الرئيسية | الوطن الثقافي | عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عماد البليك 

 

 

يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع إلى التغيير والمعرفة واكتساب الأفضل كما قيل قديماً (سافر ففي الأسفار عشر فوائد)، وهو تراث موجود حتى في التجربة الدينية وفي مفهوم الهجرة، يؤكد بأن الشعب السوداني فيه هذه السمة البشرية، التي تظهر مبدئياً عند الرعاة وهم يتنقلون بحثاً عن الكلاء أو المرعى، أو في الدولة الحديثة حيث التنقل بين المدن من أجل الوظيفة، وأن النسيج السوداني أكتسب قوميته من خلال الترحال .
ويذهب إلى أن أشكال وصور التعبير عن السفر في الأغنية السودانية كثيرة وغنية، وقبل أن يحضر الترحال في الأغاني فقد كان حاضراً سواء في الأمثال الشعبية أو الأحاجي السودانية، ويرى بأن هذه القصص المتوارثة والأحاجي التي كانت ترويها الجدات (الحبوبات) للأحفاد، كرّست في الإنسان السوداني وجدان الحنين الذي سوف يظهر لاحقاً في التجربة الغنائية والأشعار، حيث يكون تعميق مبدأ الحنين للأرض والأهل وغيرها من المعاني في هذا الإطار، حيث يتقلب الإنسان بين فكرتين هما "الخوف من الفراق" و"شوق اللقاء"، والمرء موزع بين هذين الاثنين، وهذا الملمح برأي – الكتيابي – لا يقف عند الأغنية بل أيضا في فن المديح النبوي حيث الأشواق المستمرة بالسفر إلى الأراضي المقدسة وزيارة قبر النبي.
يمضي الكتيابي إلى الشرح بأن الغناء السوداني في قضية السفر لم يقف عند حد عكس اللهفة والاشتياق، بل رسم أيضا الصور لهذه الرحلات كما رسمت مثلاً في الأحاجي، فهناك تصوير حكائي عن التجربة الإنسانية والتنقل ما بين مدن السودان وأريافه الذي كان يتم أولاً بالدواب ثم اللواري إلى القطار، وهي كلها ذات حضور في الغناء السوداني، بشكل خاص القطر الذي سوف نتوقف معه بشكل أكثر لاحقاً، جملة ذلك ينقل التاريخ الاجتماعي للمجتمع السوداني، فالأغاني لن تكون مجرد رسائل عابرة تتماهى معها العواطف والأحاسيس البشرية، بل هي مخزن من التاريخ الثري والغني الذي يتطلب أن ننفضه ونتعرف من خلال على الذات والمجتمع وحركة الناس وأشواقهم، وسبل المعاش وغيرها من الخصائص الإنسانية وحياة البشر في هذا البلد.
 

 

شوهد المقال 664 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فروغ فرخزاد ـ ستأخذنا الريح ـ ترجمة: محمد الأمين

ترجمة: محمد الأمين ستأخذنا الريحفروغ فرخزاد        في ليلي القصير ياللأسىللريح موعد مع وريقات الشجرفي ليلي القصير ثمة قلقٌ من الخراب.إصغ!هل تسمع عصفَ الظلمة؟اني احدق في هذه السعادة
image

خديجة الجمعة ـ صغير على الحب

خديجة الجمعة  لا أحد بالدنيا صغير على الحب. فهو يأتي بغتة ومفاجئة . وأن قال غير ذلك فقد ناقض نفسه . فالحب حرية وتنفس عميق .
image

الكاتب السوري أحمد شعبان : وطن من جسد ..اصدار دار الدراويش للنشر في ألمانيا ..سيرة جسد مفعمة بالحب

متوفر الآن في متجر الدراويش لبيع الكتب وطن من جسد { خسوف } للكاتب السوري: أحمد شعبانسعر النسخة 15 يورو شاملة لرسوم البريد داخل و خارج
image

ناصر جابي ـ لماذا تشبه جزائر ما بعد الحراك جزائر ما بعد الاستقلال؟

د. ناصر جابي  مازلت أتذكر إلى اليوم، ما قاله لي في بداية التسعينيات أحد مجاهدي حرب التحرير، لم يتركونا نفرح بالاستقلال. لم يتركونا نتعرف
image

عثمان لحياني ـ من طالب الجزائريين بالرحيل ..اعتذار أسوأ من التصريح

عثمان لحياني  الذي شتم الجزائريين المختلفين في الرأي والقناعات ، وطالبهم بالرحيل من البلد ، ليس الفتى، ولكنه النظام نفسه بكل تجلياته.لنضع تصريح الوزير المراهق
image

طارق السكري ـ هتافُ الحُريّة

 طارق السكري              حـريّـتي؟ عـيـنايَ .. هـمسُ أضـالعيشفتايَ .. أعصابي .. هطولُ أصابعيلـغـتي .. هُـويّة مـوطني .. وقـبيلتيصــوتـي .. وإنـسـانيّتي .. وروائـعـيحـُـريّـتـي داري .. ومــالــي غــيـرهـادار ..
image

رضوان بوجمعة ـ بعد 34شهرا من وفاته، مدرج بالجامعة باسم زهير إحدادن رمز...المقاومة،والمعرفة و الكرامة الانسانية.

د. رضوان بوجمعة  .17جويلية1929-20جانفي2018سنعود لننسى كل شيإلا من ماتوانبكيهم كل عام،نضع فيه باقات الزهر على قبورهمأخيرا... و بعد 34 شهرا من وفاة الأستاذ
image

رشيد زياني شريف ـ الدكتاتوريات لا تنظم انتخابات لتخسرها

د. رشيد زياني شريف  كتبتُ قبل يومين منشورا حول استصدار دستور يعبد الطريق لبيع أولاد الجزائر مرتزقة في حروب الغير، ومقايضتهم بسكوت القوى العظمى على نظام
image

وليد عبد الحي ـ الشق الثاني من خطة التطبيع مع اسرائيل

أ.د.وليد عبد الحي الخلافات السياسية العربية ليست ظاهرة جديدة، بل هي ظاهرة تاريخية فالعرب لم يخضعوا لسلطة واحدة في تاريخهم او جغرافيتهم طولا وعرضا، والخلافات حول
image

نجيب بلحيمر ـ وريث بن يونس وعبرة السجن

نجيب بلحيمر  "لي ما عجبوش الحال يبدل البلاد" هذا هو التطور الطبيعي لمقولة " ينعلبو لي ما يحبناش" التي نطق بها عمارة بن يونس، نزيل سجن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats