الرئيسية | الوطن الثقافي | سعيد لوصيف ـ مخاطر التخويف والعنف الرمزي المقنن على التحول المجتمعي : هل للمثقفين ان يتكلموا ؟!

سعيد لوصيف ـ مخاطر التخويف والعنف الرمزي المقنن على التحول المجتمعي : هل للمثقفين ان يتكلموا ؟!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. سعيد لوصيف 

 

يقترح Kaës في أعماله العلمية عن العنف ضرورة التمييز بين شكلين من اشكاله : العنف البنيوي الذي يرتبط مباشرة بالحقل الاجتماعي و السياسي والثقافي، و العنف الظرفي الذي ينتج من سابقه.

يشير العنف البنيوي من الناحية السيكولوجية البحتة إلى ذلك التعبير الذي يظهر في إجراءات الضبط الاجتماعي في علاقة الفرد أو الأفراد بالآخر أو الآخرين. وعليه، يكون من وظيفة المؤسسات الاجتماعية القائمة للدولة احتواء هذا العنف وتقييده. كما يمكن ان تصبح هذه المؤسسات خطرا على تشكل المواطنة والكيانات السياسية في المجتمع، عندما تفشل في عملية تقييد هذا العنف واحتواءه؛ بل ويكون من نتائج هذا الفشل أنها تصبح هي بالذات المنتجة له بشكل ماديّ (التعنيف) أو رمزي (التخويف والقهر) وهو ما اصطلح عليه Kaës بالعنف الظرفي.

ومن نتائج هذا الفشل أيضا، أن يصبح العنف ممنهجا و آلية تقوم بها مؤسسات بعينها ، هدفها فرض سلطة على المجتمع و الهيمنة عليه قسريا في ظل غياب تام للشرعيات. ومع استمرار أزمة الشرعية، وغياب الخطاب السياسي، يتحوّل العنف و التعنيف الممنهج ليصبح "الخطاب" الوحيد الذي تنتجه هذه المؤسسات الفاشلة في تواصلها مع المجتمع. فالعنف الظرفي هو إخفاق في تنظيم مؤسسات الدولة – الأمنية على وجه الخصوص – وثقافتها، و تحديد وظائفها في علاقاتها بالمجتمع.

كما يخبرنا هذا الإخفاق، و هذا العنف المنتج بصورة ممنهجة في كثير من الأحيان عن الصورة التي يحملها النظام السياسي عن قيمة الإنسان وحقوقه المدنية والسياسية ومكانته الاجتماعية. و من المنظور التحليلي، فإنّ الحديث عن العنف لا يقتصر فقط على الفعل العنيف في حدّ ذاته، بل إنّ الفهم الصحيح للظاهرة يتطلب توسيع مجال الفهم ويتعلق الأمر هنا دوما إلى غريزة الموت أو بشكل أوسع بمصير الإنسان و مصير العلاقات الإنسانية والاجتماعية في بناء المجتمع الحديث ودولة الحق والعدل والإنسان.

و إذا كانت غريزة الحياة هي غريزة بناء واستوعاب وتفهّم، فإنّ غريزة الموت هي غريزة تهديم و فكّ للعلاقات والروابط. و بالتالي، يتعيّن علينا أن نفهم أن استفحال غريزة الموت في المؤسسات الاجتماعية التي من المفروض أن تأسس لغريزة الحياة، إنّما تترجم هذه الوضعية باتولوجيا في سلوكياتها تجاه الأفراد و المجموعات الذين يقعون خارج بنيتها المادية أو الرمزية ، و تؤشر على وجود تمظهرات سادوية لسلطة سياسية تبحث عن هيمنة مستدامة لمجتمع تعتقد أنّه شيئا خاصا، لا ينافسها فيه احد، يتعيّن عليها تعنيفه وإهانته في حالات رفض الطاعة.

كما يظهر الخضوع، و الإذعان، و الرضوخ المطلق بالنسبة للأنظمة المتسلطة فضيلة ينبغي الحرص على ديمومتها، على عكس التمرّد والعصيان اللذين يعتبران دنيئة ورذيلة (لهذا يتقاطع المداخلة و غلاة الطاعة في طروحاتهم مع الأنظمة المتسلطة في الأنظمة العربية) يتعيّن تعنيفها. و لا يفوتنا في هذا السياق، التأكيد أنّه من الناحية الفلسفية والميتولوجية و الرمزية بشكل خاص ، أن نفهم بأنّ تاريخ الإنسانية بدأ أصلا بفعل تمرّد وعصيان (قصّة وصيّة آدم عليه السلام بعدم الأكل من الشجرة، و قصة إبليس ورفضه السجود لآدم أيضا عليه السلام) ؛ و الدلالة في الصورة الرمزية لهذا العصيان أن تاريخ المجتمعات و الشعوب لا يمكن أن تكتب بفعل خضوع وانصياع ورضوخ وإذعان، وإنّما تكتب بفعل تمرّد وعصيان ؛ أي بمعنى رفض الهيمنات و التأسيس للتحرّر والانعتاق منها. فرفض الخضوع هو بداية تشكل الكيانات المستقلة و تشكيل حدود التفاعلات الاجتماعية بين الأفراد و المؤسسات.

و من الأمور التي قد تزيد في خطر احتمال تفكك النسيج الاجتماعي و الروابط الاجتماعية، هو تحوّل العنف الظرفي ، إلى عنف أساسي ( violence fondamentale ) على حدّ تعبير Bergeret ،بمعنى تحوّلا من جهة، يمسّ مباشرة الوظائف الحيوية للتواصل بين الأفراد والجماعات و بينهما وبين المؤسسات الاجتماعية، و من جهة أخرى يمسّ، بشكل أو بآخر هندسة بناء العيش المشترك بين أفراد المجتمع؛ أي أن يصبح العنف بين الفاعلين في الصراع في مستوى (أنا أو هو).

ومهما يكن، فإنّ هذا التخويف والتعنيف المقنن يستوجب على كلّ واحد منا فضحهما والتنديد بهما، لأنّهما لا يعبّران فقط عن "حقرة" و شكل من أشكال الهيمنة، و إنّما لكونهما يتعارضان أخلاقيا وسياسيا مع الحق في الاعتراف بالجزائريات والجزائريين ككيانات سياسية مستقلة تفلت من قبضة هيمنة نظام فاقد للشرعية.

 

شوهد المقال 510 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن
image

ناصر جابي ـ الحراك الجزائري في سنته الثانية… ماذا حقق وما ينتظره من تحديات؟

د . ناصر جابي  ليس هناك اتفاق ولو جزئي بين الجزائريين، حول حصيلة للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وهو يدخل سنته

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats