الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله ـ عن لِسان الأندلس في مدينة دَلَّسْ...

فوزي سعد الله ـ عن لِسان الأندلس في مدينة دَلَّسْ...

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

 

"...من جهة أخرى، من الناحية الاجتماعية، لا يُمكن أن يفوت الذي زار دلَّس وتَعرَّف على أهلها من قدماء حضَر المدينة وأحوازها ذلك التشابه الكبير والمثير في ذهنيتهم ولسانهم ، من حيث الشَّكل والمضمون، وطقوسهم وعاداتهم مع الجماعات الأندلسية التي عمَّرتْ مُدنا كجيجل والجزائر وشرشال وتلمسان وغيرها رغم البُعد الجغرافي الفاصل بينها وبينهم وضُعف التواصل. ويعود هذا التماثل، برأينا، إلى الجذور الإيبيرية الأندلسية/الموريسكية المُشترَكة ...
في بحثه حول "اللهجة العربية الجزائرية لمدينة دلَّس" (Notes on the algerian arabic dialect of Dellys) الصادر باللغة الإنجليزية في مجلة Estudios de dialectologia norteafricana y andalusi، لاحظ الباحث الجزائري الأمين سُوَّاق، المنحدر من عائلة عريقة في هذه البلدة، أن دَلَّسْ تمكنتْ من المحافظة على جزء من لهجتها العربية المحلية السابقة للوجود الاستعماري الفرنسي في الجزائر الذي بدأ عام 1830م، لا سيَّما في مجال اللّغة الخاصة برجال البحر وصيادي الأسماك، مما يؤهلها، برأينا، لأن تكون مخبرا للباحثين في عِلم اللسانيات والأنثروبولوجيا من أجل الوقوف على مختلف المؤثرات اللِّسانية التي وردتْ على المنطقة عبْر التاريخ وعلى تأثير اللسان الأندلسي/الموريسكي بشكل خاص الذي يبدو أنه عميق البصمات في المشهد اللغوي المحلي إلى جانب التأثير اللساني الأمازيغي . 
 
ولاحظ الباحث الجزائري في علم اللسانيات في معهد الدراسات الشرقية والإفريقية بلندن ثم بالمعهد الوطني للبحوث العلمية في باريس أيضا أن دخول اللغة العربية على دلس تم بشكل "مُستقِلّ"، على حد تعبيره، عن المؤثرات اللسانية للبيئة المحيطة بها ولا علاقة له بالقرى والبلدات المجاورة كغالبية المدن والحواضر المغاربية خلال القرون الوسطى وأن هذه الحاضرة العريقة لم تتبنَّ اللسان العربي قبل نهاية القرن 11م وبداية القرن 12م عندما عادتْ للظهور في المؤلفات التاريخية بصفتها "تَادلسْ" التي تحدث عنها الجغرافيون والرحالة المسلمون آنذاك على غرار الإدريسي حوالي 1154م. وهي الفترة التي ظهرت خلالها الأفواج الأولى الهامَّة للأندلسيين في المنطقة، وعلى رأسها تلك التي أتت مع الأمير معز الدولة بن صمادح حاكِم ألمرية الأندلسية سابق الذِّكْر.
 

 

وعلى كلٍّ، بعد ملاحظاته وتحليله للسان الدَّلسِي الحضري المُحتك مع الناطقين بالأمازيغية الذين يشكلون أقلية في المدينة، يخلص الأمين سواق إلى أن "التأثير الأندلسي قد يكون بدأ خلال هذه الحقبة: في العام 1102م، حيث اقتطع المنصور أرض دلَس لأمير ألمرية السابق معز الدولة بن صمادح".

ويضيف قائلا إن "لهجة دَلَّسْ بشكل عام من النوع "المُتَمَدِّن" (sedentary) تميِّزها قَرابةٌ مُعتبَرة مع اللهجة القديمة لمدينة الجزائر، إذ تُحوِّل حرف القاف (ق) إلى كاف (ك)، وفي السابق حرف التاء (ت) إلى تْسَاء (تْسَ)..." . وهي لهجة تختلف عن لهجات القرى الصغيرة التابعة لمنطقة بني ثور المُحاذية للمدينة والتي تتحدث بلسان أقرب إلى النطق البدوي حيث يَتَحَوَّلُ في كلامها حَرْفُ القاف (ق) إلى حَرْفِ الجِيم المنطوق على طريقة أهل مصر أو مدينة فاس المغربية يضيف الباحث الجزائري.

 

تجدر الإشَارة إلى أن نُطق حرف القاف (ق) كافًا (ك) والتاء (ت) تساءً (تس) هو من خصائص النطق على الطريقة، أو الطُّرُق، الأندلسية، بما فيها الطريقة الغرناطية، وهي موجودة في مختلف الجهات في الجزائر والمغرب التي استوطنها أهل الأندلس وأحفادهم الموريسكيون قبل قرون من جيجل وبجاية وقسنطينة ومدينة الجزائر وشرشال إلى تلمسان وندرومة والغزوات والجْبالة وشفشاون في المغرب...

 

وبالإضافة إلى كل ذلك، يشترك اللسان الحضري في مدينة دلس مع غيره من الألسنة السائدة في المدن المغاربية سابقة الذِّكْر التي عمَّرها الإيبيريون المسلمون في الميل إلى ظاهرة تصغير الأسماء على غرار استخدام اسم "الرّْمِيلَة" بالنسبة لـ: "الرَّملة"، و"مْوَيَّسْ" بالنسبة لـ: "مُوسْ" (المُوسى/السِّكِّين)، و"كْلَيَّبْ" (كلب) و"قْطَيَّطْ" (قط) و"شْوَيَّخْ" (شيخ) و"بْنِيتَة" (بنت) و"مْسِيمَرْ" (مسمار) و"عْوِينَة" (عين) و"صْنِيدَقْ" (صندوق) و"شْوِيبَّة" (شابة) و"حْوِينْتَة" (حانوت)، وأيضا "مْخِيتَرْ" بالنسبة لـ: "مُخْتارْ" والذي قد يكون تقليدا قديما لم يندثر من المشهد اللساني في دلس في حين اختفى ولا وجود له في مدينة الجزائر أو قسنطينة أو جيجل أوعنابة أو ندرومة أو شرشال...".

فوزي سعد الله: الشتات الأندلسي في الجزائر والعالم؟ دار قرطبة. الجزائر 2016م.

شوهد المقال 139 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك لا تختصره في زاويتك المفضلة لكي لا تصدر عليه حكما

 د. عبد الجليل بن سليم  الامبراطور الروماني Marcus Aurelius لم يكن فقط رجل سياسة بل كان أحد أعمدة الفلسفلة الرواقية التي كان يستعملها في
image

محمد هناد ـ مواصلة النظام الجزائري استغباء الشعب ..يوم الأخوة بين الشعب والجيش ؟؟

 د. محمد هناد   1. الرئيس عبد المجيد تبون يقرِّر «تخليد الذكرى الأولى لحراك 22 فبراير» ! 2. الرئيس عبد المجيد تبون «يعلن يوم 22 فبراير يوما وطنيا
image

زهور شنوف ـ عام الصوت المرفوع.. "قولولهم" 22 فبراير ثورة شعب

زهور شنوف  خلال عام الثورة هزم الجزائريون الغلق وتحدوا الاعلام المؤدلج.. قاموا بثورتهم الاتصالية بشكل عبقري وفعالية وابداع كبيرين.. رفعوا شعاراتهم ودافعوا عن خياراتهم..
image

أمينة بومعراف ـ واش صار ليوم الثلاثاء 52 بالجزائر العاصمة ؟

أمينة بومعراف  الثلاثاء مسيرة الطلبة انطلقنا من ساحة الشهداء كيما مالفين، كان غاشي عيطنا مطالب مختلفة كيما مالفين كلش جايز أنتيك، حتى لحقنا la
image

عادل السرحان ـ وهناكَ أنتِ

عادل السرحان                  وهناكَ أنتِ وقد أويتِ لتربةٍ  عنيبعيدةالله شاء وقد قضىأن ترقدي بثرىًوحيدة وتنازعين الموت وحدك بينما تبكيك بعداًويح نفسي كل ذرّاتي الشريدةأوّاهُ كيفَ تبعثرت تلكَ السنين وأبحرت في موجة الزمنالعتيدةوكيف
image

العياشي عنصر ـ في كتاب علم الاجتماع الأنثروبولوجي

 د. العياشي عنصر  علم الاجتماع الأنثروبولوجي تحت إشراف؛ عادل فوزيتعريب وتحرير؛ العياشي عنصر إصدار مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية - وهران، 2001  تـوطئـــة لعل إحدى السمات الثابتة والمميزة للساحة
image

حمزة حداد ـ الجمهورية لا تحتاج إلى وسطاء !

حمزة حداد   إذا كان الدعاء هو الواسطة بين العبد وربه فان الحق في حرية الاختيار هو الواسطة الحقيقة والوحيدة بين المواطن ومؤسسات الجمهورية. بها يزكي
image

عثمان لحياني ـ رسالة الى متملق (سقاية لكل من دافع عن نظام الخراب)

عثمان لحياني              تُنسى كأنك لم تكنتنسى كأنك لحظة مرت..ونافذة لريحتُنسى كتفاح عَفِنْ  كنا نرتب قش عش حمامةفي الصيف.. ونحفر مجرى ماءوكنت تسرق من وطن  لا وجه لكالا ملامح
image

وليد عبد الحي ـ مستقبل الصراع العربي الصهيوني : 2028

 أ.د. وليد عبد الحي  هل يمكن النظر لصراع تاريخي وشمولي من خلال " اللحظة؟ ام لا بد من تتبع المسار التاريخي وتحقيبه للاستدلال على المنطق
image

بن ساعد نصر الدين ـ شيزوفرينا الشرطة

بن ساعد نصر الدين  شيزوفرينا الشرطة او انفصام الانسان بين حياته العادية و حياته العملية داخل المسالك الأمنية !!_ لا زال السؤال الاخلاقي يضرب عقل كل

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats