الرئيسية | الوطن الثقافي | عماد البليك ـ لماذا يغني السوداني؟ (1)

عماد البليك ـ لماذا يغني السوداني؟ (1)

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عماد البليك 

 

 

تشغل الأغنية السودانية حيزا كبيرا في الذاكرة المجتمعية، فهي تشير إلى الوعي والانتباه، حضور الإنسان والأنا، الأفراح والسرور كذلك العذابات والجنون والأتراح، والتراث الغنائي السوداني كتب أغلبه بل جله باللغة الدارجة المحلية التي هي مزيج ما بين العربية الفصحى واللكنة المحلية في المنطوق، حيث استطاعت اللهجة السودانية أن تختزن الكثير من المفردات ما بين لهجات محلية ولغة عربية وما هو غارق في القدم بحيث يصعب تمييز زمن البدايات.
تشير الأغنية السودانية إلى خيال واسع يرتبط بالبيئة والثقافة المحلية ربما لم يفكك معرفيا من حيث الدراسة والـتأمل بالشكل الكافي، نسبة لغياب الدراسات المنهجية الواسعة في الإرث المعرفي السوداني، لمسائل مدركة من إشكالات الواقع السياسي والاقتصادي وتبعات الحداثة التي لم تكتمل بالشكل الكافي، فهي لا تزال متأرجحة تتجلى في بعض المظاهر وتختفى في جهات أخرى من الحياة، تلك التي بدأت مع دخول الإنجليز البلاد مستعمرين نهاية القرن التاسع عشر الميلادي وبداية القرن العشرين، وإن كان ثمة فترة سابقة من 1821 إلى 1885م كان فيها السودان محكوما بواسطة الأتراك الذين انتهت دولتهم في البلاد بقيام ثورة الإمام محمد أحمد المهدي وإنشاء دولة محلية ذات صبغة دينية سرعان ما سقطت أمام المستعمر الوافد.
ومن الجدير التذكير بأن بزوغ الأغنية السودانية وخروجها من إطار القرى والبوادي والأرياف إلى الحضر والمدينة، ارتبط بقيام مدينة أم درمان التي أنشاها المهدي لكنها أصبحت فيما بعد عاصمة التنوع الثقافي السوداني حيث شكل الحضور العرقي الفسيفسائي فيها مرتكزا للحراك الفني والفكري والمعرفي والثقافي، من ضمن ذلك المشهد كان مولد ما يعرف بمدرسة حقيبة الفن، التي هي تيار غنائي حديث في الفترة الاستعمارية في بواكير القرن العشرين، تمدرس على الاحتفاء بالتحرر والمدنية والانتقال بالأغنية السودانية من أسر العادات المتوارثة والقيم القديمة إلى فضاء جديد وظف نوعا من الخيال الحضري كذلك أضاف تدريجيا الآلات الموسيقية الحديثة، وبتأسيس الإذاعة السودانية كان ذلك التيار الغنائي هو الأكثر مركزية وحضورا في المشهد الفني المحلي، وما يزال إلى اليوم هو محور البناء الإبداعي والتخييل في الأغنية والفن السوداني.
إذن فالحديث عن الغناء السوداني الحديث وليس المتوارث أو التقليدي في مناطق عديدة من البلاد، حيث للقبائل المختلفة والمناطق في بلد متنوع الثقافات والقوميات، الكثير من الفنون الغنائية التي تمزج بيم الأداء الغنائي والشعر والرقص والموسيقى، مع اختلاف الطرق الأدائية كذلك أنواع الآلات الموسيقية المستخدمة، ما بين بيئة ثقافية وأخرى. كما يشار إلى فن المدائح النبوية الذي لا يصنف كغناء، إنما هو شعر يقدم بشكل تطريبي، يقوم على مدح النبي عليه السلام صفاته وأخلاقه وسرد سيرته، وفيه الأشواق إلى زيارة مكة والأماكن المقدسة، وهذا الفن بالذات ارتبط بالطرق الصوفية وهناك مادحون مشهورن في السودان كما هناك مؤلفون معروفون لهذا الفن، كأولاد حاج الماحي والبرعي وغيرهم، أيضا يمكن أن نذكر فنون التصوف الأدائية التي يقوم عليها الدراويش وهم يمدحون النبي ويذكرون الخالق، يتمايلون ويدخلون في حالة تشبه الجذب المغناطيسي، مرتدين ملابسهم المزركشة، وهذه الطقوس تتداخل فيها بعض الفنون الأفريقية القديمة بما في ذلك فن الزار والسحر التقليدي وغيرها من المتوارث الشعبي.
إن الفنون السودانية الغنائية والأدائية والتي يعبر بها الجسد كما اللحن كما الصوت، كلها ذات ارتباط عميق بالثقافة الأفريقية والممالك القديمة في المكان من فترات ما قبل الإسلام والمسيحية، حيث تعود لعصور وثنية غارقة في القدم، حيث كان الناس يعبدون آلهة الشمس والنار وكان هناك احتفاء كبير بالطبيعة من حول الإنسان، كذلك النهر الدفاق، النيل الذي لعب دوراً كبيراً في السودان النيلي الأوسط، حيث ارتبط هذا النهر بالحياة والمعاش في الوقت الذي مثّل فيه مركزاً للتأمل والانتباه لما وراء الحياة في حد ذاتها، حتى أن شاعراً سودانياً هو التيجاني يوسف بشير من رواد الحداثة الشعرية في بدايات القرن العشرين، اطلق عليه "سليل الفراديس".
هكذا لا يمكن لنا أن نفهم الأسطورة والتاريخ أو تداخلات الفنون بالواقع والتخييل في الحياة السودانية إلا عبر تفكيك يقوم على استحضار كل هذه المعاني المشار إليها، من أهمية إدراك التداخل الثقافي والعرقي وتنوع البيئات المتداخلة كذلك، أيضا أن فكرة التاريخ في حد ذاتها في هذا البلد قد تكون أقرب للمبنى التخييلي لغياب التدوين، منها للمجال الثابت الذي يمكن السيطرة عليه والأخذ منه وتناوله وتدارسه.
 

 

شوهد المقال 307 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عثمان لحياني ـ سندي الأول ..الجيش

عثمان لحياني  في مجمل الحوار تغيب الرؤية ولا يحضر المشروع ، تَحضر النوايا ولاشك لكنها لا تقدم ولا تؤخر في حاضر الأزمة، مخرجات الحوار موجودة في
image

العربي فرحاتي ـ هذا اقذر نفاق سياسي..رأيته

د. العربي فرحاتي  الحراك الشعبي - كما عايشت فعالياته وفهمته في كليته - مسار واضح لم يتغير منذ بدأ..مسار حدد في شعاراته المركزية الوطنية التي باتت
image

رضوان بوجمعة ـ نحو انتخابات عدد مترشحيها أكبر من عدد الناخبين!؟

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 196خرجة مقيم المرادية، أمس، وبعيدا عن مناقشة شكلها ومضمونها، أهم رسالة سياسية فيها للجمهور، كانت القول إن الانتخابات التشريعية ستتم بعد 3
image

الحرية للناشط السلمي محاد قاسمي Free Mohad

الحرية وكل التضامن مع الناشط السلمي المدافع عن خيرات الجزائر محاد قاسمي الذي يرفض اليوم طلب الإفراج المؤقت عنه في ادرار وتلفق له تهم خطيرة
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats