الرئيسية | الوطن الثقافي | أحمد عبد الحسين ـ رسالة في انطباق الشفتين

أحمد عبد الحسين ـ رسالة في انطباق الشفتين

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

أحمد عبد الحسين 
 

 

 

قبل ثلاثين سنة قال لي شيخي في قمّ إن الميم هو حرفُ الحقيقة الآدمية، قال: انظرْ إلى تأخّره في آدم ثم انظر إلى وروده في اسم محمدٍ مرتين، متقدِّماً ومتوسِّطاً، وستفهم.
لكني لمْ أفهمْ.
وعلى أمل أن أفهم جعلتُ وردي ليلتَها الأسماءَ الحسنى التي تبدأ بالميم "الملك المهيمن المتكبّر المؤمن..." وأفردتُ ورداً خاصاً لاسمين اثنينِ "المقدِّم والمؤخِر" عسى أن ألتقط علّة التأخّر والتقدّم في ميم الحقيقة الآدمية وميم الحقيقية المحمديّة. ولم أظفرْ إلا بالقشور.
مغيبَ اليوم التالي قال لي ابتداءً: فتشتَ في أسماء الله وتركت اسمك؟ جدْ ذلك في اسمك أنت بالذات. وقرأ عليّ:
أحمدُ حيث الميمُ منه بانا
لم يُبقِ ما بينهما فرقانا
قلت له: هذه فهمتُها، تعني ان اسم أحمد من دون الميم سيصير "أحد" وهو اسم حقيقة الذات المنفرد الذي ليس معه غيره، ولولا الميم ما كان فرقٌ بين الاثنين، فالميم هو تحقّق العبودية.
قال مبتسماً: وعليه يقع القهرُ، به تتحقق آدميتك، فتجب عبوديتك، وتكون تحت قهره وسلطانه.
قلت: ميمُ الآدمية ميم الموت إذن؟
قال: هو الموتُ.
ثلاثون سنة مرّتْ. لو أني تأملتُ ليلتها كيف يزمُّ المرءُ شفتيه ليقول الميم، كيف تنطبق الشفةُ على الشفةِ لتتحقّق آدميتُه التي هي في الوقت عينه موته، لو أني فكرتُ في أنّ الإنسان إذْ يطبِق شفتيه على بعضهما فإنه إنما يقبّل نفسه، يشتهي ذاته، يتزاوج وإياه لينجب ميم حقيقته التي هي علّة وجوده وموته معاً.
انتظرتُ ثلاثين سنة بتمامها وكمالها، ليأتيني قبل أكثر من شهر، بين النوم واليقظة، واردٌ يقول لي هذه الجملة التي جعلتُها قصيدة قصيرة منفردة:
(كلّما انطبقتْ شفةٌ على شفةٍ 
قال الموتُ للشفتينِ: آمين).
وترجمها إلى الفارسية الصديق الشاعر الأستاذ إبراهيم رحيم:
(هر آن‌دم که لبی بر لبی فرو افتد
مرگ؛ آن دو لب را آمین گوید).

 

 

عرفت الأمر أخيراً.
لا في أسماء الله يا شيخي الحبيب ولا في اسمي، بل في قُبلة الوداع هذه. فمن انطباق الشفتين الذي هو علامة صمت، يخرج لنا ميمُ الموت.
 

 

شوهد المقال 318 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي
image

خديجة الجمعة ـ شاه القلب ...أبي

خديجة الجمعة   شاه القلب :هو الذي يعلم أنه إذا غاب أنا بانتظاره، وإن نام اتفقده  . وهو الذي يعلم اشتعال الكلمات بين أصابعي حين اكتب عنه.
image

مريم الشكيلية ـ أوراق مرتبة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان   يدهشني أن كل الأشياء التي تركتها مبعثرة خلفك تترتب في رفوف مخيلتي....رغم تلاشي رسائلك المكتوبة بربيع قلم لا تزال تنبت كالعشب
image

مخلوف عامر ـ المحامية جيزيل حليمي زمن المبادئ والالتزام

 د. مخلوف عامر  تفانَتْ (جيزيل حليمي)في الدفاع عن (جميلة بوباشا) وألَّفت عنها كتابها المعروف بتشجيع من (سيمون دي بوفوار)ورسم بيكاسو صورة مُعبِّرة لـ(جميلة).واستوحِي منه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats