الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله ـ عن وُصول "أهل الحمراء" من غرناطة إلى عَنَّابَة

فوزي سعد الله ـ عن وُصول "أهل الحمراء" من غرناطة إلى عَنَّابَة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

 

"...منذ نحو 5 قرون، يُحكى في الروايات الشعبية في مدينة عنابة، لا سيَّما في الوسط الحَضَري، أن سقوط غرناطة عام 1492م كانت له ارتدادات مباشِرة على أرض العَنَّاب التي سرعان ما شَهدتْ أفواجَ اللاجئين من التنصير الإجباري ومحاكم التفتيش الكاثوليكية تتدفق عليها. 
وما كان أمام بونة أبي مروان عبد الملك الشريف القرطبي/الإشبيلي إلا أن تفتح أحضانَها للوافدين الجدد لتُطعمَهم من جوع وتؤمنهم من الخوف.

 

 

وإذا كانت تفاصيل هذا اللجوء التراجيدي قد ضاعتْ في أغوار الذاكرة الجماعية وزخم الأحداث التي توالت عليها، فإن هذه الأخيرة تحتفظ على الأقل بذكرى مجموعة هامَّة من الفقهاء والعلماء الغرناطيين، عُرِفوا بـ: "أهل الحمراء"، الذين قادتْهُم الأقدار إلى شواطئ عنابة ونزلوا بأرضها ليستقروا بالمنطقة التي تُعرَف إلى اليوم بـ: "راسْ الحمْرا" (أيْ رأس الحمراء)، ربما نسبةً إلى حَوْمَة الحَمراء في عاصمة بني الأحمر: غرناطة. 
وهذا ما يشير إليه الباحث العَنابي في الفقه ومقاصد الشريعة الإسلامية وفي تاريخ المنطقة المغاربية سْليم بُورِيشْ عندما يقول إن "الذّاكرة الشعبيّة تُؤكد أن سفينةً جاءت من الأندلس وبالتحديد من غرناطة، التي تُسمَّى بالحمراء نسبةً إلى حُكَّامها (...) بني الأحمر، كان على متنها علماء وصلحاء يُداوون الناس بالقرآن والسُّنَّة والطِّبّ (الرّقية الشرعية وطبّ الأبدان). وكانت هذه السفينة مُتجهة الى مدينة بَنْزَرْتْ التونسية فسمعوا بانتشار عدوى الطاعون بها، وقد نَفذتْ مؤنتُهم، فنزلوا بعنابة في منطقة "البَحْرِيَّة" والتي أُطلقتْ تَسميتُها عليهم فيما بعد، لأنهم استقروا بها فأصبحوا قِبلة للزائرين والمصابين بالأمراض النفسية والجسدية والعقلية" .

 

 

وبالنسبة لسْليم بورِيش، "...تعود هذه الرحلة إلى سنوات التهجير الإسباني للمسلمين واليهود، أيْ إلى الفترة المُمتدَّة مِن عام 1550م إلى عام 1610م. ولقد جاء ذِكْرُهُم في "الدُّرَّة المَصُونة" لأحمد البُوني بـ: رِجال الله أهل الحَمْرَا يسهّل الله علينا الأمر بسيدي نُور وموسى المُرْتَضَى وسيدي ريْحان ألطف بالقضاء..." .
ثم يوضح بورِيش أسماء بعض رجال هذه النخبة الثقافية العلمية القادمة من غرناطة بني الأحمر بالقول إن "...أسماء هؤلاء الرجال هم: سيدي أحمد لَمْقَاطْعِي (أيْ المقاطعي Ndlr)، الشيخ نصر، الشيخ موسى مُرْتَضَى، الشيخ ريْحان، الشيخ لَخْضَر (أيْ الأخضر)، الشيخ مصطفى، الشيخ سليمان..."، مُضيفًا أن "...الرواية الشفوية تَذْكُر أنهم 99 وَلِيًّا من أولياء الله في تلك المنطقة، رَاسْ الحَمْرَا... عِلْمًا أن تسميات "رْجَالْ الحَمْرَا" و"رَاسْ الحَمْرَا" مصدرُها كونهم جاءوا من الحَمْرَاء في غرناطة..." .

 

 

من جهته، يتحدث الباحث الفرنسي بيار سانتوني (Pierre Santoni) في دراسته Le passage des Morisques en Provence (مرور الموريسكيين عبْر إقليم بروفونس)، نقلا عن الكاتب روفي (Rufi) الذي عاش في القرن 17م، عن مئات الغرناطيين الذين أُبعِدوا من إسبانيا، خلال الطرد النهائي الجماعي في بداية القرن 17م، وأَبْحَرُوا من إشبيلية ليأتوا إلى فرنسا، قبل أن ينتهي بهم المطاف في موانئ الضفة الجنوبية من البحر المتوسط التي كان ميناء عنابة أحدها. 
سانتوني كتب مؤكدا أن "خلال العام 1610م ذاته، أرستْ سفينتان فلامنكيتان في جُزر مرسيليا، وكانتا مُحَمَّلتيْن بـ: 1000 غرناطي من النساء والرجال والأطفال كانوا قد أبحروا من إشبيلية بأمرٍ من ملِك إسبانيا الذي طردهم من أقاليمه. إحدى هاتيْن السفينتيْن تعرضتْ لحادث في البحر بعد إنزال ركابها الذين أُسْكِنُوا في غالبيتهم في عيادات قديمة. وبسبب وفاة أعداد منهم يوميا، كان يُخشَى أن يتسبب ذلك في تفشي مرض الطاعون، فتَقرَّرَ إبعادهم. فسُخرتْ بضع سفن لنقلهم إلى بونة وطبرق وإلى موانئ أخرى في برباريا" التي يُقصَد بها شمال إفريقيا. لكننا لا نعرف العدد الدقيق للذين ذهبوا إلى أرض العناب.
 

 

في العام ذاته، 1610م، وتحديدًا "...في يوم 10 يوليو، جرى الحديث عن سرقة وقتل في حق الغرناطيين اللاجئين إلى بونة..." .

ويضيف سانتوني بأن في العام 1612م، الفرنسي "سيبريان آرنو (Cyprien Arnoux) المقيم في مَرْسِيلْيَا قاد مَركبَهُ في شهر مارس/آذار ثم في يونيو/حزيران إلى مدينة بونة وهو مُعبَّأ بالموريسكيين" دون توضيح سانتوني لعددهم...

عنابة بين أيدي مصطفى القَرْضَنَاشْ الأندلسي ورفقائه

نَمتْ أرض العناب وازدهرتْ في جميع المجالات وتوسعتْ بحلول المهاجرين واللاجئين الأندلسيين والموريسكيين إليها بل اكتستْ بصبغة ثقافية أندلسية واضحة المعالم مثلما وَقَعَ للعديد من البَلْدات والحَواضر الجزائرية آنذاك.

 

اليوم، لا أحد يستطيع أن يتجاهل إنجازات الأندلسيِّين في مدينة عنابة منذ عهد سيدي أبي مروان الشريف، على الأقل، ولا المكاسب التي حَقَّقَهَا أحفادُهم الموريسكيون والتي حوَّلت أرض العَنَّاب الصغيرة إلى حاضرة تُنافِس بقية المدن الجزائرية وإلى ثاني ميناء لتصدير الحبوب والمنتوجات الزراعية في البلاد خلال الحقبة العثمانية من تاريخ الجزائر. 
مصطفى القَرْضْنَاشْ (Mustapha Cardenas) الذي يُعرَف في الوثائق القنصلية الفرنسية المحفوظة في الأرشيف بـ: مصطفى كُورْدِينَاصْ، وفي إسبانيا وإيطاليا بـ: آلْكَارْدَانَاشْ، وهو الاسم الذي حَمَلَتْهُ شركاتُه رسميا في وثائق البَلَدَيْن قبل نحو 3 قرون، هذا الرَّجل الثَّري وهو "نَجْل أمير أندلسي مولود في غرناطة"، على حدِّ قول حسن دردور في كتابه حول تاريخ عنابة، كان لوحده "دولةً" متنقلةً تُشَيِّد البلدات وتَبْنِي المؤسسات وتزرع الأملَ والازدهار حيثما حَلَّتْ وتَخْضَرُّ كلُّ أرضٍ تطأها أقدامُه؛ من إسبانيا إلى تونس فمدينة عنابة في شمال شرق الجزائر...".

 

فوزي سعد الله: الشتات الأندلسي في الجزائر والعالم؟ دار قرطبة. الجزائر 2016م.

شوهد المقال 626 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب
image

جباب محمد نور الدين ـ السير في الاتجاه المخالف و المسدود

د. جباب محمد نور الدين  قبل سفري إلى الشرق وإقامتي المؤقتة فيه للدراسة ،كنت قد قرأت عن الاستبداد الشرقي كما وصفه "هيغل" وبعده
image

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو الجزائر إلى إنهاء استخدام العنف ضد المتظاهرين المسالمين

أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن القلق البالغ بشأن تدهور وضع حقوق الإنسان في الجزائر واستمرار وتزايد القمع ضد أعضاء الحراك المنادي
image

عثمان لحياني ـ انتزاع حق التظاهر و أحزاب الحراك في سجون الداخلية

عثمان لحياني  الثورات لا تطلب رخصة، حراك انتزع حق التظاهر انتزاعا، تقر به السلطة الآن بعد أن نجح الحَراك في امتحان العودة الى الشارع.الحراك مثّل مدرسة
image

وليد عبد الحي ـ البابا فرانسيس: هل جئت العراق تطلب نارا ام تشعل البيت نارا

أ.د.وليد عبد الحي التغطية الاعلامية التي حفلت بها زيارة البابا فرانسيس الى العراق اليوم بخاصة من قناة تقدم نفسها على أنها قناة "المقاومة" تكشف
image

نجيب بلحيمر ـ على طريق "استحالة الحكم"

نجيب بلحيمر  الشارع لا يقيم وزنا لما تقوله "نخب" العالم الافتراضي، وحملات الدعاية والتضليل بلا أثر عليه، هذه خلاصة واضحة يمكن أن يراها كل من تابع
image

نوري دريس ـ السلطة الجزائرية واستمرار سياسة الإنكار

د. نوري دريس  للاسبوع الثالث علي التوالي, خرج الالاف من الجزائريين الى شوارع المدن للتعبير عن رفضهم لنمط تسيير الدولة الحالي, والمطالبة بببناء دولة القانون.
image

رضوان بوجمعة ـ استمرار الضغط الشعبي وغياب العقل السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 197 دخل الحراك الشعبي السلمي، اليوم، جمعته الثانية من عامه الثالث، ورغم كل هذا الوقت الذي مر، لايزال الإصرار الشعبي من
image

خديجة الجمعة ـ الرحيل

خديجة الجمعة  احتاج إلى الرحيل عن العالم؛ والغوص بالأعماق . أعماق الروح، لأن لاأفكر بأحد، لأن أحب ذاتي ، لأن أعشق وجودي في الكون. نعم قرأت

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats