أيضا) ستكون كارثةً على البلاد، لذا رفضتها مؤسّسةُ الخارجية والجمهور الأمريكي.
ثالثاً، يُصورّ غافين والت ودعاة مقاربة التقيّد بأنّهم شخصياتٌ مركزيةٌ ذات إمكانياتٍ ضخمةٍ وليسوا أقليّةً مُهمشّةً كما يدّعي كتاب والت، وبالتالي فإنّ فشلهم في إقناع النخبة والجمهور بتبنّي مقاربتهم لهو دليلٌ على عدم سلامة أفكارهم.
رابعاً، يدّعي غافين -خلافا لكتاب والت- بأنّ مؤسّسة السياسة الخارجية تتضمّن نخبةً متنوّعةً فكرياً، إحترافيةً، متفانيةً لخدمة المصالح المُثلى للبلاد والعالم.
بعد عرض ادّعاءات غافين والحجج التّي ارتكز عليها، يُسهِب والت في نقد كلٍّ منها مُقدّماً أمثلةً عمليةً عديدة. أولاًّ، يُسلّط الضوء على الكوارث التّي خلّفتها استراتيجية الهيمنة الليبرالية التّي هيمنت على السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة إلى سنة 2016، إذ تسبّبت في هدر الأرواح والثروة والمكانة الأمريكية، فشلت في ترويج الديمقراطية الليبرالية والأسواق المفتوحة وتشكيل العالم على صورة أمريكا كما كانت تهدف، إذ تشهد الديمقراطية اليوم أدنى مستويات الانحدار على الإطلاق، تركت علاقاتٍ عدائيةٍ مع قوى كبرى كروسيا والصين بينما كانت تطمح لإحتوائهما، تغييرهما من الداخل وإدماجهما في النظام الدولي الليبرالي الذّي تقوده، قادت إلى حدوث هجمات 11/9 بعد إبقائها على آلافٍ من الجنود الأمريكيين في الخليج الفارسي تحت مسمّى "إستراتيجية الاحتواء المزدوج"، أدّت إلى مستنقعيْ أفغانستان والعراق وخلقِ دولٍ فاشلةٍ في ليبيا، سوريا واليمن، أدّت إلى تدهور الوضع الأمني في أوروبا ووضع أسسٍ لصراعاتٍ عديدةٍ في البلقان، جورجيا، أوكرانيا، البلطيق، ولم تَحُل دون ابتعاد دولٍ أوروبيةٍ عن الديمقراطية الليبرالية كالمجر، بولندا وتركيا، لم تكبح الانتشار النووي (إيران، كوريا الشمالية، باكستان، الهند)، أنتجت عولمةً مُفرطةً دفعت نحو كسادٍ كبيرٍ سنة 2008.. إلخ.
بخصوص الإدّعاء الثاني، يُحاجج والت بأنّ تبنّي استراتيجية التوازن خارج المجال في التسعينات كان من شأنه أن يَحُول دون حدوث كلّ تلك الكوارث المُشار إليها، كما يَردُّ هنا على التشويه الذّي طال هذه الإستراتيجية من قِبل غافين، فهي لا تدعو إلى انسحاب الولايات المتحدة من العالم ومؤسّساته بشكلٍ نهائيٍ كما يدّعي، بل تدعو إلى مزيدٍ من ضبط النفس، التوقّف عن إهدار الثروة والدمّ هباءً على "حلفاءٍ" أثرياءٍ وقادرين على الدفاع عن أنفسهم، التوقّف عن السعي وراء العولمة المفرطة والبقاء على أهبةِ الاستعداد دوماً للتحالف مع الآخرين إذا كان ذلك ضرورياً لمنع صعود قوةٍ مهيمنةٍ في أوروبا، آسيا أو الخليج الفارسي.
ثالثاً، يؤكّد والت بالأمثلة مرّةً أخرى على أنّ الواقعيين ودُعاة مقاربة التقيّد لا يُسمع لأفكارهم في مؤسّسة الخارجية، لا يرجع ذلك لكون أفكارهم غير سليمةٍ ولا منطقيةٍ كما يدّعي غافين ولكن لأنّهم أقليّةٌ صغيرةٌ في الجامعات الأمريكية ومؤسّسات الأبحاث الكبرى، فالأفراد والمؤسّسات الذّين ينادون بدورٍ قياديٍ عالميٍ للولايات المتحدة وبأجندةٍ أكثر انخراطاً في العالم وطموحاً في السياسية الخارجية هم أكثرُ عدداً وأفضلُ تمويلاً من الجماعة المُنادية بمقاربة ضبط النفس، أمّا الجمهور الأمريكي عموماً فهو أقلّ اهتماماً بالسياسة الخارجية، لذا لا يلتفت إلى نقاشاتها الكبرى خلافاً لما يدّعيه غافين من أنّه جمهورٌ غير مقتنع بمقاربة التقيّد.
أمّا المسألة الرابعة فتدور حول طبيعة نخب مجتمع السياسة الخارجية، حيث يؤكّد والت بأنّه لم يقل إطلاقاً بأنّها نخبٌ تسعى وراء مصالحها الشخصية وتُشارك في مؤامراتٍ مُظلمةٍ ضدّ المصالح العليا للبلاد مثلما يدّعي غافين، بل هي نخبٌ متفانيةٌ تعتقدُ حقّاً بأنّ هيمنة الولايات المتحدة جيّدة للبلد والعالم، وهذا ما يرفضه والت، فهي نخبةٌ ذاتُ نوايا حسنة إلاّ أنّها نوايا قادت إلى جحيمٍ متكرّر، كما ينتقد أيضاً النظام المعمول به في مؤسّسة الخارجية الذّي يحرصُ على الانسجام والالتفاف حول مقاربة الهيمنة الليبرالية، يُبعد المخالفين للرأي السائد هناك ولا يُعاقب المتسبّبين في كوارث سابقةٍ، بل يمنح لهم فرصاً للترقية والعودة من جديد كما حدث مع بول وولفوفيتز، جون بولتون وإيليوت آبرامز.
أخيراً، يؤكّد والت للقارئ بأنّ مراجعة غافين جديرةٌ بالتأمّل لكنّها مُضلِّلةٌ تحملُ كثيراً من الكذب، إنّها تُعبّر عن قلقِ هؤلاء المهيمنين على مؤسّسة الخارجية من الجاذبية المتنامية لمقاربة ضبط النفس بين النخب والجمهور الأمريكي على حدٍّ سواء.
...
إعداد وترجمة: جلال خشِّيب، البوصلة الجيوبوليتكية، مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية، المجلّد الأول، العدد الرابع والأربعين، 02 أأكتوبر 2020، إسطنبول-تركيا (حقوق النشر: مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية 2020، جميع الحقوق محفوظة)
يُمكنكم تحميل العدد كاملا باللغتين العربية والإنجليزية على شكل ملف بي دي أف من الرابطين التاليين:
Arabic PDF:
بعد إنتهاء المراجعة التقنية لموقع المركز، ستتمكّنون من تحميل هذا العدد وجميع الأعداد السابقة باللغات الثلاث العربية، الإنجليزية والتركية.

شوهد المقال 390 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حارث حسن ـ أفكار عن الازمة التي اثارتها الرسوم الفرنسية

د. حارث حسن ليس جديداً القول ان تعامل البعض في فرنسا واوربا مع "أزمة الإسلام" المفترضة يتسم بالتبسيط، وان الطلب من "المسلمين" ان يتصرفوا كالمسيحيين واليهود
image

العربي فرحاتي ـ نتخابات " الريح والهواء" / الغباء ..في مواجهة الذكاء والدهاء

د. العربي فرحاتي  بعد تجاهل السلطة الفعلية لمرض الرئيس وتأكد تعذر حضوره الاستفتاء.. وبعد تكاثر الموت بالكوفيد..ومع ذلك مضت في تنفيذ اجراءات كرنفال الاستفتاء دون اعتبار
image

محمد هناد ـ أهو استفتاء أم استهتار ؟

د. محمد هناد  غدا، الفاتح من نوفمبر، سيجري الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد. ربط الاستفتاء بهذه الذكرى يوحي بما فعله الفيس في انتخابات ديسمبر 1991 حين
image

رياض حاوي ـ لماذا أشجع مارين لوبان كي تصبح رئيسة فرنسا

د. رياض حاوي  انا من انصار المقاربة البنابوية أن الاستعمار هو نتيجة القابلية للاستعمار، وأن الحضور القوي للارادة الفرنسية في الساحة الجزائرية هو بسبب وجود بقايا
image

جباب محمد نور الدين ـ اللقاء مع ماكرون يتلخص في جملة واحدة : أعبد إله الإسلام كما تشاء ولا مكانة لشريعة الإسلام

د. جباب محمد نور الدين  يبدو أن جيشا كاملا من المتخصصين والخبراء كانوا وراء تحضير لقاء مكارون مع قناة الجزيرة ولا استبعد أن
image

عبد الجليل بن سليم ـ شعب عاطفي شعب عنيف شعب سخون ماذا نحن بالضبط ؟!!

د.عبد الجليل بن سليم  دائما عندما التقي بشخص غير جزائري و يكون من المشرق، عندما نقولو بلي أنا جزائر يقول أهل الجزائر دمهم حامي، شعب سريع
image

وليد عبد الحي ـ اليمين الأوروبي والعنف

أ.د.وليد عبد الحي ساهمت مجموعة من العوامل في تصاعد واضح لقوى اليمين ( ذات النزعات القومية) في الجسد السياسي الاوروبي (وايضا الامريكي)، وتتمثل محفزات
image

نوري دريس ـ الحل السحري للسلطة في الجزائر

د. نوري دريس   الأمر الذي يزعج السلطة منذ بداية الحراك, هو رفض الجزائريين للانخراط في احزاب قائمة او تأسيس احزاب جديدة تمثل وتتحدث باسم الجزائريين
image

عثمان لحياني ـ صدفة المفارقة بين أكبر مسجد في افريقيا ورئيس يعالج خارج الجزائر

عثمان لحياني  الصدفة التي تجمع في يوم واحد ، بين افتتاح جامع الجزائر الأعظم للصلاة ، وهو منجز لاشك قيم في عنوانه وعمرانه. وبين نقل الرئيس
image

رشيد زياني شريف ـ عندما لا تعني أكثر من نعم

د. رشيد زياني شريف  السياسة ليست علوم دقيقة ولا تنجيم ولا ...نوايا فحسب، بل قراءة متأنية بناء على تجارب متراكمة ونظرة اسشرافية، من اجل تحقيق الهدف

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats