الرئيسية | الوطن الثقافي | نجيب بن خيرة ـ في صالون الدكتور سهيل زكار 1|2

نجيب بن خيرة ـ في صالون الدكتور سهيل زكار 1|2

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. نجيب بن خيرة 
 

 

 

لا أستطيع زيارة دمشق دون المرور على بيت الدكتور المؤرخ والمفكر سهيل زكار( رحمة الله عليه ) ، الذي ملأ المكتبة العربية بتصانيفه وتحقيقاته وترجماته...
كان أول لقائي بالدكتور سهيل زكار سنة 1994 عندما زرت دمشق أول مرة، وكنت يومها أُعدّ رسالتي للماجستير عن "دور الخراسانيين السياسي والعلمي في العصر العباسي الأول"، فزرته في بيته الجميل بحي (المزة)، قريبًا من برج (تالة)، على بعد أمتار من معهد أبي حيان التوحيدي.
بيت الدكتور زكار صُمِّم بطريقة إبداعية رائعة، له مدخلان: مدخل خاص بالبيت في شارع، ومدخل في الشارع الثاني خصّ به زائريه، يدلف مباشرة إلى صالون كبير وفاخر، مُلئت رفوف جدرانه الأربعة بأمّهات المصادر والمراجع ، ونادر المخطوطات وأهم الخرائط. كما يحوي على مكتبه الكبير الذي يقضي فيه معظم وقته. وهو على طابقين، وفي الطابق السفلي أيضًا مثل ما في الطابق الأول من الكتب... ومكتبته ـ كما علمت ـ تحوي أكثر من خمسة وثلاثين ألف كتاب في مجالات العلوم الإنسانية والإسلامية المختلفة.
تُطل المكتبة على حديقة البيت التي يشتغل فيها الدكتور سهيل بنفسه، يسقي وَردَها، ويُهندس ممراتها، ويرعى نبتها الصغير والكبير كما شاهدته في زياراتي المتكررة له بعد ذلك.
من عادة الدكتور سهيل أن يقوم بنفسه لتحضير الشاي والقهوة والزهورات لزوّاره، فهو يُعدّها في زاوية من مكتبه، ويُقدِّمها لهم في تواضع جمّ، وتِرحاب لا ينقطع.
ومكتبته هي محل أُنسه، وهي ـ في الغالب ـ مقر عمله واجتماعاته الخاصة مع الطلاب والباحثين والعلماء الزائرين والصحفيين السائلين وغيرهم... كما هي صالون التسجيل لبرامج الإذاعة و التلفزيون.
أنعم الله على الدكتور سهيل زكار ببسطة في الجسم والعلم، فحين تجلس إليه وتتحدث معه تشعر بهيبة التاريخ وعظمته، فجسمه الضخم، وطوله الفارع، وصوته المتهدج، وحركات يديه الكبيرتين اللّتين تتبادلان حمل السبحة الفاخرة تجعلك تسبح في محراب التاريخ سبحًا طويلًا، وترجع بِطانًا من كثرة ما علِمتْ، وألَقِ ما فهِمتْ.
في زياراتي الأولى له أفدت منه في ضبط الصورة النهائية لخطة البحث، ونهلت مِن نَبْعه الثَّرّ حول المصادر والمراجع التي استقي منها البحث، واستمد مادته.
وفي سنة 2002 حصلت من وزارة التعليم العالي بالجزائر على منحة دراسية لتحضير الدكتوراه في جامعة دمشق، فالتحقت بها في شهر سبتمبر، وقصدت الدكتور زكار ليكون مشرفي على الرسالة الموسومة بـ: "الحياة العلمية في الدويلات الإسلامية بإقليم المشرق ـ خراسان وبلاد ما وراء النهر ـ بين القرنين الثالث والخامس الهجريين". عرضتُ عليه الخطة وما أنجزته من الرسالة طوال السنوات الماضية في الجزائر، فسُرّ بالعمل، ورحّب بالإشراف. وعرضتُ المشروع على قسم التاريخ بجامعة دمشق، وتم عقد جلسة عرض المشروع ـ أو (سيمنار) كما يسمونه عندهم ـ يوم 29 ـ 09 ـ 2002، وحضر الجلسة أكثر من عشرة أساتذة من قسم التاريخ، فعرضت بين أيديهم الخطة التي أحفظها عن ظهر قلب؛ لأن الموضوع مسجل في جامعة الأمير عبد القادر منذ أربع سنوات قبل حصولي على المنحة، ووُجِّهت إليّ بعض الأسئلة من الحاضرين، وأفَضتُ في الإجابة عنها حتى أوقفني رئيس القسم... وتم قبول مشروع البحث واعتماده، وشعرت أن الدكتور سهيل زكار انبسط لحسن عرض المشروع والتحكم في تفاصيله. ولما سُئلت عن المصادر الفارسية وأهميتها في بحثي، فاجأني الدكتور بقوله للحضور: «لقد رتبت مع المسؤولين ، لتمكين الطالب من الحصول على منحة لتعلم اللغة الفارسية»!
وبعد أيام قاربت الشهر تبيّن لي أن الوزارة الوصية عندنا تعبث بأقدار الباحثين، ولا تخصص إلّا مبلغًا زهيدًا للممنوحين، لا يَسدّ حاجة طالب في مرحلة الدكتوراه له زوجة وأولاد، وعلمت أن المنحة المخصصة لا تكفي لاستئجار بيت قديم في ريف دمشق، فضلًا على أن تُعيل أسرة بأكملها... وحتى هذا المبلغ لا يصل إلّا بعد مرور أشهر، حيث يمر ببنوك لبنان، والمُلحقية الثقافية بسفارتنا في دمشق هي التي تتولى جلب المنح من هناك، وتعطيها للطلاب بعد لَأْيٍ كبير.
وقصدت الدكتور زكار في بيته مهمومًا مغمومًا، فخفف عني، ونصحني بالرجوع إلى الجزائر ومناقشة رسالتي في جامعة الأمير عبد القادر؛ لأن البحث أُنجزت منه أكثر من 80٪، وأستطيع مناقشته في أقرب وقت، أما جامعة دمشق فلا تسمح لي بالمناقشة إلّا بعد ثلاث سنوات من تاريخ اعتماده. وشعرت أني حُرمت من فرصة تاريخية ثمينة، وهي إشراف عالم كبير في قامة الدكتور سهيل زكار على رسالتي للدكتوراه... ولكنّ قدر الله شاء، وحكمته أرادت... "وعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ [البقرة: 216]

 

........./.........يتبع

 

شوهد المقال 445 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جابر خليفة جابر ـ ثقوبُ عار – أكاليلُ غار قراءة في " ثقوب عارية " للروائي علي الحديثي

جابر خليفة جابر    يُصنفُ هذا العمل ضمن الروايات القصيرة إذ تتكون من 73 صفحة موزعة على 11 مقطعاً. ويتخذُ الحدث فيها مساراً
image

محمد هناد ـ آخر خرجة : «نداء الوطن» !

د. محمد هناد  بعد واقعة تعديل قانون الجنسية، ها هي السلطة تطالعنا بمسعى جديد لن يأتي لها إلا بمزيد من الجفاء. يتعلق الأمر بإنشاء «تحالف» (مع
image

جباب محمد نورالدين ـ هل يضحكون على الشعب هذه المرة ؟

د. جباب محمد نورالدين  لا أعلم إذا كان، هذه المرة، يضحكون على الشعب مثل بقية المرات، فقد قالوا له سابقا يجب ان تقدم التضحيات
image

العربي فرحاتي ـ نخب انتهازية طور التكون ..في مهمات قذرة...

د. العربي فرحاتي  في غياب دولة الحق والقانون والعدالة والحرية ..من الطبيعي أن يكون لكل مرحلة سياسية استبدادية انتهازيوها كحال نظامنا الجزائري..فكان لمرحلة شعار "من الشعب
image

رضوان بوجمعة ـ العقل السياسي وبناء التحول الديمقراطي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 198 يواصل الجزائريون والجزائريات مسيرتهم السلمية من أجل إخراج الجزائر مما هي فيه، المسيرة بدأت منذ أكثر من عامين، وهدفها الأساسي
image

عادل السرحان ـ البراحة

عادل السرحان                في البراحة شجرة يقطين تزحف الى النهر نخلتان لنا وأخرى لجارنا عضتني أمي بأسنانها الجميلة يوم تغيبت عن المدرسة تحت إحداها وكل البلابل التي
image

مولود مدي ـ الإقتصاد الريعي في خدمة النظام السياسي الجزائري

مولود مدي  من أحد الأدوات الأساسية التي استعملتها السلطة في تشديد السيطرة على المجتمع: احكام القبضة على السوق الوطنية للسلع والمواد الإستهلاكية الأساسية، ومراقبة سوق العمل.ولهذا
image

عادل صياد ـ نخب بين " ثورية ، انتهازية ، جبانة "

عادل صياد   في هذه اللحظات التاريخية المفصلية والحاسمة، التي يصنع ملحمتها الشعبُ الجزائريُّ العظيم منذ اندلاع ثورة 22 فيفري 2019، وما تلاها من أحداث ومحطات، تشكّلت
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats