الرئيسية | الوطن الثقافي | فضيلة معيرش ـ الأديب طيب صالح طهوري لا تشبه كتاباته أحدا ولا يمكن أن تسند لمن سبق من كتاب وشعراء

فضيلة معيرش ـ الأديب طيب صالح طهوري لا تشبه كتاباته أحدا ولا يمكن أن تسند لمن سبق من كتاب وشعراء

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
فضيلة معيرش
 
 
ولج عالم الكتابة منذ ما يقارب الأربعين سنة ، أديب طوع الحرف فاستقام له جاب بساتين الإبداع فقطف ما لذ له وطاب من شجرها المثمر الوارف، وتدلت له أفنانها المظللة مرّة نجده شاعرا مقتدرا ومرة أخرى قاصا محنكا له الخبرة والأدوات الكافية ليدخل عالم الحكي من أوسع أبواب السرد ،قصصه تختلف عن غيرها من قصص الكتاب وما ألفناه يعانق قضايا مجتمعه الراهنة مستخدما الرمز في معظمها وهو الخبير بعوالم الخيال والتأمل خبير بعمق الرؤى متعمق في تفاصيل البحث عن الاختلاف .
الأديب طيب طهوري لا تشبه كتاباته أحدا ولا يمكن أن تسند لمن سبقها من كتاب وشعراء ، قد يكون تأثر في مرحلة ما ببعضهم . 
لكن حين فاض حبر إبداعه على بياض الورق رسم عوالمه المستقلة الرّاسخة في ذهن من يقرأ له، حرصه على جودة منتجه تتجلى في استخدام تقنيات السّرد وإتقانه لها كاختياره للمفردات وسلامة اللغة وانتقاء المعاني وإمتاعه للقارئ بقوة التخيل للوصول إلى الهدف المراد بلوغه حيث المغزى من قصة النّهر وانتصار الخير و الفضيلة .
نهاية مأساوية للطغاة حيثما حلوا وتواجدوا ... كما يرتسم أمامنا من خلال تتبع مسار القصة أن القاص تحكم بالشّخوص تحكما متناهي في الدّقة ودورهم في تفعيل الحدث ، القّصة في بدايتها تبرز لنا نهرا كسولا بسبب شح المياه به لسنوات طويلة تباغته مياه الأمطار ليدخل في حالة استنفار ضفتيه لم تكن في استعداد للسير والامتداد حيث شاء، نجد على مستوى الأعمال أي الوظائف ..
وبما أن النّصَ يقوم على ثنائية السّند و المتن ، سند النص متجسد في فعل وفاعل – استيقظ النهر يصور لنا– نهر ينتقم لجيرانه- قصة نهر تعودَ الركون للراحةِ وعدم الفاعلية حتى تباغته أمطار طوفانية فيقع في بادئ الأمر في حيرة من أمره فيكون سؤاله عن جهة المطر أي من وجه له هذه الطعنة المباغتة –أو المكيدة التي حيكت له في الخفاء- في حين نسى مهمته الأساسية التي خلق لها وهي الامتداد وتوسيع ضفتيه حتّى يشمل الخير والعطاء الكلّ بدل الجزء .كأنّ الكاتب يشير لشعب خامل ساكن لا حياة فيه لردع مآسيه ، تتفاقم محنه وهو كسول مشلول الأطراف وعندما يأتيه الدافع بعد معاناته ينفجر مخلفا طوفانا ، أما المتن نجد أحداث القصة تضطلع بها شخصيات من الجماد تشكل المجال الأول للدراسة أي النص باعتباره حكاية قوله : " استيقظ النهر ....قال النهر لضفتيه...." 
تكمن أهميّة هذا النص في تقديم الشخصيتين المحوريّتين في القصة " النهر والبيت الخشبي .
المرحلة الأولى أو مرحلة البداية : يصور لنا الكاتب حالة استيقاظ نهر من عدم جريانه وركوده وقد وصفه بالمتعب من شدة كسله وركونه للخمول وعدم التدفق ، لم يكن متعبا من كثرة عطائه و العمل المستمر فالإنسان الذّي يعمل بجهد هو من يتعب عادة سواء بفكره أو بجسده كما هو متعارف عليه منذ بداية الولوج للمتن القصصي يعطي الكاتب لمحة عن المكان – النّهر وما جاوره –الذي تدور فيه الأحداث وكذا يحدد زمن بداية الحكي ب – الليل – باعتبار أن أي قصة تتأطر بعنصرين متلازمين هنا : الزمان و المكان " فإن كان منطق الوقائع يفترض وقوع القصة في صيرورة زمنيّة خطيّة وحيدة الاتجاه فإن الخطاب القصصي غالبا يؤخِر على مدى متفاوت ..." 1 ...".وقد أشار إلى الحدث الطارئ الذّي ستبنى عليه أحداث القصة وهو هطول الأمطار التي طالما سمع 
الناس يتحدثون عنها . وهذا كله لتكامل الأوصاف التي أوردها الكاتب ويكمل متن قصصه.
المرحلة الثانية : تبدأ بحيرة النهر وسؤاله عن جهة مباغتة المطر له يقول الكاتب على لسان النهر : " ....من أي جهة جاءت الأمطار يا ترى؟..من جهة الشمال أم من جهة الجنوب ؟ تساءل... " ..تجيبه الغيوم التي هي من الشخوص الثانوية الجامدة التي تتكلم لتفيده بالجهة التي تغدق عليه من أمطارها " .".وأجابته الغيوم التي كانت كثيفة : من فوقك أيها النهر من فوقك..." .لم يتمكن النهر من سماع الغيوم بسبب عصف الرياح وقوتها وانشغالها بتوزيع السحاب الكثيف الماطر على حقول والمزارع المجاورة 
هكذا هو حال الصادقين لا يمكن سماع صوت الحقيقة لقوة ضجيج الوهم والزيف .
ينمو الحدث ويتطور في مرحلة الوسط تطورا تصاعديا يبرز قدرة الكاتب على التخيل ومدى براعته في رصد وتقريب الإيحاءات التي تحمل الكثير من التأويلات فهو يوظف الرمز ليوحي بالحالة ولا يصرح بها...فمن هو النهر ؟ ومن هي الغيوم ولما أجابته ولما أوحى لنا الكاتب أنّه لم يسمعها؟
من صراع الطبيعة إلى صراع بني البشر مع الطبيعة حيث يلوح بيت خشبي يدل على فقر من فيه .
المرحلة الثالثة مرحلة التنوير: و الصراع الحقيقي يبدأ بإغلاق الكهل لباب البيت الخشبي واستماتته في أحكام غلقه حيث يقبع في الداخل ولداه وزوجته يقول الكاتب : " على الضفة اليمنى كان البيت الخشبي الفقير رجلا كهلا يسد الباب بكتفيه شبه العاريتين حتى لا ينخلع وامرأة بثوب اسود ممزق تحضن طفلين مرتجفين خائفين " .
تتشابك الأحداث حيث قوة التصوير و الوصف حين تركيز الكاتب على كلّ التفاصيل فمن المنطقي أن يدرج الحيوانات الأليفة التي عادة ما تكون جزء مهم يستعين بها الإنسان في معيشته يقول الكاتب : " وكان محيط البيت كلبا ينفض شعره مما علق به من مطر وخم دجاجات تحضن بعضها ".يتكامل الحدث وتنبثق منه محاور مع إشراقه الشمس ليوم جديد 
القاص يجنح للرمز كون هذا الأخير أقدر على التعبير عن المشاعر المبهمة والأحلام الخفية العميقة وترجمة السّر الخفي الكامن في النفس الإنسانية. 
تزداد أحداث القصة ثرية بالوصف الماتع والدقيق الذي يعطي فيه الكاتب الأهمية لكل التفاصيل الصغيرة كحالة الشّجيرات على ضفتي النّهر الدّجاجات وما يلتقطنه من حبّ أي غذاء ، الكلب المرح ...غير أن حالة الحبور والسعادة التي كان ينعم بها الكهل وعائلته لم تدم .
حيث الحدث الأكبر يتزامن وقدوم الطغاة في كل زمان ومكان ...حتى وإن كانوا أصحاب الأرض و المالكين
لها حين استشعروا بالعطاء الوفير الذي سوف توفره الأرض والحقول نتيجة هطول الأمطار وجريان النهر عادوا ليطردوا الكهل ويهدموا الكوخ الذي يقيم فيه وعائلته. لكن سوء العاقبة التي كانت مدبرة لهم من القدر،رحيل الكهل كان مؤشر نجاة وفوز له ولعائلته ،ونهاية مأساوية مباغتة للطغاة على مرّ العصور وعبرة لمن يطغى ويتجبر القاص نجح في جعل الرمز يؤدي الدّلالة كون القصة فيها الكثير من الرمزية " قصة لا تقول الأشياء بصورة مباشرة وواضحة وإنما تشير إليها بإشارات تحتاج إلى التأويل و التفسير من القارئ ، ويلجأ إليها إمّا لإشراك القارئ في القصة بشكل أكثر فعالية أو لخوف الكاتب من التصريح " 2 . " وأخيراً نجد الرمز بطبيعته لا 
يوضح المرموز إليه، بل يترك ذلك لخيال القارئ وتأويله " 3. هكذا ختم القاص الصالح الطيب طهوري نصه ليترك بقية تخيل نهاية القصة للقارئ : " وكان الرجل الكهل يضم إلى صدره طفليه وزوجته الكثير من عشب الحنين...." 

المرجع :
1 - المراجع " صحراوي إبراهيم – تحليل الخطاب الأدبي دراسة تطبيقية دار الآفاق الجزائر ص 29 \ط 1 عام 1999 م .
2 – موقع اللغة العربية –المعلمة سوريا جلايلية.
3 – موقع اللغة العربية –المعلمة سوريا جلايلية
4 – قصة - نهر ينتقم لجيرانه 
ق ق من صفحة الكاتب الطيب طهوري الفيسبوكية 

شوهد المقال 360 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نصرالدين قاسم ـ في الجمعة 107 السلمية تحاصر السلطة

نصرالدين قاسم إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت
image

فوزي سعد الله ـ مصير غاز الجزائريين في المياة الغربية للبحر المتوسط

فوزي سعد الله  عندما تُقرع طبول الحروب لن يفيد صم الآذانجزء هام من مستقبل الجزائريين يُلعب في مياه البحر المتوسط الغربية حول حقول الغاز البحري قرب
image

جباب محمد نور الدين ـ السير في الاتجاه المخالف و المسدود

د. جباب محمد نور الدين  قبل سفري إلى الشرق وإقامتي المؤقتة فيه للدراسة ،كنت قد قرأت عن الاستبداد الشرقي كما وصفه "هيغل" وبعده
image

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو الجزائر إلى إنهاء استخدام العنف ضد المتظاهرين المسالمين

أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن القلق البالغ بشأن تدهور وضع حقوق الإنسان في الجزائر واستمرار وتزايد القمع ضد أعضاء الحراك المنادي
image

عثمان لحياني ـ انتزاع حق التظاهر و أحزاب الحراك في سجون الداخلية

عثمان لحياني  الثورات لا تطلب رخصة، حراك انتزع حق التظاهر انتزاعا، تقر به السلطة الآن بعد أن نجح الحَراك في امتحان العودة الى الشارع.الحراك مثّل مدرسة
image

وليد عبد الحي ـ البابا فرانسيس: هل جئت العراق تطلب نارا ام تشعل البيت نارا

أ.د.وليد عبد الحي التغطية الاعلامية التي حفلت بها زيارة البابا فرانسيس الى العراق اليوم بخاصة من قناة تقدم نفسها على أنها قناة "المقاومة" تكشف
image

نجيب بلحيمر ـ على طريق "استحالة الحكم"

نجيب بلحيمر  الشارع لا يقيم وزنا لما تقوله "نخب" العالم الافتراضي، وحملات الدعاية والتضليل بلا أثر عليه، هذه خلاصة واضحة يمكن أن يراها كل من تابع
image

نوري دريس ـ السلطة الجزائرية واستمرار سياسة الإنكار

د. نوري دريس  للاسبوع الثالث علي التوالي, خرج الالاف من الجزائريين الى شوارع المدن للتعبير عن رفضهم لنمط تسيير الدولة الحالي, والمطالبة بببناء دولة القانون.
image

رضوان بوجمعة ـ استمرار الضغط الشعبي وغياب العقل السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 197 دخل الحراك الشعبي السلمي، اليوم، جمعته الثانية من عامه الثالث، ورغم كل هذا الوقت الذي مر، لايزال الإصرار الشعبي من
image

خديجة الجمعة ـ الرحيل

خديجة الجمعة  احتاج إلى الرحيل عن العالم؛ والغوص بالأعماق . أعماق الروح، لأن لاأفكر بأحد، لأن أحب ذاتي ، لأن أعشق وجودي في الكون. نعم قرأت

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats