الرئيسية | الوطن الثقافي | مادونا عسكر ـ الكينونة البشريّة إناء الفيضِ الإلهيّ

مادونا عسكر ـ الكينونة البشريّة إناء الفيضِ الإلهيّ

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

الإيمان هو ذاك الاشتعال القلبيّ الّذي لا يُستدلّ عليه بالمنطق العقليّ أو البرهان المنطقيّ والحسّيّ. إنّه السّرّ بين الإنسان والحبّ الأعلى. ولئن كان الإيمان سرّاً / Mystère لزم التّأمّل بإشراق الله في القلب والتّصادق معه حتّى النّهاية في علاقة خاصّة، تتفاوت حميميتها من شخص إلى آخر. إلّا أنّ الإيمان مبادرة من الله أوّلاً، فهو المبادر بفيض النّور في القلب، وكلّ إنسان مدعوّ إلى التّفاعل مع هذا النّور، كلّ بحسب استطاعته. ولا يخلو الوجود من إنسان غير قادر على الانفتاح على النّور الإلهيّ "لأنّه يشرق شمسه على الصّالحين والأشرار، ويمطر على الأبرار والظّالمين". (متى 45:5) وعبارة الشّمس الواردة في الآية تعود إلى الله، فالشّمس هنا هي الشّمس الإلهيّة. وهي أبعد من المعنى المحصور في ضيق العبارة وعجزها عن شرح الإشراق الإلهيّ. إنّها، أي الشّمس، النّور الأعلى والأسمى الّذي لا يدركه عقل إلّا إذا استنار به.

يتجلّى الإشراق الإلهيّ أوّلاً ويمنح ذاته للكلّ دون محاباة أو تمييز. وهو متجلٍّ منذ الأزل كحقيقة تؤجّج القلب ليعشق فيتحرّك العقل ليبحث بالاستنارة الممنوحة له من القلب وليس العكس. إنّ حقائق الوجود تتّخذ مساراً معاكساً لتنطلق من العقل الباحث والمختبر حتّى يبلغ أهدافه من خلال التّجريب. لكنّ حقيقة النّور وإشراقه فيض يأسر القلب قبل العقل. فهذا الفيض غير معنيّ بالمعادلات المنطقيّة، بل هو لحظة خارجة عن الزّمان والمكان، متغلغلة في الوجود. فيض متجدّد مستمرّ، أقوى من الاستيعاب الإنسانيّ، وأعظم من المنطق البشريّ وأجلّ من العقل المشكّك والمتمرّد. ويظلّ هذا الفيض في مبادرة لا تنتهي متسرّباً إلى عمق الأعماق الإنسانيّة ليوقظ الأغوار السّاكنة حيث لا حسّ ولا سمع ولا بصر، حيث الصّمت المنتظر ثورة الحبّ ليرتبط بالله الحبّ. ولمّا كان الإنسان مخلوقاً على صورة الله ومثاله، ولمّا كان قد نفخ فيه نسمة حياة، فلا ريب أنّه قادر على استقبال هذا الفيض حتّى وإن كان يحيا في الظّلمة القاتمة، "لأنّ الله يشرق شمسه على الصّالحين والأشرار، ويمطر على الأبرار والظّالمين". 

ليس من أحد صالح بالكامل، وليس من أحد شرّير بطبيعته. الإنسان كيان يختبر ذاته ومحيطه ووجوده، وينتقل من مرحلة إلى أخرى. تارة يهوي وطوراً يرتفع، وتارة ينحدر إلى أسفل ترابيّته، وطوراً يرتقي إلى النّفحة الإلهيّة الكامنة فيه، حتّى إذا ما لسعه الفيض النّورانيّ وأضرم فيه نار الحبّ تلاشت قواه التّرابيّة وأشرقت مواهب النّور المنعَمِ عليه بها من النّور الّذي لا بدء له ولا نهاية. لا أحد يعلم متى تأتي السّاعة الّتي يحتدم فيها الشّوق الإلهيّ للإنسان، فينجذب إلى الحبّ وتزهر إنسانيّته. ولا أحد يقوى على الهروب من هذا الفيض النّورانيّ العشقيّ حتّى وإن كان غارقاً في بحر الموت، يتخبّط بأمواج الحقد والكره والضّغينة والسّخط والعداوة، "لأنّ الله يشرق شمسه على الصّالحين والأشرار، ويمطر على الأبرار والظّالمين".  

كلّما شرب الصّالح من النّور الإلهيّ ظمأ أكثر، وكلّما احترق به صمت وجاع  إلى المزيد من الاحتراق السّعيد. وأمّا السّالك في الظّلمة فلا بدّ من أنّه في لحظات قد تكون عابرة يتراءى له النّور، بغضّ النّظر عن قبوله أو رفضه. فالصّورة الإلهيّة المنطبعة فيه لا تبرح تقرع باب قلبه وتقلق منامه وتحرّك الضّمير.

نحن ننظر إلى الإنسان من خارج ونحكم على السّلوك دون العودة إلى الأحكام الظّرفيّة والتّربويّة ودون الأخذ بعين الإعتبار قسوة الاختبارات وبطش الأسى. فإذا نظرنا إلى الأعماق الإنسانيّة وجدنا التّعاسة الّتي يحياها ذلك الإنسان، وأشفقنا على شقائه وبؤسه. لكنّ الله الحبّ ينظر إلى تلك الأعماق ويلامسها بنوره. والإرادة الألهيّة أكبر من التّعاسة الإنسانيّة وبؤس العبوديّة الّتي يرزح تحتها وأعظم من العقل الضّعيف والمستكبر.

الكلّ مؤمن من جهة الله، والكلّ إناء للفيض الإلهيّ، والكلّ قلب عطش إلى تجرّع الحبّ الإلهيّ "لأنّ الله يشرق شمسه على الصّالحين والأشرار، ويمطر على الأبرار والظّالمين".

شوهد المقال 177 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حكيمة صبايحي ـ القاضي سعد الدين مرزوق (لا قضاء ولا محاماة..دون استقلالية عن السلطة التنفيذية ..!!

د. حكيمة صبايحي  إذا كان ارتداء جبة القضاء والتنسك بمحرابه المقدس وتصريف رسالة العدل السامية والسماوية في الأرض شرف ما بعده شرف ، فإن الافوكاتية التي
image

عبد الجليل بن سليم ـ مشروع الدستور حماية الدولة من نفوذ موظفيها حماية الدولة من النفوذ الخارجي

د. عبد الجليل بن سليم  للمرة الخامسة أعيد قراءة مشروع الدستور المطروح لاستفتاء يوم الفتح من نوفمبر المقبل و حاولت أن أقنع نفسي بان هدا الدستور
image

مرزاق سعيدي ـ بعيدا عن الرؤية بعين واحدة..

مرزاق سعيدي  لماذا يتعلق الجزائري بالمتغيّر وليس بالثابت، في الغالب، ويركز على الآني وليس على الإستقرار، ويستثمر في الكماليات وليس في الضروريات، ويجري خلف سيّارة جديدة،
image

زهور شنوف ـ الأرض والشعب يحتاجان للحرية في الجزائر

زهور شنوف   النائب الذي استقال من اجل خيار الشعب في السجن، الصحفي الذي اصر على اداء واجبه الوظيفي بأمانة تجاه الشعب في السجن، القاضي الذي انتصر
image

عثمان لحياني ـ ونوغي..عض الأصابع

عثمان لحياني  على اقتناع تام أن ما كان يقوم به العربي ونوغي كمدير لوكالة النشر والاشهار، هو جهد شخصي وتصور نابع من مزاج ذاتي وليس سياسة
image

رشيد زياني شريف ـ من ثمرات الحراك الجزائري المباركة، جامعة بورشات للأعمال التطبقية

د. رشيد زياني شريف  ما حققه الحراك من حيث الوعي يفوق مئات المحاضرات الراقية والحوارات السياسية المفعمة والخطب البلاغية العصماء والمقالات الموثقة، بل أصبح الحراك أكثر
image

نجيب بلحيمر ـ مخلفون

نجيب بلحيمر  إعلان بعض الأحزاب السياسية تصويتها على "الدستور" بـ "لا" يعبر عن قناعتها باستمرار توازنات ما قبل 22 فيفري، وحتى إن كانت الأحزاب قد عجزت
image

جلال خَشّيبْ ـ قراءة في كتاب " "القيادة وصعود القوى العظمى" للبروفسور الصيني يان شيتونغ : "رؤيةً من الصين"

د. جلال خَشّيبْ  حصلتُ أخيراً على هذا الكتاب القيّم والجديد (2020) "القيادة وصعود القوى العظمى" للبروفسور الصيني يان شيتونغ، الذّي أعددتُ سابقاً ملخّصاً لدراسة مُطوّلة كُتبت عنه
image

محمد نايلي استاذ في عمر 71 سنة معتقل بسجن العوينات ولاية تبسة ..الجزائر الجديدة

التنسيقية الوطنية للدفاع عن معتقلي الرأي‎  عمي #محمد_نايلي أطال الله في عمره الإنسان الطيب الاستاذ المحترم صاحب ال 71 سنة قابع

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats