الرئيسية | الوطن الثقافي | أحمد سعداوي ـ حرقة القلب

أحمد سعداوي ـ حرقة القلب

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

أحمد سعداوي 
 

أول قصّة "للبالغين" ناضجة فنياً كتبتها كانت في مطلع التسعينيات. أما أول قصّة كتبتها في حياتي كلها فكانت في 1981 أو 82 عندما كنت في الصف الثاني الابتدائي.
سنوات طويلة من الكتابة ولكن داخل "مجّرة الكتابة"، حيث الخيال يولّد نفسه من نفسه، ومن أنساق القصص المشابهة التي قرأتها وسمعتها و"شاهدتها" في السينما أو التلفزيون وبرامج الاطفال والرسوم المتحرّكة.
ولكن كل ذلك كان في عالمٍ موازٍ، ليس له صلة بعالمي ومفردات الحياة من حولي.
كان التعبير عن أحداث وشخصيات منتزعة من الخيال أكثر يسراً من انتزاع الأحداث والشخصيات من الواقع، لأنني بالأساس كنت طفلاً، بالأضافة الى أسباب أخرى منها ما له علاقة بسياق الثقافة العام الذي كان يبتعد عن "تصوير الواقع" أو الاشتباك معه، بسبب ضغط السلطة الاستبدادية وخطابها الاحادي.
"حرقة القلب" هو عنوان القصّة التي كانت حدثاً كبيراً بالنسبة لي، فقد انهدم حاجز ما بين عالمين؛ عالم الواقع الفعلي الذي أراه وأعايش تفاصيله، وعالم الخيال الشعري الذي تمرّست على وسائل التعبير عنه طويلاً.
لقد نجحت أخيراً في تحويل التراب والغبار والدخان الأسود الخانق الذي تسفّه حافلات النقل العتيقة ذات الطابقين بعد انطلاقها بركابها من أمام منزلي في قطاع 35 بمدينة الثورة الى شيء شعري.
صارت بين يديّ "ماكنة التقاط الشعر من الواقع" أخيراً: الزهور في ثوب صاحبة الدكّان المصنوع من قماش "البازة" المشابهة لزهور الستارة الطويلة التي تفصل البيت عن الشارع.
الوعل الجبسي ذو القرون المعلّق على جدار صالة بيت الجيران، وكنت أحسبه من سنوات وعلاً حقيقياً حتى تعارك أب الجيران مع أبنائه وكسر بالمنفضة سهواً قرن هذا الوعل فبان بياض الجبس وانهدمت واقعية نظرات الوعل الحزينة.
لم أكن أفكّر بالنشر حينها، كنت فقط أريد أن أرى كلمات قصّتي مطبوعة. ذهبت الى مكتب للطباعة على الآلة الكاتبة في باب المعظم، وظلت الفتاة الطابعية تضرب على المفاتيح راصفة كلماتي بخط مستقيم، ثم تتوقّف بين برهة وأخرى لتعلّق على هذه القصّة التي لم تفهم منها شيئاً. كنت أريد منها أن تقوم بعملها وتصمت، وتعفيني من تعليقاتها "الأبوية"، التي يحفّزها عند هذه البنت صغر سنّي بالمقارنة معها.
اكتملت القصّة في أربع صفحات مطبوعة على الآلة الكاتبة، وبدا لي وأنا أقلب لمئات المرّأت أوراق هذه القصّة بأنها أكملت رحلتها من خيالي مروراً بالواقع وانتهاءً الى هذه الكلمات المرصوفة بصرامة وحدّة وانتظام عمومي مجرّد من السمات الشخصية كما هو الخطّ اليدوي.
ما زلت أحتفظ بالأوراق المطبوعة لهذه القصّة في مكان ما من كراكيبي في بيت العائلة، ولم أنشرها أبداً، فهي اكتملت وأدت مهمتها حين تحوّلت الى كلمات مطبوعة في ذلك النهار، بحال يذكّرني بعنوان رواية غاو إكسينغيان الروائي الفرنسي الصيني حائز نوبل "كتاب مقدّس لرجل واحد". فهي ليست للآخرين، أو كتبت لأغراض أعقد من مجرّد ارسالها للآخرين كي يقرأونها.

الصورة: آرت ديجتال، من أعمالي
 

 

شوهد المقال 232 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عثمان لحياني ـ سندي الأول ..الجيش

عثمان لحياني  في مجمل الحوار تغيب الرؤية ولا يحضر المشروع ، تَحضر النوايا ولاشك لكنها لا تقدم ولا تؤخر في حاضر الأزمة، مخرجات الحوار موجودة في
image

العربي فرحاتي ـ هذا اقذر نفاق سياسي..رأيته

د. العربي فرحاتي  الحراك الشعبي - كما عايشت فعالياته وفهمته في كليته - مسار واضح لم يتغير منذ بدأ..مسار حدد في شعاراته المركزية الوطنية التي باتت
image

رضوان بوجمعة ـ نحو انتخابات عدد مترشحيها أكبر من عدد الناخبين!؟

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 196خرجة مقيم المرادية، أمس، وبعيدا عن مناقشة شكلها ومضمونها، أهم رسالة سياسية فيها للجمهور، كانت القول إن الانتخابات التشريعية ستتم بعد 3
image

الحرية للناشط السلمي محاد قاسمي Free Mohad

الحرية وكل التضامن مع الناشط السلمي المدافع عن خيرات الجزائر محاد قاسمي الذي يرفض اليوم طلب الإفراج المؤقت عنه في ادرار وتلفق له تهم خطيرة
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats