الرئيسية | الوطن الثقافي | العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د. العربي فرحاتي 
 
 
الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة الامنة الكريمة..فقد واجه الإنسان مخاطر على وجوده واستمراره في الحياة والبقاء النوعي..فواجه البرد والحر ومخالب الحيوانات الغابية المفترسة..وواجه ضعفه ووحدته كفرد بغريزة التجمع والتعاون على كسب العيش .وواجه الكوارث الطبيعية من زلازل وبراكين وعواصف وفيضانات وهيجان البحار وأوبئة وأمراض فتاكة وواجه كوارث من فعله وما كسبت يداه من نقص في الغذاء والمجاعات والحروب...واجه كل ذلك بالفتوحات العلمية الطبية والتكنولوجية أساسا..وواجه الاستبداد واللاعدل بالدين والقيم النبيلة..وبما جاد به ذكاؤه من نظم أخلاقية ونظريات سياسية واقتصادية واجتماعية تحترم الحق في الحياة الكريمة..إلا أن هذا لم يمنع ظهور عند الانسان ومن الانسان ما يرعب الانسان أيضا. فإذا كان تطور العلم التكنولوجي كان قديما لموجهة مخاطر الحياة وقهر صعوبات العيش وتطويع المكان والزمان ..والبحث عن ما هو أفضل وآمن لإشباع حاجات الانسان..وكان الطب من أجل الوقاية من الامراض والبحث عن الصحة وشروط البقاء وطول العمر.. والقيم الدينية والانسانية كانت لمواجهة الانانية والظلم والحيف وتوخي العدل ..الخ..وكان ذلك مبعث راحة الانسان واطمئنانه..فإن ظهور العلم ما بعد التنوير والنهضة كما لو أنه سباق نحو امتلاك القوة والسباق نحو التسلح الفتاك وصناعة البيئة المضادة لجسم الإنسان ومواجهة الكثرة البشرية بالمالتوسية للتقليل من متوالية الكثرة..وبالكثرة في الإنتاج والغذاء بالتهجين غير الصحي لمواد غذاء الانسان لاستيعاب التكاثر والكثرة..ولم يعد العلم لتطويع الطبيعة لصالح الانسان فقط.. بقدر ما عاد أيضا لقهر الانسان ذاته والسطو على مقدرات الانسان الضعيف (فلسفة القوة ) بل وربما بات العلم لصالح الانسان هامشي أمام سياسات تطويع الانسان ذاته نفسيا وبيولوجيا
..وهو نمط من التفكير أو براديجم مهما قيل عن علميته ..قيل أيضا الكثير عن انحرافه من حيث هو تطور تحكمي خطير ..إن على مستوى تقدم العلوم التكنولوجية أو البيولوجية أو الانسانية..مما جعل الأطباء الانسانيين والعلماء في مختلف الميادين منذ بدايات القرن الماضي كالكسيس كاريل وانشطاين وفرويد ودوبو وغيرهم رغم ما كان للعلم من فوائد عادت على الانسان وللانسان.. يطلقون ويفصحون عن مخاوفهم على مستقبل البشرية ويحذرون من خطر هذا التوجه العلمي واستغلاله السياسوي والمالي ضد شروط الحياة الانسانية البيئية والبيولوجية وعلى مستقبل صحة البشرية جمعاء..اذ لم تعد الاسلحة النووية وحدها الخطر على الانسان.. بل التلاعب بعالم الجينات لانتاج الانسان المعدل ..أو انتاج ما يسميه نبيل علي ب" الانسالي"من حيث هو مزيج من الانسان والالة..وانتاج الفيروسات واستعمالها في ما يعرف بالحرب الجرثومية..لهي أخطر تطورات في الاتجاه اللانساني للعلم..وهو باختصار توجه للعلم خاطئ ومقلق للبشرية مؤسس على مبادئ خاطئة منزوعة الأخلاق ..ورغم إنتاج الإنسان لترسانة من القوانين الانسانية المتخلقة (اخلاقيات العلم ) التي تحد من اختراق حق الانسان في الوجود وكرامته في العيش.. كقوانين منع الاستنساخ والتجريب القسري على البشر واستعمال الاسلحة الفتاكة وتحويل خصائص الانسان..الخ إلا أنه لم تستطع أن تقف في مواجهة نمط التفكير في استعمال الإنسان واستعمال بعض الإنسان لصالح البعض ..فالملاحظ أن التطور الحضاري في ظل هذا الباراديجم أخذ منحى استغلال الإنسان بقوة العلم لإنعاش الاقتصاد.. بل لانعاش الجشع والأنانية الفردية والدولية..وكان لصالح القلة القوية في العالم وسحقا للكثرة الضعيفة في العالم ..وما المالتوسية - وتحت غطاء علمي عقلاني (تنظيم النسل ) - إلا مظهرا من مظاهر التخلص من الكثرة البشرية لصالح القلة المتنفذة في العالم يضرب قيمتي (حرية الانسان والعدالة الاجتماعية) في العمق ..وهو ما أدى إلى ظهور صيحات جديدة أخرى تنبه للمخاطر كصيحة "امرتياصن" باطلاقه لمفهوم " التنمية حرية"...فإذا كان هذا التطور في منحى العلم المخبري يمكن وضعه ضمن المحاولة والخطأ لتقوية طاقة الإنسان كنوع مع غياب التقييم العلمي الجاد لمخاطره..فإن معظلة الحرب العالمية التي تعيشها الانسانية ضد وباء الكورونا وضعت الباراديجم العلمي الغربي أمام امتحان كبير وعسير.امتحان مواجهة مريضين بالتزامن..الإنسان المريض بالكورونا والمهدد في حياته..والاقتصاد المريض المتدهور الذي لا يقوم إلا باستعمال نشاط هذا الإنسان .ولكنه يعاني وباء..هي معادلة صعبة في ظل سيطرة عقل "استعمال الانسان"
.إن ما نراه من سياسات في إنقاذ المريضين تميل إلى اختيار إنقاذ الاقتصاد ومعالجته أولا ..على حساب صحة الانسان المواطن..ان في سياسات العالم المتقدم ..وإن في سياستنا ضمن برامج سلطة "الجزائر الجديدة " كما تبدو مؤشرات اجراءات الحجر الهزيلة القابعة في الجوانب الشكلية والقانونية..هو جزء من هيمنة الباراديجم العلمي القائم على "استخدم للانسان"..وهو خطير جدا على البشرية يفصل بين المريضين ومعالجة أحدهما والتفريط في الاخر ..بل هو في عمقه استعمال للانسان لصالح الاقتصاد وحاجاته إلى نشاط الإنسان ..وهو تفكير جمع بين المالتوسية والهوبزية.فما نخشاه أكثر هو الانزلاق السخيف نحو الهوبزية لهذا الباراديجم كما يتداول في الساحة الطبية نحو استعمال المعرفة البيولوجية في الحرب الجرثومية للتقليل من تصاعد الكثرة في الإنسان باعتبارها نقمة أو إطلاق سياسة مناعة القطيع للتخلص ممن يعانون الكبر وضعف المناعة...وهو أقذر تفكير تصنف ضمن مؤامرة الانسان العلمية على الانسان لصالح بعض الانسان ..ينتهي اليه الباراظبجم العلمي المنزوع الاخلاق ..ويؤكد على أن الانسان لم يبتعد كثيرا عن العقل الغابي رغم ما أظهره من تطور حضاري فائق الجودة في تطويع المحيط والبيئة..الا أنه - وإن هو تطور علمي في معرفة الحقيقة والتحكم فيها - فرط حسب عباسي مدني في الارتقاء بالحقيقة إلى الحق وممارسته..واكتفى العلم المعاصر بالحقيقة دون الحق ..وفصل بينهما..فلم يصب إلا ضياع إنسان الفضيلة الحر المسؤول..وأن المخرج هو إعادة صياغة الباىاديجم العلمي في ضوء تكريم الإنسان بما كرم علويا ..اللهم أصلح حال البشرية وعلومها اليوم بما صلح به الاولون وعلومهم قديما..اللهم ارفع عنا الوباء .

شوهد المقال 541 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

الثمن الباهظ

الثمن الباهظ شباب في سجن وكلاء الاستعمار دولة مدنية ماشي عسكرية جزائر جزائرية حب من حب وكره من كره 
image

جلال خَشِّيبْ ـ "النهاية الجديدة للتاريخ" بَرَاغ خانا

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) مجلّة المصلحة القومية، 06 مارس 2021، الولايات المتحدّةالكلمات المفتاحيّة: الجيوبولتيك، العلوم السياسية، نهاية
image

حكيمة صبايحي ـ جلالة "الهايشر"

حكيمة صبايحي  من أطلق لفظة "الهايشر" على الشعب الجزائري؟ ماذا تعني لفظة "الهايشر"؟ طبعا لا يمكن أن تعني إلا لفظة سوقية تحط من شأن الشعب الجزائري،
image

جمال الدين طالب ـ لماذا يزعجهم "التاجديتيون"؟ بعض الأفكار لمحاولة الفهم ...

بقلم: حسني قيطونيترجمة: جمال الدين طالب تحليل ممتاز للباحث والمخرج الأستاذ حسني قيطوني نشره اليوم على صفحته على فيسبوك ولم أستطع الانتظار لترجمته بسرعة للعربية ومستقبلا
image

Kitouni Hosni ـ Pourquoi les Tadjadit dérangent ?

Kitouni HosniQuelques idées pour tenter de comprendre...Le cas Mohamed Tadjadit a provoqué une controverse au sein du Hirak et bien au-delà. Pour la première
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 112 الحراك راسخ في السلمية ولكل حدث حديث..

نصرالدين قاسممثل أحرار السلمية في توادهم وتعاضدهم وتضامنهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. في الجمعة الثانية عشرة
image

حماد صبح ـ قراءة في كتاب " السهم المرتد " رفيف دروكر

 حماد صبح يتناول هذا الكتاب أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انفجرت في 28 سبتمبر 2000 احتجاجا على زيارة شارون إلى المسجد الأقصى ، وتعبيرا عن غضب
image

"أُريد ابنا واثقا في نفسه" أول إصدار للكاتبة " مريم عبد الحميد شريبط" عن دار قيرطا للنشر والتوزيع.

الوطن الثقافي ـ ح . و  يصدر عن دار قيرطا للنشروالتوزيع بقسنطينة أول مُؤلف للكاتبة والأُستاذة "مريم عبد الحميد شريبط"، بعُنوان " أُريد ابنا واثقا
image

يسين بوغازي ـ الفٌلول ضد شباب الرئيس ؟!

  يسين بوغازي   رٌفع لثامٌ  زمن تشريعي جزائري ، رفع بمقاسات  جزائر  جديدة  فبدا  غريبا عجيبا يحتاج قراءة وتأمل ؟! 
image

سعيد لوصيف ـ في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح

د. سعيد لوصيف   في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح : أو كيف ينبغي أن يتجه التفكير في مأسسة الصراعية في ديناميكية التحول.. شرعنة معيار عام يحتكم إليه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats