الرئيسية | الوطن الثقافي | مرتضىى كزاز ـ محنة العقل المستقطب في زمن الكورونا ..ايطاليا والصين نموذج

مرتضىى كزاز ـ محنة العقل المستقطب في زمن الكورونا ..ايطاليا والصين نموذج

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

مرتضى كزاز 

 

 

أكثر العقول نشاطاً هذه الأيام هو العقل المستقطب، المتحزب والموتور دينياً أو سياسياً، منذ بداية انتشار الفايروس وأنا أتسقط الأخبار متابعاً ما يفعله كورونا بالعقل لا بالرئتين، وعلى رأي أحد أبطال الأفلام المختصة بالوباءات «سأموت، ليس من المرض الذي في جسدي بل من المرض الذي في رؤوسكم». 
حينما بدأت أسجل كيف تعاملت النخبة الأمريكية وأنصارها من الطرفين مع الوباء لاحظت أن القائمة أضحت مثل رواية سميكة ذات لغة ملساء وفجّة، وقد كان طريفاً أن لغة الصحف في البداية استعملت تعبير كورونا «نوفل»؛ وذلك لأن كلمة رواية ذات الأصل اللاتيني تستعمل كصفة للحدث الغريب المستجد. 
اتصلت بصديق يجيد الايطالية وآخر من أصل صيني أسألهما ما هي الأساطير السياسية والدينية التي صنعها المخيال المتحزب كرد فعل على الوباء في الصين وأيطاليا، فأنا أعرف جيداً أننا كعرب نشبه أية أمّة أخرى، نحن البشر متشابهون في مسرّاتنا وأوجاعنا، لكنها تلك الأقنعة الثقافية التي تستر التشابهات كالعيوب. 
أوباما «المسلم الشيوعي» عيّن شخصاً في الصحة وظيفته نقل الفايروسات من الحيوانات إلى البشر!، اسمع ذلك في الراديو، الصينيون والمثليون هم السبب، يقول معلم الإنجيل الخاص بالرئيس ترمب وهي مقولة سرقها منه فيما بعد بهيمة آل الصدر، أقول سرقها وأعرف أن العقول المستقطبة تشبه الأواني المستطرقة، تصل إلى النتيجة ذاتها وهي رغم تعذر الاتصال «واحد تافل بحلگ الثاني» كما تقول الإمثولة العراقية اللّماحة، في المعسكر الآخر انحياز سياسي مماثل يهدف إلى اسقاط الرئيس باستعمال الجائحة، وعلى رأي وول ستريت إن قلق المحافظين من إيبولا في زمن أوباما يساوي بالضبط في حدَته قلق الديمقراط من كورونا في زمن ترمب!. 
ماتت المدينة ببطء لأنها لا تريد أن تصدق ذلك، وتوقفت الأشغال وخلت الشوارع إلّا من المشردين ولأنني اقرب المهندسين إلى الشركة التي أعمل فيها فقد أسندتْ إليّ مهمة سقي النباتات ونشر فتات الخبز للنوارس، قبل أحد الاجتماعات الرقمية التي أحب الالتحاق بها من مكتبي الذي يبعد دقيقة مشي أو أقل، دخلت الشركة الفارغة لأجد في قسمنا مئات البطات البلاستيكية الصفر الصغيرة، من تلك التي توضع للأطفال في حوض الحمام، موزعة بغير انسجام حتى في الزوايا المهملة، هذا المكان يضم في طاقمه الكثير من الفنانين والفنانات، عرفت بعدها أن زميلتنا مصممة الشخصيات قد بادرت بذلك، صانعةً اسطورتها المسالمة لمكافحة الفايروس في سلوك سريالي مستقطب لمصلحة الفن لا لمصلحة السياسة والحزبيين. 
صحيح أن عقل الانسان مصمم على الاستقطاب ولايمكن أن لا ينحاز وجودياً وهذه الصفات تجمعه مع الأمور المادية التي لا بد أن يكون لها موقف من الجاذبية ما دام عندها وزن وكتلة، لكننا نتحدث عن العقل الذي لا يفكر إلا باتجاه المغناطيس الرمزي ويستجير به في انفعالاته العاطفية، حينما يصبح المعتقد السياسي مثل المعتقد الديني الذي يدخل مع المؤمن إلى الحمام ويرشده عبر نص طقوسي غابر كيف يغسل جسده. 
المغناطيس في الديني و اللاديني على السواء يمارس فعل الجذب الشمولي نفسه. 
سيغيّر كورونا العالم حاله حال احداث ١١ سبتمبر أو الحروب الكبرى وسيكون دور العقل المستقطب هو التعليق لمصلحته حتماً مثل المعلق على المدرجات، الذي قد يوقعه حماسه في الكثير من التناقضات، مثل ما بدأ الرئيس تعليقه حول الفايروس بأنه «مجرد نكتة» ونحن بخير وسنكون كذلك؛ حتى انقلب خطابه بعد وصول الحمى إلى قدميه. قد يؤجل كورونا الانتخابات وقد يقلب موازين الاقتصاد وحجوم الثروات ويصفي الفوارق ويقزم اللامساواة.. قد وخذ ما شئت من «قد» و ربما.
لكن ما نلاحظه بجلاء هو أن كورونا لقن العقل المستقطب درساً بليغاً، لأن أول ما لجأ إليه المستقطب ، كل مستقطب، هو الامساك ب«عدوه التقليدي» و اتهامه، جره من رف التأريخ أو نشرة الأخبار وتحضير وجبة الاتهام الجاهز له، وأقصد هنا الجميع .. كل «واحد عدوه گبال عينه»، لكن الكورونا طويل البال وهزم نظرية العدو الأوحد وفتّتها، ما يعني أن نسبة الناس الذين سيخرجون من فقاعاتهم السياسية والدينية ستزداد في فترة الحضانة التربوية هذه.

 

العقل المستقطب سيقتلنا قبل رواية كورونا، والمحنة أن ليس كل ما يقوله هذا العقل هو أكاذيب ومؤامرات، فقد «يفوتك من الچذاب صدگ چثير».

شوهد المقال 468 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب
image

جباب محمد نور الدين ـ السير في الاتجاه المخالف و المسدود

د. جباب محمد نور الدين  قبل سفري إلى الشرق وإقامتي المؤقتة فيه للدراسة ،كنت قد قرأت عن الاستبداد الشرقي كما وصفه "هيغل" وبعده
image

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو الجزائر إلى إنهاء استخدام العنف ضد المتظاهرين المسالمين

أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن القلق البالغ بشأن تدهور وضع حقوق الإنسان في الجزائر واستمرار وتزايد القمع ضد أعضاء الحراك المنادي
image

عثمان لحياني ـ انتزاع حق التظاهر و أحزاب الحراك في سجون الداخلية

عثمان لحياني  الثورات لا تطلب رخصة، حراك انتزع حق التظاهر انتزاعا، تقر به السلطة الآن بعد أن نجح الحَراك في امتحان العودة الى الشارع.الحراك مثّل مدرسة
image

وليد عبد الحي ـ البابا فرانسيس: هل جئت العراق تطلب نارا ام تشعل البيت نارا

أ.د.وليد عبد الحي التغطية الاعلامية التي حفلت بها زيارة البابا فرانسيس الى العراق اليوم بخاصة من قناة تقدم نفسها على أنها قناة "المقاومة" تكشف
image

نجيب بلحيمر ـ على طريق "استحالة الحكم"

نجيب بلحيمر  الشارع لا يقيم وزنا لما تقوله "نخب" العالم الافتراضي، وحملات الدعاية والتضليل بلا أثر عليه، هذه خلاصة واضحة يمكن أن يراها كل من تابع
image

نوري دريس ـ السلطة الجزائرية واستمرار سياسة الإنكار

د. نوري دريس  للاسبوع الثالث علي التوالي, خرج الالاف من الجزائريين الى شوارع المدن للتعبير عن رفضهم لنمط تسيير الدولة الحالي, والمطالبة بببناء دولة القانون.
image

رضوان بوجمعة ـ استمرار الضغط الشعبي وغياب العقل السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 197 دخل الحراك الشعبي السلمي، اليوم، جمعته الثانية من عامه الثالث، ورغم كل هذا الوقت الذي مر، لايزال الإصرار الشعبي من
image

خديجة الجمعة ـ الرحيل

خديجة الجمعة  احتاج إلى الرحيل عن العالم؛ والغوص بالأعماق . أعماق الروح، لأن لاأفكر بأحد، لأن أحب ذاتي ، لأن أعشق وجودي في الكون. نعم قرأت

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats