الرئيسية | الوطن الثقافي | علاء الأديب ـ مذكرات من زمن البارود.. الواجب المميت

علاء الأديب ـ مذكرات من زمن البارود.. الواجب المميت

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
علاء الأديب
 
في صبيحة يوم من أيام عاصفة الصحراء تلك الحرب الكونية التي شنها التحالف الدولي على العراق.  كنا قد ابدلنا موقع عملنا لموقع بديل بعد أن تعرض الموقع الأصل إلى التدمير الشامل من قبل الطيران الأميركي وطيران دول التحالف لكونه احد مواقع التصنيع العسكري المهمة.
صدرت لنا الأوامر انا وصديقي النقيب المهندس صلاح حسين عواد الدليمي بالذهاب إلى الموقع المدمر لجلب ماتبقى من أجزاء يحتاجها الموقع البديل في تجميع سلاح مهم من الأسلحة التي تحتاجها القوات المسلحة . ورغم ان الطريق إلى ذلك الموقع العسكري كان موقعا مراقبا من قبل طائرات التحالف وبأقماره الصناعيه لاهميته ماكان علينا إلا تنفيذ الأمر ولم تكن لدينا غير العجلة المخصصة لي حينها وكانت جيب عسكرية وهذا مايزيد الأمور خطورة فهذه العجلات كانت تعتبر لطيارين قوات التحالف قنصا سهلا. ومع صعوبة الواجب اتكلنا على الله وبدأنا المشوار بتلك العجلة من منطقة تدعى العبيدي الى منطقة التاجي التي كان فيها الكثير من معسكرات الجيش ومصانع السلاح  دمرتها قوات التحالف.
ما هون علينا تلك المجازفة الكبيرة المفروضة باننا تعودنا على مثل هذه المهمات إضافة الى روح الفكاهة التي كان يتحلى بها النقيب المهندس صلاح الدليمي. فقد قضينا اغلب الطريق إلى هدفنا بالنكتة والفكاهة حتى فوجئنا بتحليق لطائرات التحالف فوقنا مما اجبرني على ترك الطريق إلى الأشجار المحاذية له وتمكنت من الاختباء بين الأشجار مع علمنا انا وصلاح بأن الطائرات قد استمكنت منا لأننا كنا الوحيدين في هذا الطريق بعجلتنا العسكرية لكن تلك الطائرات وكماظهر فيما بعد كانت قد حلقت لهدف اخر اهم من استهداف عجبَلتنا. تركنا العجلة وترجلنا لنستتر انا والنقيب صلاح بحفرة كبيرة قد خلفتها قنبلة متفجرة.. بانتظار انصراف الطائرات لنكمل طريقنا لواجبنا. وماهي الا دقائق حتى سمعنا صوت انفجار كبير لم يكن بعيدا عن المكان الذي استترنا فيه. كان صعود اعمدة من التراب والغبار وليس  الدخان يدل بأنهم قد قصفوا بناية اوطريقا مهمة.. وبعد انصراف الطائرات وتاكدنا من خلو السماء منها.. رجعنا الى عجلتنا لكنني اخذت اقودها بين الأشجار بمحاذاة الشارع الرئيس تحسبا لبقاء طائرة قد تستهدفنا. حتى فوجئت باستحالة الاستمرار على الطريق المحاذية بعد أن ظهر لنا بأن الطريق المحاذية قد قصفته الطائرات فاضطررت الي سلوك الطريق المعبد وماهي الا بضعة عشرات من الأمتار حتى انقطع بنا السبيل فقد استهدف تلك الطائرات الطريق الرئيس. وهنا بدأنا نبحث عن طريق أخرى لنسلكه فلا سماح للعودة دون تنفيذ الواجب. فلذنا بعجلتنا إلى حفرة من الحفر التي تسببت فيها الطائرات َتركناها هناك و هممنا لاستطلاع المكان لعلنا نجد سبيلا للوصول وبعد بحث طويل تمكنا من ايجاد طريقا ضيقة يمكننا العبور منها إلى الناحية الأخرى من الطريق الرئيس لكنها كانت محاطة بحاويات  قنابل غير متفجرة  من الممكن أن تنفجر من  من اي صوت أو اهتزاز. وهذا ما تطلب ان اقود العجلة بحذر وبطء شديدين وهذا ماحصل فعلا مع حبس للانفاس لايمكن أن يوصف. 
تمكنا اخيرا من بلوغ الطريق المعبد. وهنا انتهى فصل من فصول الموت الوشيك ليبدأ الفصل الثاني ونحن بين مبان مقصوفة بأشد وأقوى الصواريخ والقنابل وصلنا اخيرا إلى الموقع الأصل الذي لابد أن ننقل منه إلى الموقع البديل ما أرسلنا من أجله. 
لم نكد نعرف شكلا للموقع بعد قصفه ولم نك نعرف حتى اماكننا التي كنا نعمل بها داخل هذا الموقع. لقد تشوه بل تدمر كل شيء ليس إلا الركام في كل مكان. لم تسعفنا ذاكرتنا  لنعثر على المخزون الذي ننقل منه مايتطلب نقله. 
أين مخازننا يسأل أحدنا الاخر. وشيئا فشيئا حتى تمكنا من بلوغ هدفنا ولكن الهدف كان تحت ركام لايعلم الله ماكان يختبىء تحته. فالقنابل العنقودية غير المتفجرة وحاويات القنابل العنقودبة في كل مكان. تنتظر أحدا يستفزها لتنفجر عليه. 
لم يكن أمامنا الا ان نلجأ الي الله سبحانه وتعالى ونسلم أمرنا لبارئنا ونحن نفتش بين اكداس الانقاض عن ضالتنا حتى جمعنا منها مايكفي واكثر في صناديق لنحملها في عجلتنا ونعود من حيث اتينا. لم يكن الطيران في تلك المدة من الزمن محلقا فوق المكان ولكنه سرعان ماعاد لينقض على ماتبقى منه وماكان علينا الا الإبتعاد عن المكان والإختباء فلم يكن أمامنا الا حفرة عميقة حفرها احد الصواريخ وكانت مليئة بماء الأمطار فكانت ملاذنا الوحيد. 
لم يقصف الطيار من الموقع شيئا لان من قبله لم يدع فيه حجر على حجر فغادر المكان.
خرجنا من الحفرة  مسربلين بالماء والطين قاصدين عجلتنا للخروج من المكان. ومن هنا بدأ مشوار العودة إلى مكان انطلاقنا وفصل جديد من فصول واجب مرعب مميت. 
ونحن في طريق عودتنا لم يكن الأمر أسهل من طريق الذهاب فقد كانت العجلة مثقلة بالمواد التي قمنا بنقلها وهذا ما تطلب ان اقودها بحذر شديد خوفا من أن تغطس في المطبات الطينية التي صادفتنا ونحن نلجأ إلى الطريق الترابي المخاذي للطريق المعبد بسبب قصف الطريق الرئيس. ناهيك عن إنتشار القنابل غير المنفلقة. وما كان أصعب علينا الا ذلك الطريق القصير بطوله الجسيم بمخاطره ذلك الطريق الذي لابديل عنه لتلافي القطع في الطريق المعبد. هنا قرأ النقيب صلاح آيات من القرآن الكريم ونحن نقطع هذا الطريق فاي انزلاق لاطارات العجلة وخروجه عن سيطرتي سيؤدي إلى اصطدامها بإحدى القنابل التي لاتحتاج الا القليل من الاستفزاز لتحولنا إلى شظايا متطايرة في الجو. لكن الله تعالى أراد أن يكتب لنا عمرا جديدا في خصم كل هذه المخاطر وقد سهل علينا طريقنا فقد َاعمى عنا بصائر العدو وطائراته ولكم ان تتخيلوا مشهد سيارة عسكرية تجول شوارع بغداد في ذلك الوقت الذي لم يكن في سمائها غير طائرات التحالف الأميركي. عدنا بضالتنا ولم يكن احد يعرف ماعانيناه كي ننفذ هذا الواجب المميت وإن تحدثنا عنه فلا احد سيعيرنا اي اهتمام لأن ماكان يحدث كل يوم في كل مكان امر وادهى مما مر بنا. وبقيت هذه الحكاية عالقة بذهني وذهن النقيب المهندس صلاح إلى يومنا هذا  حتى جاد الوقت الذي استذكرناها وصار لزاما ان تدون للزمن وللاحفاد والجيل. 
رغم كل الصعوبات التي مرت بنا خلال كل أعوام الحرب الا اننا كسبنا ان نكون رجالا إلى الأبد. والحمد لله رب العالمين. 

من كتاب مذكرات من زمن البارود. 

شوهد المقال 372 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فروغ فرخزاد ـ ستأخذنا الريح ـ ترجمة: محمد الأمين

ترجمة: محمد الأمين ستأخذنا الريحفروغ فرخزاد        في ليلي القصير ياللأسىللريح موعد مع وريقات الشجرفي ليلي القصير ثمة قلقٌ من الخراب.إصغ!هل تسمع عصفَ الظلمة؟اني احدق في هذه السعادة
image

خديجة الجمعة ـ صغير على الحب

خديجة الجمعة  لا أحد بالدنيا صغير على الحب. فهو يأتي بغتة ومفاجئة . وأن قال غير ذلك فقد ناقض نفسه . فالحب حرية وتنفس عميق .
image

الكاتب السوري أحمد شعبان : وطن من جسد ..اصدار دار الدراويش للنشر في ألمانيا ..سيرة جسد مفعمة بالحب

متوفر الآن في متجر الدراويش لبيع الكتب وطن من جسد { خسوف } للكاتب السوري: أحمد شعبانسعر النسخة 15 يورو شاملة لرسوم البريد داخل و خارج
image

ناصر جابي ـ لماذا تشبه جزائر ما بعد الحراك جزائر ما بعد الاستقلال؟

د. ناصر جابي  مازلت أتذكر إلى اليوم، ما قاله لي في بداية التسعينيات أحد مجاهدي حرب التحرير، لم يتركونا نفرح بالاستقلال. لم يتركونا نتعرف
image

عثمان لحياني ـ من طالب الجزائريين بالرحيل ..اعتذار أسوأ من التصريح

عثمان لحياني  الذي شتم الجزائريين المختلفين في الرأي والقناعات ، وطالبهم بالرحيل من البلد ، ليس الفتى، ولكنه النظام نفسه بكل تجلياته.لنضع تصريح الوزير المراهق
image

طارق السكري ـ هتافُ الحُريّة

 طارق السكري              حـريّـتي؟ عـيـنايَ .. هـمسُ أضـالعيشفتايَ .. أعصابي .. هطولُ أصابعيلـغـتي .. هُـويّة مـوطني .. وقـبيلتيصــوتـي .. وإنـسـانيّتي .. وروائـعـيحـُـريّـتـي داري .. ومــالــي غــيـرهـادار ..
image

رضوان بوجمعة ـ بعد 34شهرا من وفاته، مدرج بالجامعة باسم زهير إحدادن رمز...المقاومة،والمعرفة و الكرامة الانسانية.

د. رضوان بوجمعة  .17جويلية1929-20جانفي2018سنعود لننسى كل شيإلا من ماتوانبكيهم كل عام،نضع فيه باقات الزهر على قبورهمأخيرا... و بعد 34 شهرا من وفاة الأستاذ
image

رشيد زياني شريف ـ الدكتاتوريات لا تنظم انتخابات لتخسرها

د. رشيد زياني شريف  كتبتُ قبل يومين منشورا حول استصدار دستور يعبد الطريق لبيع أولاد الجزائر مرتزقة في حروب الغير، ومقايضتهم بسكوت القوى العظمى على نظام
image

وليد عبد الحي ـ الشق الثاني من خطة التطبيع مع اسرائيل

أ.د.وليد عبد الحي الخلافات السياسية العربية ليست ظاهرة جديدة، بل هي ظاهرة تاريخية فالعرب لم يخضعوا لسلطة واحدة في تاريخهم او جغرافيتهم طولا وعرضا، والخلافات حول
image

نجيب بلحيمر ـ وريث بن يونس وعبرة السجن

نجيب بلحيمر  "لي ما عجبوش الحال يبدل البلاد" هذا هو التطور الطبيعي لمقولة " ينعلبو لي ما يحبناش" التي نطق بها عمارة بن يونس، نزيل سجن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats