الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله ـ عن المُقَرْصََنِين الذين لا بَوَاكِيَ لهم حتى بين أهلم...

فوزي سعد الله ـ عن المُقَرْصََنِين الذين لا بَوَاكِيَ لهم حتى بين أهلم...

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

 

بقيت أعداد الأسرى والعبيد الجزائريين والمسلمين بشكل عام لدى الأمم المسيحية خلال الحقبة العثمانية من تاريخ الجزائر غير معروفة بدقة لندرة الدراسات العلمية حول الموضوع، وهي أرقام ضخمة دون أدنى شك حسب مؤشرات تاريخية كثيرة. فلا اهتمام بهؤلاء البؤساء لا في أوروبا، التي لا يُعقَل أن تُدين نفسَها وهي التي مَلأتْ الدنيا صخبًا بشأن "القرصنة الجزائرية" و"استعباد" الأوروبيين المسيحيين في مدينة الجزائر، ولا في الجزائر ذاتها التي لم تتمكن بَعد مِن التخلَّص من الاحتِلال الذِّهني، بما في ذلك في أوساط بعض نُخبها، ومن كمائن الاستعمار وألغامه التي لم تُفَكَّك حتى الآن.
وُجدتْ أعداد كبيرة من الأسرى والعبيد المسلمين، الذين كان من بينهم موريسكيون، في كل مِن لِيفورْن وجزيرة صقلية وجزيرة سردينيا بإيطاليا، وهي موثَّقة في الأرشيف الإيطالي المحلّي وليست مجرّد كلام. 
وليس بعيدا عن الأراضي الإيطالية، إذا سلَّمنا بكلام الخياري الأندلسي بِيخًارَانُو، فإن 5500 مُسْلِمٍ كانوا في الأسْر في جزيرة مالطا لِوحدها بُعيد الطرد النهائي لأحفاد الأندلسيين في بداية القرن 17م، من بينهم على الأقل 50 موريسكيا.
وكانت عمليات الاختطاف والأسر ثم الاستعباد والبيع في أسواق النخاسة الأوروبية تتم أحيانًا بِجرأة كبيرة، بعيدا عن الصدامات والمعارك البحرية، حتى في عقر ديار المسلمين مثلما حدث مرارا على السواحل الجزائرية.

 

 

"خْوان رايْ (Juan Rey)، صاحب سفينة تابعة لـ: لا سْيوتا (La Ciotat)، (في فرنسا)، كانت مُبْحِرَةً قرب السواحل الجزائرية، اختَطَفَتْ عام 1563م، حوالي 20 من السُّكان وذهبتْ لتبيعهم في جنوة كجدَّافين (…) وحوالي 1612م، العديد من الشبان، من ضمنهم نجل الباشا (الجزائري)، اختُطِفوا من طرف قرصان جنوي" يقول المؤرخ الجزائري مولاي بلحميسي، فيما كان هؤلاء الشباب الجزائريون يستمتِعون بنسمات مساءٍ ربيعي في قارب على الساحل. 
هؤلاء لا بواكي لهم ولا مَن يَذكُرهم في البحوث التاريخية الحديثة، فيما لغط كبير يجري حول الجرائم المزعومة لـ: "القراصنة" الجزائريين، بينما كل ما كان يحدث ليس سوى حرب جيوسياسية شرسة برًّا وبحرًا وعلى مدى قرون كاملة سقط فيهاالضحايا هنا وهناك...

 

وفي الدراسة ذاتها للمؤرخ الجزائري مولاي بلحميسي التي تحمل عنوان Course et contre-course en Méditerranée ou comment les algériens tombaient en esclavage (16ème – 1er tiers du 19ème siècle)، يضيف الباحث اللامع قائلا إن "...فارس ن. كليرفيل (Le chevalier N. de Clerville) لم يصل إلى كَاغْلْيَارِي (الإيطالية) في يناير من العام 1662م خالي اليديْن. وهو في طريقه إليها، استولى على سفينة تركية برجالها الـ: 48، "ثم عند المرور بـ: سْطُورَا (في منطقة سْكِيكْدَة في الشرق الجزائري Ndlr)، استولى على 12 من المُورْ (maures) (بمعنى المسلمين المحليين وليس الموريسكيين Ndlr) وباعهم هنا" (…). وكتب دوغْرامون أنَّ فارس فَالْبِيلْ (Le chevalier de Valbelle) ارتجل عملية إنزال من سفينته واختطف رجالا بلغ عددهم 500 استُخدِموا في إثراء طاقم الجدَّافين في مَالْطَا. كما نصب كونت فيري (Le comte de Verée) بجرأة كمينًا في خليج صغير قريب من مدينة الجزائر. وبمجرد طلوع الفجر، استولى على سفينة "وجد على متنها أربعة رجال من الوُجهاء من الحَضَر (maures)، وابن أخت الباشا" (...). وخلال رحلتهما إلى إسطنبول عام 1638م، تعرَّضتْ غليوطاتان جزائريتان إلى هجوم شنته عليهما سفن توسكانية، فوقع الباشا في الأَسْر بمعية "عدد آخر من القادة والشخصيات الكبيرة"...".

 

قائمة هذا النوع من عمليات الخطف والأَسْر، التي لم يسلم منها حتى المرتحِلين بحرا إلى البقاع المقدسة لأداء مناسك الحج، طويلة يضيف بلحميسي الذي استرسل في ذِكر عدد منها. 
ولا يُستبْعد أن يكون ضمن هؤلاء الأسرى الذين بيعوا في سوق النخاسة في إيطاليا أو في غيرها من أسواق العبيد الأوروبية أندلسيون/موريسكيون الذين كان من بينهم على سبيل المثال الدبلوماسي الكاتب صاحب "وصف إفريقيا" الحسن الوزان الغرناطي المعروف في أوروبا بـ: "لِيون الإفريقي" الذي اختُطف من طرف قراصنة أوروبيين واقتيد إلى الفاتيكان حيث أمضى مُرغَمًا بقية حياته. وكان هؤلاء الاندلسيون/الموريسكيون يقعون في مخالب القرصنة الأوروبية غالبًا خلال الهجمات على سواحل المدن الكبرى والمتوسطة بمقاييس ذلك العهد، من بينها الجزائر العاصمة وبجاية ووهران والقالة وسكيكدة وعنابة وغيرها...

 

 

وفي مقابل، ازدياد الحاجة للعبيد المسلمين، ومن البلدان المغاربية بشكل خاص، للتجديف على السفن المسيحية الأوروبية، "فإن حقيقة وجود نصارى يجدفون إلى أن تخور قواهم على متن سفن الجزائر وتونس وطرابلس لم تعد قائمة منذ بداية القرن 17م" يقول الباحث الفرنسي دانيال بانزاك لمتخصص في تاريخ البحرية في البحر الأبيض المتوسط، بسبب تحولات جوهرية في بنية أساطيل هذه البلدان التي جعلتها تعتمد على أنواع جديدة من المراكب لا تحتاج إلى ما كانت تحتاجه من الجدّافين. 
وحتى استغلال الأسرى النصارى في الورشات والمزارع والحقول، الذي كان يُروَّج له في أبشع الصُّوَر، كان اللغط بشأنه في أوروبا أكبر بكثير من الواقع حيث "كانت نادرة وتقتصر على الرجال من ذوي الكفاءات الحقيقية حسبما يروي لنا الهولندي جيريت ميتزون (Gerrit Metzon) عند وصفه ترسانة مدينة الجزائر حوالي عام 1815م" يضيف دانيال بانزاك في دراسته التي تحمل عنوان: Les esclaves et leurs rançons chez les barbaresques (fin 18ème – début 19ème siècle (العبيد وفديتهم عند البرابرة في نهاية القرن 18م وبداية القرن 19م)....

 

 

فيما يتعلق باختيار "نوعية العبيد" وأصولهم الجغرافية، وزير ملك فرنسا لويس الرابع عشر كتب لنجله الذي كان كثير التردد على جزيرة مالطا يقول له: "لقد قررتُ أن أستخدمَك عندما تكون في مالطا. (…) أريد منك إذن أن تترقبوا بدقة جميع الفُرَص التي ستُتاح من أجل شراء عدد من العبيد وحاولوا الحصول عليهم بأفضل الشروط الممكنة". الباحث الفرنسي غْزَافْيِيه لاَبَا سَانْ فَانْسُونْ يُعلِّق قائلا، بعد عرضه مضمون دراسته Achats et rachats d esclaves musulmans par les consuls de France en Méditerranée au 18ème siècle، إن "المُكلَّف بالأعمال الخاصة بفرنسا في مالطا كان مُطالَبًا على الدَّوام بالاستعلام عن وصول شحنات العبيد ومحاولة الحصول على أكثرهم قوة جسدية من أجل إرسالهم إلى فرنسا". 
وكان العبيد القادمين من المنطقة المغاربية، ومن بينهم الجزائريون بشكل خاص، مطلوبين بكثرة لقوتهم الجسدية ومهارتهم البحرية، وحسب العبارات المستخدَمة آنذاك، لقد كانوا "من نوعية جيدة". ويوضح الباحث أن مهمة القائم بالأعمال لم تكن سهلة، لأن فرسان مالطا كانوا ينافسونه على العبيد المسلمين لتشغيلهم على مَتن أسطولهم البحري. ويضيف بأن فرسان مالطا أسروا 20 جزائريا من مدينة الجزائر في شهر ديسمبر/كانون الأول عام 1728م في عملية استيلاء على سفينة أبْحرتْ من العاصمة الجزائرية. حينها، يقول غْزافيه لابا سان فانسون، "قرَّر الصدر الأعظم (حاكم مالطا Ndlr) أن يهدي 20 عبدا" لملك فرنسا"...".
هكذا كان العالم آنذاك...كان شرسًا، وما زال...وإن تغيَّرت الأشكال بمظاهر ناعمة...

 

فوزي سعد الله: الشتات الاندلسي في الجزائر والعالم. دار قرطبة. الجزائر 2016م.

شوهد المقال 400 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن
image

ناصر جابي ـ الحراك الجزائري في سنته الثانية… ماذا حقق وما ينتظره من تحديات؟

د . ناصر جابي  ليس هناك اتفاق ولو جزئي بين الجزائريين، حول حصيلة للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وهو يدخل سنته
image

نصر الدين قاسم ـ وتسقط الأراجيف ويعلو صوت السلمية

نصرالدين قاسم  أثبتت السلمية مرة أخرى أنها سيدة قرارها، قررت تعليق المسيرات الاحتجاجية لا خوفا من السلطة ولا ارتداعا من سطوتها وبطشها إنما صونا لصحة الجزائريين
image

نجيب بلحيمر ـ السلمية.. ثابت وطني ومفتاح المستقبل

نجيب بلحيمر السلمية حية.. هذا ما أخبرنا به هذا الاثنين التاريخي الذي خرج فيه الجزائريون عبر مختلف أنحاء الوطن ليقولوا بصوت واحد انهم مصممون على إنقاذ
image

محمد هناد ـ التعديل الوزاري والجزائر تدي الإستقلال

د. محمد هناد   الشكل الذي أتى به «التعديل» الوزاري الأخير لم يكن منتظرا ؟ لاسيما بعد تلك النبرة الساخرة التي سبق لرئيس الدولة عبد المجيد تبون

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats