الرئيسية | الوطن الثقافي | عبد العزيز بوباكير ـ القابلية للاستعمار بقلم فلاديمير ماكسيمنكو ترجمة عن الروسية

عبد العزيز بوباكير ـ القابلية للاستعمار بقلم فلاديمير ماكسيمنكو ترجمة عن الروسية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 


د.عبد العزيز بوباكير
 
مالك بن نبي (1905- 1973) ينحدر من وسط تقليدي في قسنطينة، من عائلة مسلمة مولعة بالكتب، حصل في البداية على تعليم روحي عال في الجزائر، ثم على تعليم تقني عال في أوروبا،عمل صحافيا، وتعاون في الجمهورية- الجزائرية، والثورة الإفريقية، وهو صاحب عدة تآليف اجتماعية. ومن المستبعد الموافقة على الوصف الذي قدّمه المستشرق روبرت لاندا عن مالك بن نبي بقوله أنه: "إيديولوجي إسلامي". 
ولعل من الدقّة نعته بأحد إيديولوجيي الانتلجنسيا، حسب تقييم روبرت لاندا نفسه. فعلى امتداد أكثر من عشرين سنة من النشاط التأليفي، قلّ الاهتمام الذي كان مالك بن نبي يوليه في أعماله للإسلام بشكل ملحوظ. وفي أحد كتبه الأولى أشار إلى أنه ينظر إلى الأخلاقيات الدينية من وجهة نظر سوسيولوجية فقط، كمنطلق اجتماعي رابط... ولم يندرج الإسلام، كلاهوت، أبدا في حلقة اهتماماته الأدبية.
لم يقدّم مالك بن نبي صورة تعميمية للإنسان الجديد، لكن فضله يكمن في رسمه للسمات المميّزة للإنسان القديم، ولإشارته إلى علاقة تطور الشخصية بمشكلة النهضة الوطنية. ولعل التخلي عن محاولة وصف الإنسان الجديد أملاه الإحساس بالانتقالية الموجودة في كل أعمال مالك بن نبي: "نحن جيل ملعون يخفي الانحطاط، ونحن جيل مبارك يكتشف الحضارة".
من المفاهيم الجوهرية عند مالك بن نبي مفهوم الشخصية ما بعد الموحدية والقابلية للاستعمار. إن الإنسان ما بعد الموحدي(دولة الموحدين قامت على أرض شمال إفريقيا وجنوب إسبانيا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر)، هو رمز الانحطاط العام، وكل المشاكل المعاصرة للعالم الإسلامي تعود، كما كتب مالك بن نبي سنة 1954، إلى زمن ظهور هذا النموذج البشري. وبفعل الإرث السوسيولوجي، فإن الإنسان ما بعد الموحدي لم يورّثنا فقط نفسيته، التي نمت من انحطاطه الاجتماعي والفلسفي والسياسي، وإنما ورثنا نفسه.
وسماته يمكن أن نجدها في الفلاح، وفي البدوي، وفي البورجوازي، وفي حامل الباكالوريا المتأنق. إن الإنسان ما بعد الموحدي، أصبح وجها نموذجيا للعهد الاستعماري، ومهرّجا يجبره المستعمر على أداء دور الأهلي، وهو مستعد لأداء أيّ دور.
ما هي إذن السمات الأساسية للشخصية ما بعد الموحدية؟ إنها بالدرجة الأولى الميل إلى الاقتباس غير الخلاّق والفوضوي (إما بفعل الاضطرار، وإما بفعل التقليد الأعمى) وفوضى في مجال الأفكار والأهداف السياسية مشكّلة من خليط من أشياء ميّتة خاصة به، وأخرى متفسخة لغيره. ويمكن أن تُطرح أمام المجتمع، الذي يمثل فيه الإنسان ما بعد الموحدي، الشخصية المركزية، مشاكل، لكن لا أحد يطرحها. ففي كل مكان تسود الصدفة، وليس المبادرة والأفكار. إن السمة الغالبة على انحطاط الإنسان ما بعد الموحدي هي الفكرة التي لا تتجدد، والفعل الذي لا يتماشى مع أي جهد فكري. وهذه القطيعة بين الفكر والعقل تُلاحظ سواء في المجال الخاص أم العام. والعلم الذي يُؤخذ في الجامعات الغربية لا يعد أداة من أجل أن يكون الإنسان أفضل، لكن من أجل أن يبدو أفضل.. إنه العلم المغرور بذاته، المتجمد على نفسه وكليشهاته وأفكاره المبتذلة.
إن أخطر نتيجة لاستشراء سمات الإنسان مابعد الموحدي، هي شلّ أي تطلع إلى التطور، فتصبح القابلية للاستعمار، هي التجسيد الاجتماعي للإنسان ما بعد الموحدي. طرح مالك بن نبي لأول مرة هذا المفهوم في كتابه "شروط النهضة الجزائرية"، حيث كتب: إن الاستعمار ينتهي حيث تنتهي القابلية للاستعمار. وفي "دعوة الإسلام" عرّف بن نبي هذا المفهوم بتفصيل أكثر. ويعتبر مالك بن نبي أن السيرورة التاريخية لاستعمار الشعوب الآفرو- آسيوية لم تبدأ مع الاستعمار، لكن مع القابلية للاستعمار التي استدعته. ويكمن المغزى التاريخي للاستعمار في أنه هو وحده الذي جعل الوعي المستعمر يعي قابليته للاستعمار، وبذلك أصبح نقطة انطلاق لنبذ هذه القابلية.
وكون المسلمين كانوا مقيّدين في تطوير قدراتهم هو نتيجة للاستعمار، لكن كونهم لم يفكروا في الاستعمال الفعلي، إلى أقصى حد، للوسائل والإمكانات التي كانت موجودة وتوقفهم السلبي في مرحلة الأهلي- الشيء، هو مظهر من مظاهر القابلية للاستعمار. وفي كتابه "دعوة الإسلام" أورد مالك بن نبي قولا لكارل ماركس. واقترح على القارئ تأمله: "نحن نقول للعمال: ربّما وجب عليكم أن تعيشوا 15 أو20 أو30 سنة من الحروب الأهلية، والصدامات الدولية، ليس فقط من أجل تغيير الظروف السائدة، لكن من أجل أن تغيّروا، أيضا أنفسكم وتجعلوا من أنفسكم قادرين على الهيمنة السياسية".
إن الاستناد على كارل ماركس كان ينبغي أن يؤكد الأطروحة الرئيسة لمالك بن نبي: إصلاح النفس هو شرط جوهري للتغيير الاجتماعي... غيّر نفسك تغيّر تاريخك
ومن المهّم التأكيد أن مالك بن نبي، حين فكر في تغيير النفس، فإنه لم يكن يقصد إصلاح النفس الفردية، لكن إحياء الوعي الجمعي الوطني بالدرجة الأولى. ذلك أن المشكلة الأساسية التي شغلت بال مالك بن نبي، كانت هي مشكلة الإنسان الذي يعيش في التاريخ، وليس خارج التاريخ. ومن أجل حل هذه المشكلة بالذات، دعا إلى إعداد توجه جديد للثقافة، توجه للعمل، توجه لرأس المال. أما فيما يتعلق بتصور مالك بن نبي للثقافة، فقد كان يراها عقيدة للسلوك العام للشعب، هدفها وشرطها الأول توحيد المجتمع بحثا عن توازن جديد.
إن الاستعمار والقابلية للاستعمار يمثلان عند مالك بن نبي ظاهرتين متقاطعتين، ولكنّهما مختلفتين في الجوهر. وكانت رؤية الأولى وإنكار الثانية تعني، بالنسبة إليه، التخلي عن توضيح شروط النهضة الوطنية، وكان مالك بن نبي، بصفة عامة، يدرك الصعاب التي تعترض طريق تجاوز العواقب الوخيمة للقابلية للاستعمار، إن الأرض، كما كتب، ليس كروية بالنسبة للجميع: فالبعض لا يزال يعيش في القرن14، والبعض الآخر في القرن العشرين، وآخرون يوجدون على الطريق بين القديم والجديد، هذه فقط إحدى الصعاب، الصعوبة الأخرى كان يراها بن نبي في الموضة التي استشرت في وسط قسم متعلم من المجتمع الإسلامي والمتمثلة في عبادة الشيء الوحيد(la chose unique) لما ترتبط الآمال في نهضة وطنية بالتأثير الأوتوماتيكي لهذا العامل الخارجي أو ذاك: تدفق الاستثمارات، نمو التعليم ونشر المعارف، الدعوة للإسلام بوصفه الدين الأمثل الخ... هل ينبغي لنا –يقول مالك بن نبي متعجبا، أن ننتظر سنوات لنلاحظ عجز.. كل الأشياء الوحيدة التي تنقذنا.
ولعل إدراك هذه الصعاب هو الذي أدى عمليا إلى غياب معالجة ملموسة لطرق تجاوز عواقب القابلية للاستعمار عند مالك بن نبي. لقد اكتفى بدعوة الجزائري إلى ترشيد فكره وأفعاله ووقته وماله وقطعة خبزه التي تمنحها الأرض، كما اكتفى، أيضا بالدعوة إلى عدم فهم الثقافة الأوروبية، جزءا جزءا، والاكتفاء بمظهرها، لكن باكتناه جوهرها.
لقد ظل فكر مالك بن نبي حبيس تصوره الفلسفي المجرد، ولذلك، فرغم إطلاعه على كارل ماركس إلا أنه لم يستطع بلوغ مقاربته لمشكلة الفرد والتاريخ، ولذلك أيضا ظلت دعوة مالك بن نبي إلى إصلاح النفس معلّقة في الهواء. إن مالك بن نبي، كما لاحظ بحق، محي الدين جندر، طرح مشاكل لم يسبقه إليها أحد في الجزائر، ولم تكن تلفت الانتباه من قبله، لكنه اغفل العلاقة بين أزمة الفرد، التي درسها، وبين تفسخ الفئات الاجتماعية التقليدية. وقد منعت المقدمات الفلسفية المجردة، التي انطلق منها مالك بن نبي، من فهم أن الإنسان ما بعد الموحدي، والقابلية الاستعمار هما نتيجة تأثير متبادل للقوى الاجتماعية- الطبقية. لقد انتقد مصطفى الأشرف أطروحة القابلية للاستعمار، كميزة فطرية للمجتمع الإسلامي، واعتبر أن فرنسا اصطدمت في الجزائر، ليس فقط بمجتمع تقليدي سليم، لكنه منظم جدا، وفي جداله حول تصور القابلية للاستعمار، كتب مصطفى الأشرف أيضا، عن كتلة أشباه المثقفين الذين تعصرنوا بشكل اصطناعي، لكنهم في الواقع ظلوا قريبين من انحطاط القرون الوسطى.

 

شوهد المقال 398 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي
image

أبوطالب شيبوب ـ كلمتين بالدارجة الجزائرية لمن يحاول التحريض على الحراك الجزائري

أبوطالب شيبوب  كلمتين بالدارجة راهم في خاطري وبغيت نقولهم قبل ما نرقد.. بالاك غدوة نموت ومازالوا حاصلين ليا في الڨرجومة: راه كاين واحد الفرق ااواضح -
image

العربي فرحاتي ـ نقد النقد ضروري..أيضا ..المتنمرون على الحراك الجزائري

د. العربي فرحاتي  كنا ننتظر من نخبنا الحراكية بعد هذه الهبة الاستئنافية للحراك أن تقرأ المشهد الاستئنافي بروية وبصيرة وتوجه انتقاداتها إلى السلطة .وتحثها على
image

خديجة الجمعة ـ امرأة ثلاثينية

خديجة الجمعة وقفت امرأة ثلاثينية، تخاطب نفسها!! اهو الزمان قدعصف بي أم أنا عصفت بهذا الزمان؟! وهل هم الأصدقاء مابرحوا ينتظرون الزهور التي أعددتها لهم؟ أم
image

مريم الشكيلية ـ على مائدة الكلمات

مريم الشكيلية ـ سلطنة عماندعاني ذات فصل لوجبه عشاء على أظرفة شتاء...قال لي :جميل لون الوشاح الذي يطوق عنقك..قلت :يا سيدي أنا أنثى ترتدي الفصول

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats