الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله ـ مصطفى القَرْضَنَاشْ (Mustapha Cardenas) في عنّابة...المقاول..الدبلوماسي..الفنّان الموسيقي..والخبير الزراعي...

فوزي سعد الله ـ مصطفى القَرْضَنَاشْ (Mustapha Cardenas) في عنّابة...المقاول..الدبلوماسي..الفنّان الموسيقي..والخبير الزراعي...

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

"...كان القرضناش بحقٍّ من الأندلسيين/الموريسكييين الذين ينطبق عليهم بقوة قول الوليِّ الصالح والشاعر الإشبيلي الأندلسي دفين مدينة تلمسان الجزائرية سيدي أبي مدين شُعَيْب:

 

تَحْيَا بِكُمْ كُلُّ أَرْضٍ تَنْزِلُــونَ بِهَـــا كَأَنَّكُمْ فِي بِقَاعِ الأَرْضِ أَمْطَـــــارُ
وَتَشْتَهِي العَيْنُ فِيكُمْ مَنْظَرًا حَسَنًـا كَأَنَّكُمْ فِي عُيُونِ النَّاسِ أَزهَـــــارُ
وَنُورُكُمْ يَهْتَدِي السَّـارِي لِرُؤْيَتِـِـه كَأَنَّكُمْ فِي ظَــلاَمِ اللَّيْلِ أَقْمَــــــــارُ

 

 

مصطفى القرضناش (Mustapha Cardenas) بن عبد العزيز، الموريسكي الذي قَدِم من بلدة كَارْدِينَاسْ (Cardenas) الإسبانية والتي أًصبح هو ونسلُه يحمل اسمَها، أحْدثَ ثورةً زراعية في أرض العَنَّاب وأعاد هيكلة وتنظيم تجارتها وصنائعها. 
كما يتردد في الوسط الحضري العريق في مدينة عنابة أن مصطفى القرضناش كان يملك أراض زراعية شاسعة في المنطقة تمتد على رقعة مترامية الأطراف تصل حتى المنطقة المعروفة بـ: "رأس الحمراء"، سابقة الذِّكْر، المرتبطة ارتباطا وثيقا بتاريخ الجاليات الأندلسية المُهاجِرة إلى أرض العنَّاب.

 

وتَذْكُرُ المصادر التاريخية أن هذا الموريسكي غرس لوحده "30 ألف شجرة زيتون" في هذه المنطقة، ولعب دورا حاسما في ازدهار غَرْس الأشجار المُثمرة بها والتي يُجهَل عددها لكثرتها.

 

ويُقال أيضا إن جزءا كبيرا من أشجار الزيتون التي كان يملكها القرضناش حَبَسها وَقْفًا على جامع سيدي أبي مروان الشريف البوني.

 

القرضناش هو ذاته ذلك السياسي والدبلوماسي الذي عَرَفَتْهُ تونس في النصف الأول من القرن 17م باسم "الغْرُومْبَالِي" أو "القَرَمبالي" وحتى بلقب "شيخ الأسرة الأندلسية"، أيْ رئيس أهل الأندلس المحليِين، وهي المسؤولية التي تَولاَّها طيلة إقامته في هذا البلد التي دامت من 1618م إلى 1654م عندما كان من أقرب المقربين إلى باي تونس. وقد عُرف هناك بـ: "الغرومبالي" نسبةً إلى بلدة غْرُومْبَالْيَا الأندلسية التي أَسَّسّهَا في تلك الناحية والتي يسميها الفرنسيون في وثائقهم "لاَ كُولُومْبِيرْ" (La Colombaire). 
"زعيم الأندلسيين مصطفى كارديناص"، كما يوصَف في Les Cahiers de Tunisie (كراريس تونس)، "يظهر في 38 وثيقة" من الأرشيف تشهد أنه لم يكن رجلا عاديا ولا أندلسيا من عامَّة الناس بل تعكس أهميته كشخصية اقتصادية وسياسية إقليمية بارزة في عهده في تونس ثم في عنابة في الجزائر.

 

 

كان القرضناش "دولة" مُجَسَّدة في شخص واحد بفضل كفاءاته المتعددة، فقد كان خبيرا زراعيا ورجلَ أعمال وتاجرا ومُقاولا وإداريا مُحنَّكًا وسياسيًا ودبلوماسيًا يُتقِن التفاوض والأخذَ والعطاء مثلما يُتقن انتقاءَ البذور واستصلاح الأراضي والاعتناء بالأشجار، وأيضا مداعبة أوتار الرَّبابة والعِيدان... 
وقد سَجلت وثائق الأرشيف في المنطقة المغاربية والمتوسطية مآثره وحيويته الاستثنائية حيث نَلْتَقِيه متنقلا في مختلف مدن وموانئ ضفتيْ البحر المتوسط في مهام اقتصادية ودبلوماسية وإنسانية لفدية الأسرى. 
في العام 1645م، "نصادف مصطفى القرضناش يشتري رَجُلاً من البندقية من أجل مبادلته بِمُسْلمٍ مثله هو سيدي رجب الأندلسي الذي كان عبدًا جدَّافا على ظهر السفن الليفورنية" وقع في الأَسْر، حسب وثيقة مؤرخة بيوم 11 يناير 1645م ذَكَرها الباحث الإسباني البْروفيسور ميكيل إيبالثا، وذلك قبل نحو تسعة أعوام من انقلاب قصر باي تونس على القرضناش وهروب هذا الموريسكي نهائيا إلى مدينة عنابة .
 

 

كما نعثر عليه في عاصمة الإمبراطورية العثمانية إسطنبول في بداية خمسينيات القرن 17م قبل حلوله واستقراره الدائم بالجزائر.

وقد علِمنا أيضا من دراسة الإسباني ميكيل إيبالثا حول موريسكيِّي وأندلسيِّي تونس أن من بين أبناء مصطفى القرضناش، تَذكُر الوثائق الدبلوماسية Sidi Cierifo (سِيدِي ثْيِيرِيفُو)، أيْ سيدي شَرِيفُو، بمعنى سيدي الشريف . وقد سجلت وثائق الأرشيف بشكل عام أن مصطفى القرضناش عاش في تونس بين عاميْ 1618م و1654م .

 

ولم تتوقف مواهب هذا الموريسكي اللامع عند المجالات السياسية والدبلوماسية والفلاحية والتجارية فحسب بل كان أيضا فنانا، كما سبق أن أَشَرْنَا، يغنِّي ويعزف على الآلات الموسيقية حيث يُنسَب له الفضل في إنعاش غناء المالوف في منطقة عنابة وتحريك دواليب نهضة موسيقية محلية رَسَّخَتْ أكثر هذا النوع الموسيقي العربي الأندلسي بين سكان هذه الحاضرة الجزائرية الساحلية الشرقية من خلال إنشاء جوق محلي أصبح قدوة يَقتدي بها شبابُ المنطقة طيلة القرن 17م والقرن 18م إلى أن استفادت هذه الديناميكية الجديدة من نَفَسٍ جديد مَنَحَهُ إيَّاها الفنانُ الكبير جاب الله بن ساعد أثناء النصف الثاني من القرن 19م وآل السّناني الذين رعوه إنسانيًا وكوَّنوه فنِّيًا منذ تَبَنِّيه إثْرَ وفاةِ والدِه... 
 
ويُعتقَد أن جُهود مصطفى القرضناش في المجال الموسيقي ساهمتْ في تعبيد الطريق أمام الأجيال الجديدة من المُغنين، بمن فيهم آل السّْناني المعروفين في عَنَّابَة وجاب الله صاحب الأغنية الشهيرة "نجمة"، الذي يُعدُّ أحدَ أجداد حمدي بَنَّانِي الفنَّان المعاصِر المعروف في ميدان موسيقى المالوف، والشقيقان بَلُّوصِيفْ، ومحمد الفَرْجِيوِي، ومحمد بَلْخَمَّارْ، والشيخ محمد الكُرْد وآخرون تنحدر مجموعة منهم من أُسَر أندلسية/موريسكية على غرار الشيخ الكُرد ومحمد الفرجيوي صاحب المقهى الشعبي المعروف في مدينة عنابة خلال النصف الأول من القرن 20م .

 

تُنسب إلى مصطفى القرضناش إلى اليوم عدة أغاني منها أزجال وموشحات معروفة، وإن كان من الصعب التحقق من صحة كونه صاحب هذه الأشعار، نَذْكُرُ منها:

مَانْمُوتْشْ غْرِيبْ فِي أَرْضِ الصُّحَابَة يَا وَرْدَ الشَّـــامْ وَقْرُنْفُلْ عَنَّابَـــة

بالإضافة إلى هذا الزجل الذي يُؤدَّى في عنابة على نوبة (أيْ مَقَام) الحْسين والذي يقول فيه:

 

يَا رَشِيقْ القِـــــوَامْ وَالوَجْـْه الجَمِيلْ
رِيقُكَ يُبْرِي السّقَامْ وَيُشْفِـي العَلِيــلْ
لاَ تُعَذِّبْ مَنْ جَاكْ أَسِيرْ يَا نَجْمْ الإِصْبَاحْ
يَا بَدْرَ التَّمَـــــــــامْ وَالطَّرَفْ الكَحِيلْ
يَا بَنْـدَ السُّلْطـَــــانْ ارْفقْ بِالدَّلِيـــــلْ
جَمَالُــكَ الفَتَّــــــانْ رَاحـَة لِلْعَلِيـــــلْ
طَرَفُكَ النَّعْسَـــــانْ كَالغُصْــنِ يَمِيــلْ
لاَ تُعَذِّبْ مَنْ جَاكْ أَسِيرْ يَا نَجْمْ الإِصْبَاحْ
يَا بَدْرَ التَّمَـــــــامْ وَالطَّرَفْ الكَحِيـلْ

 

 

توفي مصطفى القرضناش خلال النصف الثاني من القرن 17م، ولم يبق من ذِكراه اليوم سوى قصره، أو بالأحرى أطلال قصره، الواقع في رقم 1 شارع دَالِي علِي في الحَيِّ العتيق لمدينة عنّابة، وهو القصر المعرف بتسمية: " السّْرَايَا"، على حدِّ وصفِ حْسَن دَرْدُورْ في ثمانينيات القرن 20م في كتابه عن تاريخ عنَّابة مَسقَط رأسه ، أو "سْرَايَا القرمبالي" كما يقول آخرون.
لكن قد تكون عائلات قرمبالي وكَاشَا وبن الكَاشَخْ، أو بَلّْكَاشَخْ، من ذريته حسب ما يتردد في بعض الأوساط الحضرية العنابية العريقة. 
وقد اشتهر من بين أفراد عائلة بلكاشخ الفقيه عبد الكريم بن الكاشخ خلال العقود الأولى من القرن 20م...".

 

فوزي سعد الله: الشتات الأندلسي في الجزائر والعالم. دار قرطبة. الجزائر 2016م.

شوهد المقال 585 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جابر خليفة جابر ـ ثقوبُ عار – أكاليلُ غار قراءة في " ثقوب عارية " للروائي علي الحديثي

جابر خليفة جابر    يُصنفُ هذا العمل ضمن الروايات القصيرة إذ تتكون من 73 صفحة موزعة على 11 مقطعاً. ويتخذُ الحدث فيها مساراً
image

محمد هناد ـ آخر خرجة : «نداء الوطن» !

د. محمد هناد  بعد واقعة تعديل قانون الجنسية، ها هي السلطة تطالعنا بمسعى جديد لن يأتي لها إلا بمزيد من الجفاء. يتعلق الأمر بإنشاء «تحالف» (مع
image

جباب محمد نورالدين ـ هل يضحكون على الشعب هذه المرة ؟

د. جباب محمد نورالدين  لا أعلم إذا كان، هذه المرة، يضحكون على الشعب مثل بقية المرات، فقد قالوا له سابقا يجب ان تقدم التضحيات
image

العربي فرحاتي ـ نخب انتهازية طور التكون ..في مهمات قذرة...

د. العربي فرحاتي  في غياب دولة الحق والقانون والعدالة والحرية ..من الطبيعي أن يكون لكل مرحلة سياسية استبدادية انتهازيوها كحال نظامنا الجزائري..فكان لمرحلة شعار "من الشعب
image

رضوان بوجمعة ـ العقل السياسي وبناء التحول الديمقراطي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 198 يواصل الجزائريون والجزائريات مسيرتهم السلمية من أجل إخراج الجزائر مما هي فيه، المسيرة بدأت منذ أكثر من عامين، وهدفها الأساسي
image

عادل السرحان ـ البراحة

عادل السرحان                في البراحة شجرة يقطين تزحف الى النهر نخلتان لنا وأخرى لجارنا عضتني أمي بأسنانها الجميلة يوم تغيبت عن المدرسة تحت إحداها وكل البلابل التي
image

مولود مدي ـ الإقتصاد الريعي في خدمة النظام السياسي الجزائري

مولود مدي  من أحد الأدوات الأساسية التي استعملتها السلطة في تشديد السيطرة على المجتمع: احكام القبضة على السوق الوطنية للسلع والمواد الإستهلاكية الأساسية، ومراقبة سوق العمل.ولهذا
image

عادل صياد ـ نخب بين " ثورية ، انتهازية ، جبانة "

عادل صياد   في هذه اللحظات التاريخية المفصلية والحاسمة، التي يصنع ملحمتها الشعبُ الجزائريُّ العظيم منذ اندلاع ثورة 22 فيفري 2019، وما تلاها من أحداث ومحطات، تشكّلت
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats