الرئيسية | الوطن الثقافي | أبومدين شعيب ... والأخضر بن خلوف تشريــح العلاقـــــة من خلال قصيدة الأمانة ...( الجزء الأول )

أبومدين شعيب ... والأخضر بن خلوف تشريــح العلاقـــــة من خلال قصيدة الأمانة ...( الجزء الأول )

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image ضريح لخضر بن خلوف

  التحرير = دراسة هامة جدا وصلتنا من الباحث الأكاديمي فرعون حمو من جامعة تلمسان ، فهي تجمع بين عمق التحليل الأدبي ودقة البحث الأنثروبولوجي وومتعة الدرس الصوفي ، إنها دراسة متكاملة من كل الجوانب ، ولكن أهميتها الكبرى تكمن في حداثة الطرح وبرؤية جديدة تستحق من المهتمين المتابعة والإثراء ... نشكر جزيلا الباحث الأكاديمي فرعون حمو الذي تكرم على الصحيفة بهذه الدراسة الجادة والتي اضطررنا لنشرها على جزئين (02) متزامنين ، وذلك لأسباب تقنية حالت دون نشرها في جزء واحد ...

بقلم: فرعون حمو
باحث في الأنتروبولوجيا الدينية
جامعة تلمسان الجزائر

توطــــئة :
ــ إذا كانت علاقة الشيخ أبي مدين شعيب بمن بعده وبمن قبله من الشيوخ والأولياء قد فككت ونوقشت،وطرحت على مشرحة التحليل والبحث 1،فان علاقة أبي مدين شعيب بالصوفي والشاعر الجزائري الشعبي الكبير الأخضر بن خلوف لم تطرح ولم تشرح ولم يسلط عليها الأضواء بما فيه الكفاية،لكونها-ربما-علاقة روحية صرفة تتجاوز أحداث التاريخ المادية.وثقافة التأريخ التاريخي لدي مؤرخينا تشكو من الاختزالية والانتقائية وافتقاد النسقية والرؤية الكلية،فهي تتركز وتتمركز في أكثرها حول التاريخ السياسي والعسكري والأدبي للذوات وللشخصيات الكبيرة،متجاهلة تاريخهم الروحي.لاسيما إذا كانت هذه الشخصيات تنتمي إلى طائفة الأولياء والمتصوفة.
وعالم الأولياء كما يصفه عنه الدكتور عبد الرحمن بدوي هو عالم خاص قائم برأسه،إما أن يأخذ كله أو يطرح كله،هو عالم رمزي خالص،ابتدعته هذه الأرواح النبيلة العالية ليخلقوا للإنسان معاني جديدة على الأرض2. كما أن زمان هؤلاء هو غير الزمن الطبيعي العادي الخطي الذي يعيشه عوام الناس،بل إن الزمن عند أكابر محققي الصوفية "هو أمر متوهم لا حقيقة له" وفق تنظير شيخ الصوفية الأكبر محي الدين ابن عربي3 .
ــ   استثمار الذاكرة الشفوية الشعبية ... رهان استراتيجي:
سجلات الذاكرة الشعبية الشفوية دائما،متخمة بالرمزيات والسرديات وبالحقائق التاريخية أيضا، بحسب تأكيدات الأبحاث السوسيو-أنتروبولوجية المعاصرة 4،فهي منجم ضخم يمكن توظيفه معرفيا واستراتجيا.فليست الماديات وحدها هي التي تحرك التاريخ وتصنع الحضارات،فللتراث الثقافي الشفوي اللامادي وللمخيال الديني،وللميتولوجيات والماورائيات كلمتها ومفعولها في صنع الأمن وخلق التعايش السلمي بين بني الإنسان إذا أحسن توظيفها وتوجيهها واستثمارها.
ولا شك أن الأخضر بن خلوف وأبي مدين شعيب يشكلان شخصيتان رمزيتان ملحميتان بطوليتان،تلامسان تخوم الأساطير في القصص الشعبية المغاربية وفي المخيال الديني والذاكرة الجماعية الجزائرية.
كان من الضروري أن يتوقف عندها الباحثون في التراث،لرصد واستنطاق العلاقة بين هاتين الشخصيتين الكبيرتين،ولتشريح الروابط واستكشاف العلاقات المتوراية بينهما.
وبالرغم من وجود عوائق ايبستمولوجية معتبرة أثناء الحفر في تراث الرجلين،إلا انه يمكن- في تصوري-  تجاوزها،فمثلا قد يتشكك بعضهم في صحة نسبة قصائد الأخضر بن خلوف إليه،وكذا قد يستشكل أحدهم غياب المصادر التاريخية المكتوبة الموثقة عن الرجل وأعماله...لكن يكفي في التخفيف من حمل هذه الدعوى،الذهاب في التحليل والاستدلال على طريقة علماء الحديث في إقرارهم لقاعدتهم الذهبية أن التواتر يفيد القطع،فتواتر وانتشار قصائد الأخضر بن خلوف عند سكان شمال إفريقيا وفي مناطق مختلفة من الجزائر،وتغني الأطفال والعجائز والمنشدين والمطربين بقصائده،يؤشر على قطعية وصحة نسبة هذه القصائد إليه وتواترها عنه. والتواتر اصطلاحا هو نقل الجماعة عن الجماعة الذين يستحيل تواطئهم على الكذب. فشكلت هذه القصائد الشفوية المنقولة ألينا جيلا بعد جيل وبأمانة فائقة إجماعا اجتماعيا حقيقيا،والإجماع حجة عند علماء الأصول والشريعة.
ــ   أبومدين شعيب والأخضر بن خلوف في الزمن التاريخي وفي الزمن الصوفي:
الزمن التاريخي يفصل بين الشخصيتين بحوالي أربعة قرون،لأن الشيخ أبا مدين شعيب مات في أواخر القرن الخامس الهجري في عام 589هـ فهو" درج سنة تسع و ثمانين و خمسمائة " حسب توثيق الشيخ الأكبر في الفتوحات المكية 5،والأخضر بن خلوف فقد ولد في أواخر القرن الثامن الهجري وتوفي في أوائل القرن العاشر للهجرة.
وأما الزمن الصوفي فهو غير الزمن التاريخي الخطي،الزمن الصوفي هو زمن برزخي،روحي، متعال،دائري،متموج،ومتحرر من قيود حركة الأفلاك،ويقع خارج حدود المكان والزمان. وفيه يجوز الالتقاء والتلاقي بين أشخاص قد عاشوا في أزمنة وأمكنة مختلفة.
داخل الزمن الصوفي ليس مستحيلا أن يلتقي رجلان قد عاشا في فترة زمنيتين تاريخيين متابعديتن للاستفادة والإفادة من بعضهما في علاقة برزخية حقيقة شبيهة بلقاء النبي محمد عليه السلام بمن قلبه من الأنبياء من خلال ظاهرة الإسراء والمعراج التي يجعلها الصوفية نموذجا تربويا سلوكيا لابد أن يسير فيه ويتحقق منها كل صوفي في معراجه نحو الله، كما لابد له من استصحاب شيخ عارف محقق في هذه الرحلة الروحية كجبريل بالنسبة للنبي محمد عليه السلام. إن الزمان عند الصوفية هو كالمكان،يمكن أن يسافر فيه الولي الصوفي في أي اتجاه شاء... إلى الإمام أو إلى الوراء ويمكن أن يحضر فيه ويغيب،وفي استطاعته الصوفي المحقق- وبتأييد الله له- في اختراق حواجب الغيب الثلاث :الماضي والحاضر والمستقبل،ويسافر فيها بلا تعب أو نصب. وتمثل العلاقة بين هذيين الوليين الصالحيين لخضر بن خلوف وأبو مدن شعيب مصداقا لهذا الطرح ونموذجا نوعيا للدراسة والتأمل.
ـــ   أبومدين شعيب والأخضر بن خلوف... بطاقة تعريف مختصرة
أولا الخلوفي: هو لكحل بن عبد الله بن خلوف،وأمه كلة بنت سيدي يعقوب الشريف.وفي تسميته  لكحل،روايات من بينها،تبركا باسم الولي الصالح سيدي محمد لكحل ورؤيته الحزام الأخضر المرصع بقطع ذهبية،والرواية الأخرى التي تقول انه كان وحيد أمه التي سمته لخضر،وخشية العين الحاسدة سمته لكحل،وكان سيدي لخضر في قصائده يذكر تارة اسم لخضر وتارة أخرى اسم لكحل وتارة أخرى اسم الخلوفي نسبة إلى قبيلته أولاد خلوف والى جده الخلوف.يقول في إحدى قصائده
الأخضر ولد الخلوف المكنى لكحل *** والكنية ما هي حرام سماني جدي.
ليست لدينا معلومات دقيقة عن تاريخ ميلاده،لكن ما جاء في قصيدة الوصية المعروفة عند رواة قصائده بالوفاة،ما يقربنا من تاريخ مولده حيث يقول رحمه الله فيها:
من القرن الثامن عديت سنين أوزايع*** والأيام هاملة والجالب مجلوب
بفضل النبي تميت القرن التاسع    *** والفلك ينثنى والحاسب محسوب.
والتي نستخلص منها أن سيدي لخضر بن خلوف ولد في أواخر القرن الثامن هجري،في حدود سنة 899 هـ الموافق لـ 1479م،وتوفي في سنة 1024هـ الموافق لسنة1585م،ويكون قد استوفى القرن التاسع كله ليتوفاه الله في أوائل القرن العاشر هجري بعدما عمر طويلا (حوالي 125 سنة و نصف السنة ويحدد لنا بالضبط  أيضا في قصيدته تلك،عمره فيقول :
جوزت مائة و خمسة وعشرين سنة حساب *** و زدت من ورا سني ست شهور
تزوج لخضر بن خلوف امرأة تدعي"غنو" وهي ابنة الولي الصالح سيدي عفيف شقيق سيدي يعقوب الشريف المدفون بغرب مدينة سيدي علي ولاية مستغانم بالجزائر. وقد رزق منها ببنت اسمها حفصة،وأربعة ذكور هم (احمد، محمد،أبا القاسم، الحبيب) وهي كلها أسماء النبي عليه الصلاة والسلام. وتسمية أبناء سيدي لخضر كلهم بأسماء النبي عليه السلام فيه إشارة رمزية كبرى إلى أن النبي محمد عليه السلام كان موضوع حبه كله،وهو الأمر الذي تترجمه قصائده كلها أيضا 6.
فالأخضر بن خلوف صوفي وشاعر شعبي كبير،موضوع شعره كله كان يتمحور حول حب النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم،ولذلك لقب الخلوفي بـ"مداح النبي".و كتب الخلوفي قصائدا لا تحصى عددا يقول في إحداها التي مطلعها"يا رسول الله الأمجد غيث شاعرك الخلوفي لكحل يطالب السماح "7 :-
شحال عندي من كنوز من قصائدك*** ألف حجرة مغبورة يا ضيا للماح
    في كل خزنة تعظيم اسمك  ***     بالصلاة والسلام عليك ولفتاح.
وكان أيضا الأخضر بن خلوف مجاهدا كبيرا شارك في كثير من المعارك ضد احتلال الأسبان للقطر الجزائري ومعركة مزغران أكبر شاهد له على ذلك،فقد شارك فيها بقوة وبسالة،ضد هجوم "الكونت  دالكوت"حاكم مدينة وهران على مدينة  مستغانم عام 1548م وسنة 1557م  أين إنهزم  فيها الجيش الإسباني وقتل الكونت برفقة إبنه، وأرخ  الخلوفي هو بنفسه لهذه المعركة في قصيدة مفصلة خصصها لهذا الغرض مطالعها : "يا فارس من ثم جيت اليوم***عيد أخبار الصح معلومة.يا عجلان ريض الملــــجوم ***رأيت جنود الشوم ملمومة .يا سايلني عن طراد الـــروم *** قصة مزغران معلومة....." وهذه المعركة كتب عنها المؤرخ بول روف Paul Ruff كتابه "الاحتلال الاسباني لوهران في عهد الكونت  دالكوت". 8
ثانيا أبو مدين شعيب:
ممن ترجم لحياة أبي مدين وسيرته المؤرخ أبي العباس السبتي التادلي المشهور بأبي الزيات المتوفى سنة617هـ/1220م في كتابه" التشوف إلى رجال التصوف"،والمؤرخ أبي العبَاس أحمد الغبريني الجزائري المتوفى714هـ/1314م في كتابه "عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية"،والمؤرخ ابن قنفذ القسنطيني الشهير بابن الخطيب المتوفى سنة810هـ/1407م. في كتابه "أنس الفقير وعز الحقير"،وكذا المؤرخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد الملقب بابن مريم الشريف الميلتى المديونى التلمساني في كتابه "البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان"واجمعوا كلهم على جلالة قدر أبي مدين وأنه يعتبر من "محي الطريق في النصف الثاني من القرن السادس،ولد في أوائل ذلك القرن بنواحي اشبيلية وطلب العلم بفاس فقرأ سنن الترمذي على أبي الحسن علي بن غالب(ت568هـ)،وصحب الصوفي أبا عبد الله الدقاق والفقيه الصوفي ابن حرزهم(ت559هـ)،الذي عرفه بكتب الغزالي خصوصا إحياء علوم الدين،ثم أخذ الطريق عن الولي الشهير الشيخ أبي يعزى (ت572هـ) وسافر للحج حيث التقى بالشيخ عبد القادر الجيلاني (ت561هـ)،فألبسه الخرقة ولقنه الاسم الأعظم وأكمل سلوكه،ولما رجع من المشرق استقر ببجاية فاقبل عليه المريدون من كل فج ،ثم استدعاه السلطان الموحدي أبو يوسف يعقوب المنصور إلى مراكش،فمات وهو متوجه إليها بضاحية تلمسان بالعباد وقبره بها مشهور،وربى عددا كبيرا من الرجال،وخلف عشرات من الشيوخ الذين واصلوا مسيرته في الطريق شرقا وغربا""9 ،ويؤكد ابن قنفد بأنه " يقال انه خرج على يديه ألف تلميذ وظهرت لكل واحد منهم الكرامة والبركة لذلك يقال شيخ مشايخ الإسلام وإمام العباد والزهاد "  10.
وشارك أبا مدين شعيب في الجهاد ضد الصليبيين في معركة حطين في يوم السبت 25 ربيع الثاني 583 هـ الموافق 4 جويلية 1187 م،"وقطعت ذراع الولي الصوفي أثناء خوضه معركة حطين المشهورة سنة 1187،أين دفنت كشهادة على سقاية الأراضي المقدسة بدماء جزائرية، مكافأة له على تضحيته. وعرفانا منه ببسالته،أوقف السلطان الأيوبي حارة للمغاربة بالقدس الشريف، تولت إدارتها عائلات من أصل جزائري إلى أن اختفت معالمها حين قام اليهود الصهاينة بتوسيع ما يعرف بحائط المبكى إثر سقوط القدس الشرقية،إذ قامت آلة التدمير الإسرائيلية صبيحة11 يونيو1967 م بمحو تسعة قرون من الحضور التاريخي الجزائري بهدمها" كما يقول الباحث د. زعيم خنشلاوي .11
ــ  أبومدين شعيب والأخضر بن خلوف  داخل مدرسة التصوف
الشائع في المخيال الدعوي الحركي الإسلامي أن التصوف والصوفية خارجون عن السنة ومتلبسون بالبدعة.لكن مراجعة أراء المختصين وأكابر المحققين من علماء الشرع والتاريخ يثبت عكس هذه الدعوى،فهذا ابن تيمية الحراني-الذي يقدمه أتباعه ومريديه إلى الناس على انه عدو الصوفية الأكبر- يقول في مجموع فتاويه" وأما جمهور الأمة وأهل الحديث والفقه والتصوف فعلى ما جاءت به الرسل وما جاء عنهم من الكتب والإثارة من العلم وهم المتبعون للرسالة إتباعا محضا لم يشوبوه بما يخالفه " 12 ،بل يشهد ابن تيمية  شهادة واضحة على أن شيوخ الصوفية الكبار أمثال سيدي أبي مدين شعيب وغيره " أنهمْ مشائخ الإسلام وأئمة الهدى الَّذيْن جعلَ اللّهُ تعالَى لهم لسْان صدق في الأمةِ،مثْلَ سعْيد بنُ المسيبِ،والحسْن البصريِّ،وعمرْ بنُ عبد العزيز،ومالْك بنُ أنسْ،والأوزاعي،وإبراهيْم بنْ أدهم،وسفْيان الثوري، والفضيّل بنُ عياض،ومعروف  الكرّخْي،والشافعي،وأبي سليْمان،وأحمد بنَ حنبل، وبشرُ الحافي،وعبد اللّهِ بنُ المبارك،وشقيّق البلّخِي،ومن لا يحصَّى كثرة.إلى مثْلَ المتأخرينَ: مثْلَ الجنيد بن محمد القواريري،وسهَلْ بنُ عبد اللّهِ التسْتري،وعمرُ بنُ عثمان المكي،ومن بعدهم ـ إلى أبي طالبَ المكي إلى مثْل الشيْخ عبد القادرِ الكيلاني،والشّيْخ عدّي،والشيْخ أبي البيْان،والشيخ أبــــي مدين اهـ 13، فابن تيمية يجعل الشيخ أبا مدين شعيب في مصاف أئمة الإسلام الكبار أمثال سعيد ابن المسيب والحسن البصري والشافعي وغيرهم،وهذا هوالعلامة ابن خلدون يقول عن المتصوفة وعن التصوف انه:- (من العلوم الشرعية الحادثة في الملة،وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومَن بعدَهم طريقةَ الحق والهداية،وأصلُها العكوفُ على العبادة والانقطاع إِلى الله تعالى،والإِعراضُ عن زخرف الدنيا وزينتها،والزهدُ فيما يُقبِل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه،والانفرادُ عن الخلق في الخلوة للعبادة. وكان ذلك عامّاً في الصحابة والسلف، فلمَّا فشا الإِقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده،وجنح الناس إِلى مخالطة الدنيا،اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية" 14.بل يجــزم العلامة ابن خلدون بأنه لا شك ولا ريب عند أي مسلم يدين بالإسلام دينا في أن الحق والحقيقة كلها في سلوك طريق التصوف وأن الهدى والاهتداء كله في إتباع طريق الصوفية يقول" فلا يختلج في نفس مسلم عقل أبويه يدينان الدين(الإسلامي) إلى أن الحق في طريقهم والهدى في إتباعهم " 15.فالتصوف إذن يقع في عمق أعماق الإسلام،والمتصوفة أمثال أبي مدين شعيب وأمثال الأخضر بن خلوف هم من ورثة هذا العلم ومن شيوخه.
ـــ   التصوف مدرسة تربوية إسلامية توجب اتخاذ شيخ مربي
ويستند الصوفية في استدلالهم على وجوب اتخاذ شيوخ للتربية وللتزكية وللترقية على قول الله تعالى في القرآن الكريم"الرحمن فاسأل به خبيراً "16. فالدخول إلى حضرة الله الرحمن يجب أن يمر عبر رجل عالم خبير بمعرفة الله تعالى وتوحيده،وعلى قوله تعالى"وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا "17.والشاهد عندهم أن الله يأمر نبيه صلى الله عليه واله وسلم بصحبة الذين يقصدون وجه الله ويسعون إلى رضاه،وفي هذا إرشاد بوجوب صحبة من هذا وصفه.كما يقول ابن عاشر الأندلسي في متن نظمه مبينا واجبات المريد الصوفي"يصحبُ شيخاً عارفَ المسالكْ***يَقيهِ في طريقِهِ المَهَالِكْ.يُذَكِّـــــرُهُ الله إذا رآهُ***ويـــــــوصلُ العـــــــبدَ إلى مولاهُ. يُحاسبُ النفسَ على الأنفاسِ***ويَزِنُ الخــاطرَ بالقِسْطَاسِ.

"ويجعل الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي في فتوحاته المكية من صفات هذا الخبير الذي يجب أن يسال عن الله الرحمان انه ينبغي أن يكون قلبه عرشا للقرآن الكريم من حيث استيعابه وفهمه فيقول" فاسأل به خبيرا أي فالمسئول الذي هو بهذه الصفة من الخبرة يعلم الاستواء كما يعلمه العرش الذي استوى عليه الرحمن لأن قلبه كان عرشا لاستواء القرآن"18. وعن ضرورة التمسك بالشيخ المربي العارف يقول ابن القيم الجوزية" وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله تعالى،وإتباع السنة،وأمرُه غير مفروط عليه،بل هو حازم في أمره، فليستمسك بغَرْزه" 19. ويقول الإمام القشيري" ويجب على المريد أن يتأدب بشيخٍ فأن لم يكن له أستاذ لا يفلح أبداً وهكذا أبو يزيد يقول: من لم يكن له أستاذ فإمامه الشيطان،وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: الشجرة إذا نبتت بنفسها ومن غير غارس فإنها تورق لكن لا تثمر،كذلك المريد إذا لم يكن له أستاذ يأخذ منه طريقته نَفَساً فنَفَساً فهو عابد هواه لا يجد نفاذاً" "20.ويقول الفقيه الحافظ بن حجر الهيتمي المكي "والحاصل أن الأوْلى بالسالك قبل الوصول إلى هذه المعارف أن يكون مديماً لما يأمره به أستاذه الجامع لطرفي الشريعة والحقيقة،فإنه هو الطبيب الأعظم،فبمقتضى معارفه الذوقية وحكمه الربانية،يُعطي كل بدن ونَفْسٍ ما يراه هو اللائق بشفائها والمصلح لغذائها" 21.
لذلك جعل الصوفية وجود الشيخ واتخاذه هاد ودال على الله من أهم قواعدهم في الطريق إلى الله وفي التسليك والتربية.ولذلك انبرى كل صوفي للبحث عن شيخ كامل وارث محمدي لكي يدخله إلى حضرة ربه.وهذا ما حدث بالفعل مع سيدي لخضر بن خلوف الذي انتظر أكثر من خمسين عاما وهو يبحث عن هذا القطب الشيخ المربي،والذي وجده أخيرا في مدينة تلمسان وفي شخص أبي مدين شعيب.

 تابعوا الجزء الثاني من الدراسة على الرابط : http://www.elwatandz.com/culture/2701.html

شوهد المقال 4251 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الباقي صلاي ـ لمن يشكو المواطن ظلم الوالي!

  عبد الباقي صلاي  عندما كثر الحديث عن منصب وسيط الجمهورية الذي بدأت ملامحه تتضح أكثر فأكثر على الساحة الوطنية خلال الأيام الأخيرة،وغضا
image

علي سيف الرعيني ـ مدينة تعز روحانية الزمان

علي سيف الرعيني  عندما يشنف اذاننا صوت ايوبترتعش المراياوتنبض الاماكن وجدا وشجواً يجرحك أيوب بصوته الطافح بالحزن كما تجرحكَ أوراق الذرة اليانعة ويرويك بظمأه حين يسافر
image

وجيدة حافي ـ أُوكسجين يا مُحسنين

 وجيدة حافي   في الآونة الأخيرة ومع إنتشار مرض الكُورونا أصبح الوضع لا يُحتمل في بلدنا، مُستشفيات مُمتلئة بالمرضى وآهاتهم، ضغط كبير تسبب في ضُعف الخدمات الطبية،
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats