الرئيسية | الوطن الثقافي | عبد الباقي صلاي ـ أهمية الأفكار في حياتنا !

عبد الباقي صلاي ـ أهمية الأفكار في حياتنا !

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 عبد الباقي صلاي

 

الأمة الفقيرة هي الأمة التي على الرغم من حيازتها للثروات ما ظهر منها وما بطن،إلا أنها لا تملك الفكرة البناءة التي تستطيع التعامل بحضارة، وفعالية مع هذه النعم،وهذه الثروات.بل هناك من يذهب مذهبا آخرا فيعتبر الفكرة والأفكار هي بمثابة سنام أي حضارة على وجه الأرض،لأنه بالفكرة وبالفكرة فقط نحول التراب إلى ذهب وفضة،وبالفكرة فقط نرسم معالم أي مستقبل نحن نتوخاه ونرومه.

وكثيرة هي الدول التي وصلت إلى مصاف الدولة العظيمة بفضل أفكارها على عدمية ثرواتها،وعلى شح أراضيها من البترول والغاز والكثير من اللوازم التي تحتاجها أي دولة في صناعتها اليومية في تدوير محرك اقتصادها.وكلنا نعلم أن اليابان لا يملك الثروات،ولا يملك موارد طبيعية كسائر الدول العربية على سبيل المثال،لكن يملك الأفكار التي بوّأته مكانة كبيرة في عالم الكبار بدون منازع،ورشحته هذه الأفكار ليكون الرقم الفاعل في الصناعة وفي التحكم في التقنيات الحضارية للمستقبل بكل أريحية.

فهل حقا كانت الثروات التي يمتلك نصفها العالم العربي محفزا للنهوض من الكبوة التي عليها حاضرا،أم هي مجرد ثروات لتباع ويصرف ريعها على السفاسف والسقط من  الأمور دون أي خيط أمل للحصول  على الحضارة التي صراحة طال أمدها، وبدأنا نستشعر أننا لن نعيش أبدا في كنف هذه الحضارة،وفي كنف العيش الرغيد في ظل الاستقرار والتطور والازدهار.

الفكرة مهمة جدا في حياتنا،وكل دولة على وجه الأرض تعطي للفكرة أهميتها،ولا أظن أن أي بلد يرنو التطور والتقدم لا يحرص على الفكرة ويعطيها أهمية قصوى في الحياة.لأن أي مشروع حضاري على وجه الأرض تجسد على أرض الواقع كان مجرد فكرة،وكان مجرد حلم يداعب الخيال.فأغلب الدول الصناعية اليوم مثل اليابان،الولايات المتحدة الأمريكية،فرنسا، ألمانيا،كوريا الجنوبية،الصين، اهتمت بالأفكار في صناعتها.وليس فقط الاهتمام الآني، بل الاهتمام الذي يمتد لسنوات طويلة.بدليل أن الصناعة في هذه الدول مزدهرة ومتطورة ومتقنة،ومستمرة على طول العام.فنجد كل يوم فكرة على سبيل المثال للسيارات فقط التي نقتنيها نحن كعرب وكمسلمين،ناهيك عن التقنيات التكنولوجية الأخرى التي قد تكون الأفكار فيها تظهر كل دقيقة بل كل ثانية.

الذي يهمنا في هذا المقام هو العالم العربي والإسلامي الذي ننتمي نحن إلى دائرته،والذي تنعدم فيه الفكرة البناءة الفاعلة، وتتحكم في تلابيب أفكاره مع أسف شديد الأفكار الهادمة المتشعبة لكل ما له صلة بغير الحضارة والتطور.فالتمعن في حياة هذه الأمة نجدها خاملة تعتمد فقط على التسطيح، والأفكار التي تخلق المثبطات الحياتية.ورغم أن لدينا ما يجعلنا أمة مهابة الجانب، إلا أننا نتخير دائما السقوط في مستنقع الأفكار الشاذة على عكس الأمم الأخرى،التي تحسن اقتباس الأفكار من أفكار آخرين.يقول مالك بن نبي:"إن عينات حضارة ما: هي منتجاتها الاجتماعية في جميع أشكالها.فالمصباح الذي نستنير به، والأفكار التي وجهت أمر تجهيزه والآدميون الذين قاموا بعملية إنجازه، تمثل جميعها منتجات اجتماعية لحضارة معينة".وينحو بن نبي منحى آخرا في تبني الأفكار الفعّالة التي يراها أفكار لا بد أن تستند على الجماليات التي يعشقها الإنسان كيفما كانت ديانته.فيضيف مالك بن نبي:"ولعل من الواضح لكل إنسان أننا أصبحنا اليوم نفقد ذوق الجمال، ولو أنه كان موجودًا في ثقافتنا، إذن لسخرناه لحل مشكلات جزئية، تكون في مجموعها جانبًا من حياة الإنسان".كما يطرح الطرح الحضاري في ذات السياق فيقول:"لا يقاس غنى المجتمع بكمية ما يملك من أشياء بل بمقدار ما فيه من أفكار، ولقد يحدث أن تلم بالمجتمع ظروف أليمة كأن يحدث فيضان أو تقع حرب فتمحو منه عالم الأشياء محواً كاملاً أو تفقده إلى حين ميزة السيطرة على عالم الأفكار وهنا يكون الخراب ماحقاً. أما إذا استطاع أن ينقذ أفكاره فإنه يكون قد أنقذ كل شيء، إذ أنه يستطيع أن يُعيد بناء عالم الأشياء".

المصيبة الكبرى في العالم العربي والإسلامي أن النظام السياسي القائم، والذي يتحكم في سكناتنا وحركاتنا هو الذي يمنع على مواطنيه الأفكار فيخلق عالما من الأفكار يتحكم فيه أشخاص ينتمون للمحيط السلطوي الذي لا يقبل إلا بالأفكار التي تبقيه في السلطة.ومنه نجد الذين يودون تبني الأفكار البناءة الفعالة التي تخدم الأمة وتخدم التطور،وتنهي حالة الضياع الحضاري،نجدهم ينفرون من أي تواجد على أرض هذا الحكم الجائر.وربما هذا ناجم أيضا عن العدالة المفقودة التي تجعل الفرد يفكر في خلق توازن حياتي،قبل أن يبحث عن إيجاد أرضية خصبة للأفكار النيرة.يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في هذا الصدد وفي العدالة المنعدمة،بين الناس،وبين العامل والقاعد،وبين صاحب الفكرة الفعالة وبين الفكرة الهدامة التي لا تروق إلا الحاكم المستبد:""إن هناك رجالا يأخذون للعيش أسبابه،ويطرقون للعمل أبوابه،ويحرق الواحد منهم دمه وأعصابه ثم لا يجدون شيئا بعد هذا الجهد المضني،أو يجدون شيئا يمسك الرمق ويسد بعض الحاجات الملحة،ثم يجف المعين وتسود الدنيا في وجوههم وتضطرم في نفوسهم ثورة مكتومة على المجتمع والدولة،ويسوء ظنهم في قيمة العمل والسعي،مثل هذه الحال تظهر وتكثر عندما تضطرب الأوضاع الاقتصادية،وتدخل أمور غير إرادية في توزيع الخسائر والأرباح فربما أصابت القاعدين بالربح وربما أصابت العاملين بالخسارة".وعليه فالأفكار البناءة تنطلق من تربة خصبة يحكمها نظام عادل،ويسوسها فكر ثاقب فهل نعتبر نحن الجزائريين ونفقه معنى الأفكار التي هي في أحايين كثيرة أسبق من كسب الدولار والدينار!.

 

شوهد المقال 759 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جلال خَشِّيبْ ـ "النهاية الجديدة للتاريخ" بَرَاغ خانا

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) مجلّة المصلحة القومية، 06 مارس 2021، الولايات المتحدّةالكلمات المفتاحيّة: الجيوبولتيك، العلوم السياسية، نهاية
image

حكيمة صبايحي ـ جلالة "الهايشر"

حكيمة صبايحي  من أطلق لفظة "الهايشر" على الشعب الجزائري؟ ماذا تعني لفظة "الهايشر"؟ طبعا لا يمكن أن تعني إلا لفظة سوقية تحط من شأن الشعب الجزائري،
image

جمال الدين طالب ـ لماذا يزعجهم "التاجديتيون"؟ بعض الأفكار لمحاولة الفهم ...

بقلم: حسني قيطونيترجمة: جمال الدين طالب تحليل ممتاز للباحث والمخرج الأستاذ حسني قيطوني نشره اليوم على صفحته على فيسبوك ولم أستطع الانتظار لترجمته بسرعة للعربية ومستقبلا
image

Kitouni Hosni ـ Pourquoi les Tadjadit dérangent ?

Kitouni HosniQuelques idées pour tenter de comprendre...Le cas Mohamed Tadjadit a provoqué une controverse au sein du Hirak et bien au-delà. Pour la première
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 112 الحراك راسخ في السلمية ولكل حدث حديث..

نصرالدين قاسممثل أحرار السلمية في توادهم وتعاضدهم وتضامنهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. في الجمعة الثانية عشرة
image

حماد صبح ـ قراءة في كتاب " السهم المرتد " رفيف دروكر

 حماد صبح يتناول هذا الكتاب أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انفجرت في 28 سبتمبر 2000 احتجاجا على زيارة شارون إلى المسجد الأقصى ، وتعبيرا عن غضب
image

"أُريد ابنا واثقا في نفسه" أول إصدار للكاتبة " مريم عبد الحميد شريبط" عن دار قيرطا للنشر والتوزيع.

الوطن الثقافي ـ ح . و  يصدر عن دار قيرطا للنشروالتوزيع بقسنطينة أول مُؤلف للكاتبة والأُستاذة "مريم عبد الحميد شريبط"، بعُنوان " أُريد ابنا واثقا
image

يسين بوغازي ـ الفٌلول ضد شباب الرئيس ؟!

  يسين بوغازي   رٌفع لثامٌ  زمن تشريعي جزائري ، رفع بمقاسات  جزائر  جديدة  فبدا  غريبا عجيبا يحتاج قراءة وتأمل ؟! 
image

سعيد لوصيف ـ في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح

د. سعيد لوصيف   في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح : أو كيف ينبغي أن يتجه التفكير في مأسسة الصراعية في ديناميكية التحول.. شرعنة معيار عام يحتكم إليه
image

رشيد زياني شريف ـ ماكينة الإعلام، مخلب العصابة

د. رشيد زياني شريف  مرة أخرة، ومن جديد، تتوّحد كافة وسائل الإعلام، المكتوبة منها والمرئية، المعربة والمفرنسة، "العلمانيةّ و"الإسلامية"، الحداثية والمحافظة، في الدفاع كلها عن الجلاد

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats