الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله ـ فن "الحوفي"...من بساتين وديار تلمسان إلى قاعات العروض الموسيقية

فوزي سعد الله ـ فن "الحوفي"...من بساتين وديار تلمسان إلى قاعات العروض الموسيقية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

 

"...الحوفي صيغة تعبيرية شعرية شفوية شعبية من نَظْمِ النساء في تلمسان العتيقة، ظهر خلال القرون الأربعة أو الخمسة الأخيرة قبل أن ينتقل نسبيا إلى مدينتي البليدة ومليانة لأسباب تاريخية تعود إلى عهد امتداد نفوذ الدولة الزيّانية، التي كانت عاصمتها تلمسان، إلى سهل المتيجة...
الحوفي تنظمه النساء عادة بارتجال على ضفاف الوديان أو حول السواقي أو آبار الماء أثناء غسل النسوة للأغراض العائلية أو في الحقول والبساتين وحتى في البيوت خلال السهرات العائلية والمناسبات الدينية والأعياد الاجتماعية بما فيها تلك التي تعود إلى بقايا التقاليد الوثنية السابقة لظهور الإسلام في المنطقة كالاحتفال بـ: "يَنَّايَرْ" و"النَّفْقَة"1. ويُعبِّر هذا الفن النّسوي عن الأفراح والأحزان والأحلام والخيبات عبْر مجموعة صغيرة من الأبيات الشعرية الخفيفة التي لا تُذكَرُ أبدا صاحبتُها عَكْسَ ما كان يجري في بقية الأنواع الشعبية التي تتضمن في آخر أبياتها توقيعًا يُعرِّف بالشّاعر. مواضيع الحوفي هي الشَّوقُ والحنين إلى الدِّيَار والأهل والأحباب، القضاء والقدر، جمال الطبيعة، سِحْرُ النرجس والياسمين، الأمل واليأس، الحبُّ والعُشْقُ والوِصال، الشعور بالذنب، وكل ما تخفق له قلوب الفتيات وما جادت به قريحة النساء وخيالهن الشِّعري مثلما تعكس ذلك "سَاقِيَةْ بَابْ الجِيَادْ" و"لالّة سِتِّي"...

 

https://www.youtube.com/watch?v=vJIhEPhBP44

نساء تلمسان تلك هن اللواتي قلن قبل بضعة قرون، وحذا حذوهن فتية هذه الحاضرة العريقة، هذه الأبيات الرقيقة:

جَايَزْ عْلَى بَابْنَا جَايَزْ وَاشْ تْشُوفْ...أَنَا لاَبْسَة الحْرِيرْ وَأْنْتَ لاَبَسْ الصُّوفْ...قَالْ لْهَا يَا لاَلَّة لْبَاسْ الرّْجَالْ مَخْلُوفْ... آجِينِي نْلَبّْسَكْ القَاطْ وَنْزِيدْلَكْ الشَّنْتُوفْ...

 

وتلك التلمسانيات هن أيضا مَن رَدَّدْنَ على ضفاف الوديان وبجوار العيون المتدفقة ماء زلالا:

 

مْشِيتْ لَلْوْرِيتْ وَمْشِيتْ نَنْظُرْ فِيهْ...صَبْتْ كْرَاكَرْ ذَا الحْجَرْ وَالمَاء يَهْدَرْ فِيهْ...صَبْتْ رَبْعَة مَنْ البْنَاتْ يَعَرّْكُوا الصّْوَابَنْ فِيهْ...الأوْلَى هِيَ القْمَرْ وَالثَّانْيَة بَلاَّرْ...وَالثَّالْثَة يَالْخُو شَعّْلَتْ فِي قَلْبِي النَّارْ...وَالرَّابْعَة يَالْخُو كِيَّة بْلاَ مَسْمَارْ...
(لَوْرِيتْ: تقع في تلمسان في غرب الجزائر).

 

وهن أيضا صاحبات هذا الحوفي الجميل الرقيق:

 

يَانَابْتَة في الصّْحَنْ *** يَا شَجْرَةْ الدَّرْدَارْ
وَعْرُوقْهَا سْكَنْجْبِيرْ *** وَأوْرَاقْهَا زَنْجَارْ
يَمَّا نْهَاتْنِي عْلَـى *** وْقُوفْ بَابْ الدَّارْ
وَنْخَبّْرَكْ يَا يـــَمَّا *** كِي يْكُونْ عُشْقْ الجَارْ
يَتْنَاظْرُوا الْعْيُونْ *** وَالْقَلْبْ فِيهْ النَّارْ

 

وإذا أحببن لا يتراجعن:

 

يَا لاَبَسْ القَنطْرْيِ *** يَا طَالَـــعْ الزَّنْقَـــة
شَرَّكْتْ ثْيَابِي عْلِيكْ *** سَمَّوْنِي حَمْقَاء
وْشَرّْبُونِي عْلِيكْ *** الرَّهْجْ فِي المَرْقَـة
ذُقْتْه وْجَانِي حْلُو *** يَا مَا أعْظَمْ الفُرْقَة

 

وأحيانا يتطرفن:

 

أَنَا جَالْسَــة فِي الرّْيَاضْ *** بِاللَّوْزْ نَتْدَرَّقْ
وْفَـــاتْ عْلِيَّ شْبَابْ *** فِي يَدُّه قْطِيْب أزْرَقْ
شَاشِيّْتُــــه مْعَنْقْرَة *** تَحْفِيفْتُه تَبْرَقْ
وَعْلِيهْ نَرْمِـــي الُاولَادْ *** وَعْلِيهْ نَتْطَلَّقْ
وَعْلِيهْ نَخْلِـــي البَلاَدْ *** وَنْرَدّْهَا فُنْدُقْ

 

وعندما يتسليْن بالسخرية من الرجال لهن طرائف وأقوال:

 

يَا شَجْـــرَةْ اليَاسْمِينْ *** الطَّالَّة عْلَى اسَاسُه
مَا اسْخَــاهْ هَذَا القْصِيرْ *** الجَالَسْ بِينْ نَاسُه
وْذَاكْ الطّْوِيلْ الحْزِينْ *** يَمْسَحْ السّْمَاء بْرَاسُه

 

 

يَا شَجْرَةْ اليَاسْمِينْ *** الطَّالَّة عْلَى الاَنْجَاصْ
مَا اسَخَــــــاهْ هَذَا الطّْوِيلْ *** الكَامَلْ اللّْبَاسْ
وْذَاكْ القْصِيرْ الغْشِيمْ *** مَذْلُولْ بِينْ النَّاسْ

 

 

وعادة ما تُلقَى هذه "التَّحْوِيفَاتْ" في قوالب موسيقية بسيطة وشجية، وتزداد ازدهارا وحيوية كبيرة إذا حلَّ فصلُ الربيع الذي سرعان ما تتحول أيامُه ولياليه إلى مهرجانات حقيقية للتنافس والإبداع في هذا المجال.
 
وإذا كان الحوْفي في الأصل فنٌّ خاص بمجالس النساء التلمسانيات مثلما هو حال "البوقالة" في بيوت وقصور مدينة الجزائر العتيقة، إلا أن الجانب الموسيقي للحوفي فتح له حديثا أبواب عوالم الغناء والطرب وأدخله قاعات الحفلات الموسيقية وأستوديوهات التسجيل والإذاعات والتلفزيونات. وهكذا، أصبح للحوفي نجومه منذ العقود الأخيرة للنصف الأول من القرن 20م. وكانت الشيخة طِيطْمَة سبَّاقة في تسجيل الحوفي على العديد من الأسطوانات، وجَعَلتْهُ من أبرز أعمالها خلال مشوارها الفني الطويل، قبل أن يتبنى الرجالُ التحويفات التلمسانية ويُحوِّلونها إلى جزء من التراث الموسيقي الجزائري المنبثق عن الغناء العربي الأندلسي والتي كثيرا ما حُوِّلتْ إلى افتتاحيات غنائية دون إيقاع تُعرف في قاموس الطرب الأندلسي بـ: "الاسْتِخْبَارَاتْ" التي تُذبِّج أغاني "الحوزي". وهذا ما فعله الشيخ رضوان بن ساري الذي اهتم بالحوفي وغَنَّاه في العديد من المناسبات بعد رحيله عن الجزائر إلى المغرب. وبعد الشيخ رضوان، وجد فنُّ الحَوْفِي في الفنان النُّورِي الكُوفِي ومجموعةٍ من فناني الأجيال الجديدة رافدا هاما ساهم في ترسيخ هذا النوع الشعري الغنائي وحفظه من الاندثار.

 

https://www.youtube.com/watch?v=uqIXXTZQPtU

وفي نهاية المطاف، وعلى حد قوْل البروفيسور نذير معروف، يختلف خطاب هذه الأنواع الغنائية الثلاثة، الحوزي والعروبي والحوفي، عن الغناء العربي الأندلسي الكلاسيكي في كونه يتحدث عن الناس الذين يغنونه وبشكل يبقى صالحا للأزمنة التالية للقرون التي شهدت ميلاد هذه التعبيرات الغنائية الحضرية "الهامشية". بينما يكتفي خطاب النوبة الكلاسيكية بالحديث عن حقبة من الزمن تعود إلى أكثر من 5 قرون وعن أناس هم أهل الأندلس الذين لم يعد لهم وجود منذ قرون أيضا...".

 

أغنيتان من النوع الحوزي التلمساني:

https://www.youtube.com/watch?v=tILGyJmj--4

https://www.youtube.com/watch?v=i7tkdToNar0

فوزي سعد الله: صفحات مجهولة من تاريخ الغناء الأندلسي... دار قرطبة، الجزائر 2011م.

شوهد المقال 186 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فيصل الأحمر ـ الحراك و"المابعدية" (أو حديقة الحيوانات الأيديولوجية )

 د. فيصل الأحمر    فجأة ظهرت فصائل كثيرة ناتجة عن الحراك المبارك في الجزائر وكلها تتبنى السابقة المغرية "ما بعد":*مابعد الثوري: وهو مثقف كهل ركب الحراك ثائرا
image

نوري دريس ـ حينما ترى أعين حشماوي أيدي المخابرات الخفية, وتعمى عن رؤية ألاف الشباب في الشوارع

د. نوري دريس  في حوار مع مجلة la Croix, يدافع عالم السياسة الجزائري محمد حشماوي عن اطروحة مفادها ان الاجهزة الامنية( المخابرات) هي
image

وليد عبد الحي ـ العالم الى اين؟ الحاجة للدراسات المستقبلية

 أ.د. وليد عبد الحي  لأن المستقبل يأتي قبل اوانه بفعل تسارع ايقاع التغير ، فان رصد وقياس حركة ومكونات الظواهر وبمنهجية كلانية(Holistic) اضحى احد مسلمات
image

السعدي ناصر الدين ـ الأربعة الذين تحكموا في مصير الجزائر قبل 1988

السعدي ناصر الدين    هــؤلاء الاربعــة كانــوا يتحكمــون في مصيــر الجزائــر قبــل احــداث اكتــوبر 1988.. الشاذلــي بن جديــد قــائد مسيــرة ضيــاع انهــاها بالسقــوط والبكــاء على
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام ..الخوف المرضي .. Macbeth و Shakespeare

د. عبد الجليل بن سليم  بالنبسة ليا مسرحية Macbeth ليست العمل المدهش لشكسبير لكن هي مسرحية على حسب فهمي من الاعمال العظيمة التي
image

مرزاق سعيدي ـ عاشق الأرض.. والنرجس

 مرزاق سعيدي    عاشق الأرض.. والنرجس*!أشعُر بالخوف على الطبيعة كُلّما صادفت في قلب العاصمة الجزائر أشخاصا يبيعون النرجس البري بأثمان ملتهبة، وخوفي لا علاقة له بالسعر
image

رضوان بوجمعة ـ القضاء المعطل.. الشعب المناضل والعدل المؤجل!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 162  هذه هي الثلاثية التي تصل إليها وأنت تحاول تلخيص أكثر من 15ساعة من جلسة محاكمة فضيل بومالة، أمس، بقاعة الجلسات
image

يوسف بوشريم ـ فضيل بومالة ضحية الأمية الإلكترونية

 يوسف بوشريم  من خلال وقائع محاكمة المفكر والمثقف الحر فضيل بومالة والتهم الموجهة إليه و(مصدر الأدلة) الموجودة في الملف أكتشفت أن المتهم الحقيقي من
image

العربي فرحاتي ـ الحراك..وانبعاث الاستئصال إلى الواجهة ...

 د. العربي فرحاتي  لم أقتنع لحظة واحدة ما روجه ويروجه ورثة الكاشير من النوفمبريين الباديسيين من أن الفكر الاستئصالي الدياراسي يكون قد فارق السلطة الحاكمة
image

نجيب بلحيمر ـ أنا فضيل بومالة .. باسم الحرية أحاكمكم

نجيب بلحيمر   ساعة علقت على حائط قاعة الجلسات الثانية بمحكمة الدار البيضاء كانت تشير إلى الساعة 12 و 17 دقيقة.. التوقيت الصحيح كان التاسعة إلا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats