الرئيسية | الوطن الثقافي | نوري دريس ـ في النقاش حول ابن باديس: ثمة موقفين لا تاريخيين anachroniques من ابن باديس

نوري دريس ـ في النقاش حول ابن باديس: ثمة موقفين لا تاريخيين anachroniques من ابن باديس

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. نوري دريس 

 

 

الموقف الاول, يتبناه بشكل عام البربريست واللائكيين, ويتعلق بموضوع الهوية. "يعادي" هذا التيار ابن باديس لانه في نظرهم بنى نظرته للهوية الجزائرية علي اللغة العربية والاسلام فقط, وغالبا ما يستحضر بيته الشعري ( شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب) كحجة للتأكيد علي أن ابن باديس ألغى البعد الأمازيغي من الهوية الجزائرية.
يسقط هذا التيار صراعات اليوم حول الهوية على سياق الاربعينات من القرن الماضي.

 

حين قال ابن باديس ذلك البيت الشعري, فإنه يضع العروبة والاسلام مقابل اللغة الفرنسية والمسيحية( المسيحية ليس كديانة, بل كهوية فرنسية استعمارية), وليس كخصم للأمازيغية.., ثم ان السياق الذي قال فيه ذلك, لم يكن الموضوع الأمازيغي مطروحا بعد, وكان الامازيغ اصلا يعرفون انفسهم على أنهم مسلمون جزائريون بثقافة عربية امازيغية, أو أن الوعي بموضوع الهوية الامازيغية لم يكن موجودا أصلا ...كما أن رفضهم لقانون للظهير البربري ( 1931) في المغرب دليل على تمسكهم بالهوية الاسلامية العربية ورفض اعادة تعريفهم بشكل يفصلهم عن العروبة والاسلام

ميز ابن باديس بين الجنسية السياسية والجنسية الوطنية, كما أنه رحب بإلغاء الخلافة من قبل كمال اتاتورك...كان ابن باديس علمانيا بالفهموم الحديث للكلمة, و اكثر انفتاحا من لائكيي اليوم, وسمح له تمييزه بين الجنسية السياسية والجنسية القومية للتأسيس لامكانية تعايش ديانات مختلفة داخل الدولة الواحدة ( بالطبع لم يكن ذلك ممكنا لأن فرنسا في الجزائر كان نظاما استعماريا وليست دولة, وهذا ما أدى الي إلتحاق الجمعية بالاستقلاليين بطلب من عبان رمضان)

اما التيار الثاني, فموقفه السلبي من ابن باديس مرتبط بموقف جمعية العلماء من الاستعمار.جزء كبير من هذا التيار يتشكل من التيار الأول, وجزء آخر, يحمل قناعات ايديدلوجية تصطدم مع التيار الاسلاموي, ويؤمن بالتعدد وحرية الاختلاف....

يعتقد هذا التيار ان أداء الجمعية خلال مسار الحركة الوطنية كان سلبيا , وهذا بسبب "الموقف المهادن" من الاستعمار كما يقولون. لايتردد البعض في سل افتتاحية البصائر كل مرة لإدانة الجمعية ورميها بتهمة الخيانة...

هنا أيضا يجب أن نؤكد أن جمعية العلماء كان موقفها متدرج من الاستعمار, وفضلت أن تأتي الى الاستقلال عبر المطالب الثقافية الهوياتية, تماما مثلما فعل الاصلاحيين,( udma فرحات عباس,) الذين وصل بهم الطريق الي الانخراط في الجبهة من خلال المطالبة بإلغاء القوانين الاستثنائية في حق الحزائريين.

في الحقيقة, سواءا أتينا عبر طريق المطالب الهوياتية, أو طريق المطالب السياسية, فسينتهي الأمر الي الاصطدام بالمنطق الاستعماري الرافض للمساواة السياسية وللحقوق الهوياتية, وهذا هو منطق الاستعمار بحكم تعريفه. إنه قائم علي اللامساواة وعلى التمييز الهوياتي( الأبارتهايد).

بالاضافة.الى أن الجمعية ساهمت في تعليم الجزائريين , فهي أيضا انتهى بها الأمر الى الالتحاق بالاستقلاليين بشكل رسمي سنة 1956( بطاب من عبان رمضان), وهذا تطور طبيعي لكل مناضل نزيه, بغض النظر عن الوسائل والطريق التي يسلكها.

لا يمكن للجزائريين ان يكونوا بنفس مستوي الوعي الثوري, ولا بنفس التصور لوسائل الكفاح, ولا نفس التصور لمستقبل الدولة.

 

العمال والكادحون لم يكن لهم ما يخسرونه, ومنذ البداية شكلوا قاعدة ثورية لحزب الشعب. 
الطبقة الوسطى المتعلمة في المدارس الفرنسية كانت تعتقد أنه بإمكان الانطلاق من المطالبة بالمساواة السياسية, وحين خاب ضنها بعد بلوم فيولت , ثم مجازر 8 ماي , بدأت تلتحق بالراديكاليين في حزب الشعب.

 

الثقافيون, بطبعهم يميلون الى الهدوء والنصح و الارشاد والدعوة والتركيز علي القيم والدين والهوية, واستثمروا في التعليم والارشاد الديني, وكانوا في الحقيقة امتدادا للحركة الاصلاحية العربية...انطلقوا من موضوع الهوية وانتهى بهم الأمر في حضن الراديكاليين, لانهم ادركوا أن لكل أمة سياسية هوية قومية خاصة بها, وأن فرنسا اليعقوبية لن تتنازل للجزائريين عن حقوق هوياتية قد تتطور الي المطالبة بحقوق سياسية قومية.

مشكلة ابن باديس, ان العروبيين والاسلامويين هم استغلوه بصورة بشعة لاقصاء الابعاد الامازيغية من الهوية الوطنية بعد الاستقلال, وهم من يتحمل مسؤولية ذلك, وابن باديس بريئ منهم.

أما البربريست المتطرفون, , فهم أيضا انطلقوا من المطالب الهوياتية كطريق للنضال السياسي بعد الاستقلال , وانتهى الامر ببعضهم إلى المطالبة بالانفصال , والدولة الوطنية تصدت لهم, تماما مثلما فعلت فرنسا مع مطالب ابن باديس الهوياتية, مع التأكيد علي الفرق بين فرنسا الاستعمارية التي كانت تريد الحفاظ علي الهيمنة الاستعمارية وموقف الدولة الوطنية من الانفصاليين الذي كان يهدف الي الحفاظ على الوحدة الوطنية.

التنوع في أساليب النضال خلال الحركة الوطنية يعكس التنوع السوسيولوجي في المجتمع, وكل ساهم انطلاقا من وضعه الاجتماعي ووعيه المنبثق منه في استعادة الاستقلال وتأسيس الدولة الجزائرية.

الخونة معروفون, وهم أولئك الذين رفعوا السلاح في وجه جبهة التحرير الوطني, وفي وجه الجزائريين خلال حرب التحرير, وبقوا على موقفهم الي غاية نهاية الثورة.

أما من كانت لهم تصورات مختلفة, ثم تطورت لتذوب في جبهة التحرير فهم كلهم أبطال, ورموز للأمة الجزائرية, نفتخر بهم ويشكلون مرجعية لهويتنا وتاريخنا ودولتنا الفتية.

شوهد المقال 507 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن
image

ناصر جابي ـ الحراك الجزائري في سنته الثانية… ماذا حقق وما ينتظره من تحديات؟

د . ناصر جابي  ليس هناك اتفاق ولو جزئي بين الجزائريين، حول حصيلة للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وهو يدخل سنته
image

نصر الدين قاسم ـ وتسقط الأراجيف ويعلو صوت السلمية

نصرالدين قاسم  أثبتت السلمية مرة أخرى أنها سيدة قرارها، قررت تعليق المسيرات الاحتجاجية لا خوفا من السلطة ولا ارتداعا من سطوتها وبطشها إنما صونا لصحة الجزائريين
image

نجيب بلحيمر ـ السلمية.. ثابت وطني ومفتاح المستقبل

نجيب بلحيمر السلمية حية.. هذا ما أخبرنا به هذا الاثنين التاريخي الذي خرج فيه الجزائريون عبر مختلف أنحاء الوطن ليقولوا بصوت واحد انهم مصممون على إنقاذ
image

محمد هناد ـ التعديل الوزاري والجزائر تدي الإستقلال

د. محمد هناد   الشكل الذي أتى به «التعديل» الوزاري الأخير لم يكن منتظرا ؟ لاسيما بعد تلك النبرة الساخرة التي سبق لرئيس الدولة عبد المجيد تبون

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats