الرئيسية | الوطن الثقافي | نجيب بن خيرة ـ في صالون الدكتور سهيل زكار 2|2

نجيب بن خيرة ـ في صالون الدكتور سهيل زكار 2|2

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. نجيب بن خيرة 

 

 

رجعت إلى الجزائر، وباشرت التدريس في منصبي بجامعة الأمير عبد القادر، وخلال سنة واحدة تابعت فيها استكمال البحث بإشراف أستاذ باحث محترم هو الأستاذ الدكتور غازي جاسم الشمري (من العراق)، وبعدها نُوقشت الرسالة ونالت ـ بحمد الله ـ درجة "مشرف جدًّا" مع تهنئة لجنة المناقشة، ولم أنس التنويه بفضل الدكتور سهيل زكار في توجيهاته وتعديلاته، وإرشادي إلى مصادر البحث ومراجعه ومظانِّه.
وفي زيارتي الأخيرة لدمشق هاتفتُ الدكتور سهيل زكار في بيته، وضبطت معه موعدًا لزيارته، وبعد صلاة المغرب وفي حدود الساعة 18:30 تقريبًا ـ وهو الوقت المفضل عنده للزيارة ـ وصلت رفقة زوجتي إلى بيت الدكتور.
وجدنا معه في صالونه العلمي أستاذًا سوريًّا باحثًا في التاريخ العسكري كما فهمت من خلال المناقشة الدائرة بينهما، وبعد الترحيب، باشر الدكتور حديثه عن قضية هامة في التاريخ العسكري الإسلامي، حيث ناقش فكرة "الجيش النخبة وأثره في سقوط الدولة"، وأعطى أمثلة مهمة من التاريخ الإسلامي مثل: سقوط الدولة الأموية، وجيش أبي مسلم الخراساني، وجيش الأتراك في عصر المعتصم، ثم الجيش الإنكشاري في العصر العثماني، إلى أن وصل شارحًا فكرته إلى الحرس الجمهوري في حكم صدام.......
وبعرض ساحر يمكن للدكتور زكار أن يغرقك في التفاصيل دون أن تَملَّ أو تضْجَر أو تسرَح بعيدًا... فتظل تتابع حديثه وأنت مشدود إليه لكثرة ما يلقي إليك من أمثلة باهرة، يدلل بها على فكرته، ويُسند بها رأيه الذي يذهب إليه.
قام الدكتور بنفسه لتحضير الشاي كعادته في خدمة زائريه، ثم استأذن لصلاة المغرب، فراح الأستاذ الزائر الذي يبدو أكبر بكثير من أن يكون شابًّا في مرحلة الجامعة يُقدِّم نفسه فقال: «أنا باحث حُرْ ، تخرجت في الجامعة من عقود طويلة، وأنجبت الأولاد، وأدخلتهم الجامعة... وأنا اليوم أعود إلى البحث العلمي، أشارك أبنائي في التحصيل والطلب». فأكبرته وأُعجبت بإرادته، فأكبرني بدوره، ورحَّب بي لما علم أني من الجزائر، وقد ناقشت رسالتي للدكتوراه قبل أربع سنوات.
تابع الدكتور زكار بعد صلاته حديثه معنا سائلًا عن الجزائر وأحوالها، ثم قال بعد حديثي مُعقِّبًا: «لقد كان الجزائريون يومًا ما أكثر من الوهابيين»، ويعني أن الوهابية بما عُرف عن بعض أهلها بالتطرف والتشدد غزت الجزائر، ووجدت لها أتباعًا مثّلوا فكرها في أبشع صوره! وهو يشير إلى ما جرى في العشرية السوداء من حوادث دامية لا تزال جروحها راعفة! وراح يستذكر ذكرياته في الجزائر والمغرب وإسبانيا...
ثم خُضت مع الدكتور في الحديث عن الاستشراق، وهو الحديث الذي تَخصَّص فيه وتعمَّق، وله فيه دراسات كثيرة، ومِن بين ما سألته : «هل المستشرقون لهم من القدرة والكفاءة ما يستطيعون به فهم النصوص التاريخية في المصادر العربية الأصيلة؟»، فقال: «مستحيل! ولو ظلَّ المستشرق يدرس العربية مائة عام!». وضرب لذلك مثلًا فقال: «أن أحد المستشرقين نقل نصًّا قديما فيه: "... أن الفرس والروم وبعض الروس..."، فاستغربت أن تكون في تلك الفترة هذه الكلمة، وبعد التحقيق تبيّن أنها "وبعض الرؤوس"!
كما أن بعض المستشرقين يترجمون كلمة (الجهاد) بكلمة (الحرب المقدسة ـ The holy war)، وهو مفهوم يتناقض تمامًا مع مفهوم الجهاد في الإسلام. كما ترجم أحدهم كلمة (خاتم الأنبياء) بكلمة (Seal of the Prophets) وهو معنى بعيد...».
ثم سألت الدكتور عن الموضوعات الجديدة التي ينبغي أن تدرس في تاريخ المشرق، وهل مجالات هذا التاريخ قُتلت بحثًا كما يدّعي البعض، فقال بلهجة شديدة: «إن هناك وثائق مادية اكتشفناها مؤخَّرًا غيّرت نظرتنا إلى فترات كثيرة من تاريخنا الإسلامي»، وأعطى أمثلة من تاريخ الأندلس، ومن تاريخ الحروب الصليبية، ثم قال: «إن المكتبة الأرمنية لم نستعملها بعد»، وتحدّث عن تاريخ اليونان والرومان والديانة المسيحية... وفوجئت بتبحّر الدكتور في علم الأديان، وإحاطته بخباياه التي قرأها مباشرة من مصادرها الأصلية وبلغاتها القديمة! وقد استفاد من الترجمات الكنسية التي نقلها في موسوعته الشاملة، ومِن بين ما ذكر أنه: «لم يكن هناك مستشرق منصف أو محب للحضارة العربية في تاريخ الاستشراق على الإطلاق، الكلُّ لهم نوازعهم اللاهوتية، من مسيحية أو صهيونية، وتنطوي جوانحهم على كراهية تحريمية للنبي والعروبة والإسلام، لذلك لا يمكن الوثوق بأحد منهم... صحيح أني أقرأ لهم الكتب، وأتعامل مع أفكارهم، لكني لا أثق بهم».
قدّمتُ للدكتور هدية يحبها وهو (التمر الجزائري)، واستأذنته بالانصراف حتى لا نُثقل عليه، وتمنيت زيارته لنا في الجامعة كأستاذ زائر، ووعدني بذلك إن أُتيحت له فرصة من صحة أو فراغ.
وتواعدت مع الدكتور على أمل اللقاء به في المركز الثقافي بمخيم اليرموك بدمشق، حيث سيلقي محاضرة بعنوان: "كتابة تاريخ الأمّة العربية في عصر العولمة"
.......
إنتهى

 

كتب المقال في دمشق يوم: 26 مارس 2008

 

شوهد المقال 485 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جابر خليفة جابر ـ ثقوبُ عار – أكاليلُ غار قراءة في " ثقوب عارية " للروائي علي الحديثي

جابر خليفة جابر    يُصنفُ هذا العمل ضمن الروايات القصيرة إذ تتكون من 73 صفحة موزعة على 11 مقطعاً. ويتخذُ الحدث فيها مساراً
image

محمد هناد ـ آخر خرجة : «نداء الوطن» !

د. محمد هناد  بعد واقعة تعديل قانون الجنسية، ها هي السلطة تطالعنا بمسعى جديد لن يأتي لها إلا بمزيد من الجفاء. يتعلق الأمر بإنشاء «تحالف» (مع
image

جباب محمد نورالدين ـ هل يضحكون على الشعب هذه المرة ؟

د. جباب محمد نورالدين  لا أعلم إذا كان، هذه المرة، يضحكون على الشعب مثل بقية المرات، فقد قالوا له سابقا يجب ان تقدم التضحيات
image

العربي فرحاتي ـ نخب انتهازية طور التكون ..في مهمات قذرة...

د. العربي فرحاتي  في غياب دولة الحق والقانون والعدالة والحرية ..من الطبيعي أن يكون لكل مرحلة سياسية استبدادية انتهازيوها كحال نظامنا الجزائري..فكان لمرحلة شعار "من الشعب
image

رضوان بوجمعة ـ العقل السياسي وبناء التحول الديمقراطي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 198 يواصل الجزائريون والجزائريات مسيرتهم السلمية من أجل إخراج الجزائر مما هي فيه، المسيرة بدأت منذ أكثر من عامين، وهدفها الأساسي
image

عادل السرحان ـ البراحة

عادل السرحان                في البراحة شجرة يقطين تزحف الى النهر نخلتان لنا وأخرى لجارنا عضتني أمي بأسنانها الجميلة يوم تغيبت عن المدرسة تحت إحداها وكل البلابل التي
image

مولود مدي ـ الإقتصاد الريعي في خدمة النظام السياسي الجزائري

مولود مدي  من أحد الأدوات الأساسية التي استعملتها السلطة في تشديد السيطرة على المجتمع: احكام القبضة على السوق الوطنية للسلع والمواد الإستهلاكية الأساسية، ومراقبة سوق العمل.ولهذا
image

عادل صياد ـ نخب بين " ثورية ، انتهازية ، جبانة "

عادل صياد   في هذه اللحظات التاريخية المفصلية والحاسمة، التي يصنع ملحمتها الشعبُ الجزائريُّ العظيم منذ اندلاع ثورة 22 فيفري 2019، وما تلاها من أحداث ومحطات، تشكّلت
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats