الرئيسية | الوطن الثقافي | محمد هناد ـ الصراع اللغوي في الجزائر : وجهة نظر

محمد هناد ـ الصراع اللغوي في الجزائر : وجهة نظر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. محمد هناد 
 
جوهر الصراع اللغوي في الجزائر لا يتمثل في الوضع اللغوي السائد فيها بقدر ما يتمثل في ذلك القلق الذي ينتاب الجزائريين حياله جراء شعورهم بالتخلف وبضعف التماسك الاجتماعي الذي يجعلهم يخشون على الوحدة الوطنية. في حين، المطلوب أن ننظر إلى الوضع اللغوي في بلادنا كما هو وليس كما يريده كل واحد منا من وجهة نظره الضيقة التي غالبا ما تكون غايتها فرض موازين قوة سوسيوسياسية معينة. إنه ليبدو وكأن تعقيد الأمور صار رياضتنا المفضلة في هذا البلد ! عوض أن نحرص على استغلال الأوضاع كما هي، في كل مرة، من أجل الانطلاق نحو ما نصبو إليه بحكم المصير المشترك.

 

 

الذين يرون أن اللغة العربية تزداد غربة في ديارها ليسوا منصفين لأننا، فعلا، حققنا الكثير في مجال انتشار اللغة العربية بالنظر إلى وضع اللغة ذاتها وكذا بالنظر إلى ما هو متاح.
وأما بالنسبة إلى الذين لا يريدونها، فالواقع يشير إلى أنها أمر مسلَّم به على مستوى الوطن. الواقع أن اللغة العربية ليست مرفوضة بين الناطقين بالأمازيغية إلا من طرف النخبة القبائلية المتفرنسة (francisée) أو الفئة التي، لسبب ما، لا ترى سبيلا لرقي البلد غير استعمال اللغة الفرنسية. فسكان الأوراس، المزاب والطوارق، يعزون اللغة العربية ومصرون على استعمالها في التواصل الكتابي، بينما يستعملون اللغتين الدارجة والأمازيغية، في تخاطبهم اليومي.

 

الوضع اللغوي عندنا يتميز بالاختلاف بين الاستعمالين الشفوي والكتابي. من حيث الاستعمال الشفوي، تسود فيه الدارجة فالأمازيغية فالفرنسية. أما من حيث الاستعمال الكتابي، فالأمور أكثر تعقّدا بحيث تبقى لغتان تتنافسان على السيادة، ولكن ليس على قدم المساواة : العربية والفرنسية. العربية مجالها «تقليدي» وبعض القطاعات الإدارية السفلى والتعليم ما قبل العالي والعالي في ما يخص الإنسانيات، بينما الفرنسية مجالها «عصري»، يشمل الإدارة العليا والتعليم العالي في مجال العلوم والتكنولوجيا. ومن التناقضات الناشئة عن مثل هذا الوضع أن ظلت الإدارة العليا مفرنسة – رغم المظاهر - إلى درجة أن القرارات والنصوص القانونية الأساسية (بما في ذلك نص الدستور) غالبا ما يتم تحريرها باللغة الفرنسية ثم تُترجم على أساس أنها النص الأصلي المعتد به قانونا، إضافة إلى مواصلة تقليد صيغ التسيير المتبعة في فرنسا ! أما في مجال التعليم، فالتلميذ الجزائري يدرس جميع المواد بالعربية إلى غاية البكالوريا ثم يضطر إلى الدراسة باللغة الفرنسية إن اختار التخصص في الطب والعلوم والتكنولوجيا، معيدا تعلمه اللغوي من جديد. أليس هذا ظلما ؟ أليس وسيلة للتمايز الاجتماعي الجائر بحيث يلقى أولاد البسطاء صعوبة في الارتقاء إلى المكانات المجزية اجتماعيا – حتى وإن كانوا من ذوي القدرات العالية - بينما يجد أبناء الميسورين سهولة في ذلك بفضل حرص أوليائهم على تعليمهم اللغة الفرنسية في المدارس الخاصة ؟ بل حتى في البيت ومن خلال التخاطب العائلي معهم منذ الصغر لأن هناك من الأسر الجزائرية من يستنكف عن استعمال الدارجة ؟

الكثير من الجزائريين يصرخون : «نحن لسنا عربا»! إن كان القصد هو العرق، طبعا نحن لسنا عربا، وما معنى أن يكون المرء عربيا أصلا : الحيوان فقط هو الذي يهمنا صفاء عرقه. ولا المصري أو السوري عربي، مثلما البرازيلي ليس برتغاليا. فليس هناك من عرب، إذاً، إلا عرب الخليج. لكن لغة تواصلنا كتابة وإنشاء هي العربية منذ أكثر من 12 قرنا وهي، بحكم القِدم والدين الذي اقترن بها، تظل الأقرب إلى التعبير عن أحوالنا من أية لغة أخرى على الرغم من اقترانها بشعوب متخلفة، ثم ما كان لها أن تنتشر في هذه الأرض إلا بفضل سكانها الأمازيغ. أما اللغة الفرنسية، فهي أحدث بقرون لكنها انتشرت بعد الاستقلال أكثر مما كانت منتشرة قبله بحيث تم تبنيها من باب الضرورة أساسا، على الرغم من التظاهر بالرفض لها. وحتى وإن كنت لا أعتبر الفرنسية «غنيمة حرب»، كما يقال - مادامت الغنيمة تقع للمنتصِر وليس للمنهزم - فإنها واقع لسنا مخيرين في الإقرار به ومن واجبنا الاستفادة منه بسبب أوضاعنا وكثافة علاقات بلدنا بالفضاء الفرنكوفوني من دون أن نكون طرفا رسميا فيه.

وحتى وإن أردنا أن نتخلص من هذا الواقع، يجب أن يكون ذلك من باب المصلحة الوطنية الدائمة وليس نوعا من الانتقام وأن يتم بالتدرج وفق تطور الوضع اللغوي على مستوى المعمورة. منذ مدة، يطالب المثقفون بالعربية عندنا بتعويض الفرنسية بالإنجليزية وكأن الأمر يتعلق بتبديل قميص بآخر ! إنها مجرد مزايدة أساسها المصلحة الذاتية و/أو الأيديولوجية وأحيانا مجرد تهريج بالنظر إلى ما يتطلبه الأمر من إمكانيات مادية وبشرية ضخمة وكذا من وقت. ثم إننا عندما نتكلم عن الإنجليزية، هل نحن متأكدون أنها ستبقى لغة العالم في العقود المقبلة بعد الزحف الصيني وبداية أفول النجم الأمريكي ؟ هذا السؤال لابد من طرحه مادامت أجيالنا مسؤولة عن تهيئة الظروف للأجيال القادمة ؟

إن اللغة، أيا كانت، ليست لا متطورة ولا متخلفة في حد ذاتها، أهلها هم الذين يكونون هكذا أو كذلك. لذلك، لا يقع التطور على مستوى اللغة في حد ذاتها إلا من حيث فقه اللغة. إن التطور يقع على مستوى الإبداع في مختلف المجالات، ومادامت الأمم الناطقة بالعربية متخلفة، لا ضير أن تتم الأبحاث في العلوم والتكنولوجيا عندنا بلغة أخرى حاملة للحضارة، مثل ما هو الشأن في مختلف البلدان المتقدمة ذاتها التي لا ترى حرجا في اعتماد اللغة الإنجليزية. الشرط الوحيد هو أن نتفق على وجوب ضمان حد أدنى من معرفة اللغة العربية بالنسبة إلى الجميع بحكم الضرورة الناشئة عن العيش المشترك، مع وجوب تعميم استعمال العربية على مستوى الإدارة الوطنية كي نضع حدا لبعض الفوضى الموجودة حاليا. الذين يرفضون هذا الإجراء لن يكون بإمكانهم سوى المطالبة بما هو مستحيل، أي تعميم استعمال اللغة الفرنسية مادامت الأمازيغية عاجزة عن ذلك في الظروف الحالية. يجب أن نكون من الواقعية والصدق ما يجعلنا نعي أين تكمن المصلحة الوطنية فعلا.

ومهما يكن من أمر، لابد أن تكون كل خطوة نخطوها على مستوى الفضاء اللغوي قائمة على التعاون من أجل خدمة المصلحة الوطنية، حاضرا ومستقبلا، من دون أي تشنج أيديولوجي. ومن أهم ما نحن في حاجة إليه اليوم هو الحرص على تعلم لغات العالم والانفتاح على ثقافاته. وقد تأخرنا في ذلك كثيرا. في هذا الصدد، الجزائر لها تجربة مهمة بخصوص التعاون الدولي في مجال التعليم، ولاشك أن الكثير من البلدان مستعدة لإيفادنا بأساتذة والتعاون معنا في هذا المجال. هذا التعاون سيسمح لنا بتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية : تعليم ناشئتنا اللغات الأجنبية وثقافاتها، تحضير شبابنا لدراسة العلوم والتكنولوجيا باللغات السائدة على مستوى العالم، فك العزلة التي ضربنها على أنفسنا : ألا نلحظ كم هي خالية شوارع مدننا من الأجانب ؟! فكما هو الحال دائما، المدرسة هي المكان الذي يبدأ منه كل إصلاح اجتماعي. بطبيعة الحال، هذا التوجه سيلقى الكثير من المشكلات الموضوعية بسبب لغة تكوين الأساتذة، لكننا سنهتدي إلى حلول شريطة أن لا نكرر تجاربنا المريرة بسبب طغيان الحسابات الضيقة التي جعلت من المدرسة الجزائرية ساحة حرب لمختلف الأيديولوجيات أنستنا مقتضيات المصلحة الوطنية.

شوهد المقال 395 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي
image

أبوطالب شيبوب ـ كلمتين بالدارجة الجزائرية لمن يحاول التحريض على الحراك الجزائري

أبوطالب شيبوب  كلمتين بالدارجة راهم في خاطري وبغيت نقولهم قبل ما نرقد.. بالاك غدوة نموت ومازالوا حاصلين ليا في الڨرجومة: راه كاين واحد الفرق ااواضح -
image

العربي فرحاتي ـ نقد النقد ضروري..أيضا ..المتنمرون على الحراك الجزائري

د. العربي فرحاتي  كنا ننتظر من نخبنا الحراكية بعد هذه الهبة الاستئنافية للحراك أن تقرأ المشهد الاستئنافي بروية وبصيرة وتوجه انتقاداتها إلى السلطة .وتحثها على
image

خديجة الجمعة ـ امرأة ثلاثينية

خديجة الجمعة وقفت امرأة ثلاثينية، تخاطب نفسها!! اهو الزمان قدعصف بي أم أنا عصفت بهذا الزمان؟! وهل هم الأصدقاء مابرحوا ينتظرون الزهور التي أعددتها لهم؟ أم
image

مريم الشكيلية ـ على مائدة الكلمات

مريم الشكيلية ـ سلطنة عماندعاني ذات فصل لوجبه عشاء على أظرفة شتاء...قال لي :جميل لون الوشاح الذي يطوق عنقك..قلت :يا سيدي أنا أنثى ترتدي الفصول

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats