الرئيسية | الوطن الثقافي | باسم سليمان ـ الجنس أول عملة صكّها الإنسان

باسم سليمان ـ الجنس أول عملة صكّها الإنسان

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

باسم سليمان 

 

 

يتجلّى أصل البشرية المسكوت عنه من التحام عضوين تناسليين في لحظة نشوة عارمة وافتتان عظيم، وليس أحسن من اللغة للكشف عن هذا الأصل، فلنبدأ رحلتنا اللغوية.
يرجع التأصيل اللغوي لكلمة: )الافتتان/ (Fascination إلى اللاتنية، فنجد كلمة (Fascinatio) والتي تؤدي في أحد معانيها إلى الافتتان، وهذه الكلمة ذاتها تجد أبوّتها في كلمة لاتينية أخرى (Fascinus)، وتعني العضو الذكري. ومن هذه الكلمات ظهرت الحكايات التي تُسمى ( (Satura كما يذكر باسكال كنيار في كتابه الفزع والجنس، وهي حكايات ماجنة خلاعية مليئة بالخيال/ الفانتازيا (fantasia) وهذه الفنتازيا التي نجد في ظلالها الخلفية كلمة (Fun/ المرح/ اللعب/ اللهو) وهذه الـــ ((Fun نجد مقابلًا لها في العربية (الفنّ)، وهو من جذر (فَنَنَ)، وهذا الجذر ذاته يعطينا كلمة الأفنون، أي الغصن الميّاس الذي تلعب به الريح لرقته ونضارته، والأفنون هو ذاته الأفعى مع كلّ تضاعيفها الدلالية من أنّها سبب الغواية، حيث نجد في التوراة عقوبتها على الشكل التالي: (على بطنك تسعين وتراب تأكلين، هو- الإنسان- يهشم رأسك وأنت تنهشين عقبه) وفي قراءة تأوّلية للجملة التوراتية، نلحظ أنّ التشابه بين العضو الذكري والأفعى، فالعضو الذكري يستلقي على بطن الذكر، وكأنّ البطن تراب، أليس أصل الإنسان ترابًا ونهايته إلى التراب، أليس العقب هو ذرية الإنسان التي مازال (الشيطان/ الأفعى) يحتنكها منذ آدم إلى الآن. 
لم ننته من جذر (فنن) الذي يقودنا إلى كلمات من مثال: (فينوس/ أفروديت) التي ولدت من العضو الذكري للإله أورانوس بعدما قام ابنه الأصغر بقطع عضوه، ومن الزبد الذي يشبه السائل المنوي خرجت فينوس/ أفروديت ربة الجنس والحب والجمال. ولدينا أيضًا الفنار الذي يُرشد السفن إلى الموانئ حيث لا تخفى علينا الاستعارة بين الفنار والعضو الذكري وحيث أن السفينة تشبه العضو الأنثوي واستتباعًا لتقصّي دلالات جذر (فنن) نجد في عامية بلاد الشام كلمة (فنّير) والتي تعني العضو الذكري/ الأنثوي/ ونجد لكلمة ( فنيّر) شبهًا باللاتنية (venereae) والتي تعني العضو التناسلي. 
خرج قدموس من الساحل السوري معلِّما لشعوب بلاد الإغريق، حيث اليونانية التي تعتبر الأم المرضعة للمفاهيم الرومانية واللغة اللاتنية. افتتن الرومان بالحضارة الأغريقية حتى نجد أنّ كلمة (Eispein/ لاط) في اليونانية تصل إلى اللاتنية بمعنى (Inspirator/ ألهم) كما أكد باسكال كنيار في كتابه الفزع والجنس. ولقد كان هناك عادة لدى الإغريق يتم بها نقل الصبي إلى عالم الرجولة، عبر فعل جنسي يقوم به المعلّم بحقّ التلميذ، ومقتضاه الفصل بين الأبيضين: حليب الأم والسائل المنوي، حيث يجبّ أبيض الذكر أبيض الأنثى.
وفي ذات الشجرة الدلالية نجد فعل " أير" في العامية السورية العائدة إلى لغات المنطقة القديمة من فينيقية وكنعانية وسريانية/ أرامية، والذي منه اسم العضو الذكري في الفصحى العربية "الأير" و"أير" تقود إلى (Air/ الهواء) وذاته الهواء يعطينا اشتقاقات لغوية متعاضدة دلاليًا من مثل: ( الهوى/ الحب – هوى/ سقط) أمّا معنى كلمة "أير" فــ : هبّ – انطلق – طار – شعّ – حتى أشعل النار؛ إلى جانب المعاني الجنسية التي تقودنا إلى: (Eros /الحب) و(Erotic/ الإثارة الجنسية) و(Error/ خطأ) بعدما صبغتها الإدانة الأخلاقية. و (Erotic) تعني باللاتيني (venereae) وفنير هي ذاتها فينوس. تبادل الدوال دلالاتها لتوسع أفق المعرفة وعلى الرغم من تبلبل الألسن إلا أن اللغة قادرة على أن تدلنا على مفاتيح مجهولة لتاريخنا اللغوي كما يقول رجيس دوبريه 
فتاة الهوى والصيّاد:
بين أنكيدو وغانية المعبد قصّة أكثر من مشهورة، حيث الجنس يكون مقابل المعرفة، لكن الجنس كان المكافئ النقدي للطعام، ففي القبائل البدائية تقدّم الأنثى خدمات جنسية لمن يمنحها الطعام وخاصة اللحم. 
تمكر بنا اللغة عبر قاعدة (الضدّ يظهر حسنَه الضدّ)، فتظهر لنا ما هو مخبأ في لاشعورنا البدئي؛ فضدّ لحم هو مَحَلَ، فاللحم علامة الغنى والصّحة والازدهار والمحل علامة الفقر والموت والجوع؛ وهكذا نستطيع أن نؤسس أول عملية تبادلية –نقدية- إن صحّ التعبير، فالقوة العضلية للذكر والجاذبية الجنسية للأنثى، عملتان أوليتان في سلم الحضارة البشرية ومن خلالهما تمّ إدارة الحضارة الإنسانية عبر التاريخ.
إنّ مزج المعرفة بالجنس، ابتدأ من آدم وحواء، مرورًا بفتاة المعبد/ سخمت مع أنكيدو ومن ثم إيزيس وأوزوريس والكثير من الأساطير الإنسانية، هي أشهر من أن نعيد ذكرها. لم تكن فتاة الجيشا اليابانية والقينة والجارية العربية بعيدتين عن المفهوم السابق، وليس من الهوامات الجنسية أن نذكر الحور العين اللواتي كن أحد هواجس عناصر داعش الانتحاريين، فالاقتصاد الجنسي الذي أغرى به القادة العسكريين جنودهم، كذلك الأنبياء، نجد صداه في الكثير من القصص الجنسية التي تبنّتها الشعوب كأصول لخلق الكون والبشر، فالأسطورة الهندية تقدّم لنا الإله (شيفا) بما يتجاوز الألف منحوتة وهو في عناق جنسي مع زوجته بمختلف الوضعيات وتم عبر ذلك خلق الكون ومخلوقاته، حتّى أن الماء الذي خلق منه كل شيء حيّ، نجده في تراثنا، فمن معاني الفعل (ناك): المطر الشديد، وعودة إلى الإغريق نلقى الفعل الجنسي مرتبطًا أشد الارتباط بالمعرفة عبر المعلّم والتلميذ.
هناك نادرة تراثية عربية تختصر كلّ ما سبق: ( ليس أجمل من أكل اللحم، والنوم على اللحم وإدخال اللحم باللحم).
قبل أن ننتقل إلى عصرنا الحالي وتقدّمه التكنولوجي الكبير لابدّ من ذكر أنّ الرائد الأول للاستشراق الأوروبي كان ألف ليلة وليلة، ولقد كانت الجنّة الجنسية التي صورتها الليالي وحرملك وسرملك الدولة العثمانية من أهم الأسباب الداعية للاستشراق وفتوحاته المعرفية. 
المركيز دي ساد ومازوخ:
السادية تعود للكاتب دي ساد والذي كتب لنا رواية (جوستين) كذلك المازوخية تعود إلى الكاتب ليبولد مازوخ وكلاهما عبرا عن هوامات جنسية ساعدت عصر الأنوار الأوروبي في تبني الحقوق المدنية. عندما رسم ديلاكورا لوحته " الحرية" حيث تظهر في مقدمة اللوحة أنثى تحمل علم الثورة الفرنسية عارية الصدر غير حليقة الإبطين، تحلل الكاتبة لور كاتسارو ذلك بأن العاهرات اللواتي كن ينحدرن من الضواحي لتلبية حاجات المجتمع الجديد الثائر على الاستقراطية البطريركية، لم يكن لديهن الوقت للتّأنق وحلق الإبطين عندما نشبت الثورة. 
إن مفهوم "لحم" يشي بمعنى الالتصاق الشديد، فالعناق الأبدي بين الجنس والمعرفة لم يتضعضع سواء أكان بسبب الهجمة الأخلاقية الدينية أو المجتمعات المدنية أو الحركات النسوية أو تحرر الكائن البشري إلى حدّ ما من الحاجات القاهرة الغذائية التي كانت في أزمنة سابقة يدفع حياته ثمناً من أجل رغيف طعام، ولذلك لن نستغرب المثل القديم (تموت الحرّة ولا تأكل بثدييها)، فكلّ نموٍ معرفي مهما كان شكله، كان يستتبع طفرة في الهوامات الجنسية، فمع نمو الشبكة العنكبوتية ظهرت المواقع التي تقدم خدمات جنسية بأشكال عديدة، لكن –هنا- في هذا الزمن هل تنفكّ المعرفة عن الجنس باستبدال اللحم البشري باللدائن البلاستكية!؟ 
بين التراب والسيلكون:
خُلق الإنسان من الحمأ المسنون الذي يتواجد على ضفاف الأنهار واخترع السيلكون في وادي السيلكون في USA، فبين وديان الأنهار ووديان الحضارة البشرية قد يحصل الانفصال بين حدّي المعرفة والجنس.
بدأت تنتشر الدمى الجنسية في ألفيتنا الثالثة، فهل سنحتاج للمبادئ التي وضعها الكاتب (إسحاق إسيموف) والتي تحكم الروبوتات كي ندير بيوت الهوى التي شرعنتها الدول لكن وفق قوانين تخصّ الآلات لا البشر!؟ درس المجلس البلدي لمدينة باريس إغلاق ملهى ليلي، تُعرض فيه فتيات / دمى روبوتية خدمات المتعة لزبائنه وخاصّة بعد التمادي في السلوك الشّاذ من قبل الرواد والدمى الروبوتية، فهل سيستند مجلس مدينة باريس إلى مبادى إسحاق إسيموف في دفوعه القانونية أمام المحكمة، كون تلك الدمى قد خرجت عن تلك المبادئ وأنّ استخدام الإنسان لها بهذا الشكل، يضره!؟ 
تتطوّر الدمى الجنسية الأنثوية بشكل كبير، وفق هوامات ذكورية، وقد يأتي يومٌ تتحرّر الأنثى البشرية من أقدم مهنة عرفها التاريخ أي الدعارة، بعدما تحرّر الذكر منذ زمن بعيد عبر الآلة من فكرة الصياد، لكن لنتذكر قليلًا كيف بدأت ألف ليلة وليلة عبر خيانة زوجة الملك له مع عبيد فحولتهم لا تنتهي عند حدٍ.
لربما السكونية – إلى حدّ ما- التي تتبدّى الأنثى فيها في العملية الجنسية، تساعد الدمى الجنسية الأنثوية/ الروبوتات بأن تسبق الدمى الذكورية الجنسية في الظهور وقد ظهرت! إلا أنّ تطوّر التكنولوجيا الحركية للروبوتات ستعجّل بظهور الدمى الذكورية الجنسية، وهنا علينا أن نسأل هل سيبقى الليبيدو الذي اعتبره فرويد من أهم الدوافع البشرية، سواء أتحقق ذلك أم كُبت سببًا في تطوّر الإنسان أم أنّه سيتنحّى لدوافع أخرى!؟
يتكلّم العلماء عن أرحام خارجية، وأنّ الحيوان المنوي والبويضة من الممكن صناعتهما من أيّة خلية جذعية. تسود الآن عملات إلكترونية تُسمى(البيتكوين) لا تستند على احتياطي الذهب والفضة بل على الافتراض! 
كانت الخطيئة الجنسية وفق الموروث الإنساني سببًا لوجوده، وقريبًا ما الذي عليه أن يرتكب من خطيئة افتراضية، حتّى يستمرّ إعماره للكون، ما هو افتتانه الجديد!؟

 

شوهد المقال 768 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ الفارس الملثم

خديجة الجمعة    وفي ليلة ظلماء أسهبت بنظري للسماء محلقة بفكري . علني أجد شيئا ما بداخلي. وإذ بي أراه حقيقة لاخيال وتلعثمت حينها . وفركت عيني
image

عادل السرحان ـ شهداء الجزائر يعودون

عادل السرحان                   أهلاً بمَنْ فدّى الجزائربالدمِإذ عاد مزهواً بأجمل مقدمِأرواحهم قد حلّقت فوق  العُلاورفاتهم مسك يضوع بمعصمِ مُذْ في فرنسا والجماجم عندهاشطر الجزائر تستديرُ لتُحرمِسبعون عاماً بعد
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في
image

وليد عبد الحي ـ حماس وفتح: تمويه الاستراتيجي بالأخلاقي

 أ.د.وليد عبد الحي  الاعلان الاخير عن لقاء قيادات من حماس وفتح لبحث " تحقيق وحدة وطنية" للرد على القرار الاسرائيلي بضم اجزاء من الضفة
image

عبد الجليل بن سليم ـ مناورة النظام الجزائري اطلاق معتقلي الرأي وهو في la crise و كل قرد و بنانتو the red herring gambit

د. عبد الجليل بن سليم  أولا الحمد لله على أنه هناك مجموعة من معتقلي الحراك من أبناء الشعب أطلق سراحهم (الحمد لله على السلامة كريم
image

العربي فرحاتي ـ لنتعامل مع الحقيقة التاريخية لا مع تجار الحقيقة التاريخية

د. العربي فرحاتي  فسر لجوء بومدين بعد انقلابه على بن بلة ١٩٦٥ إلى تجميع رفاة قادة الثورة وإعادة دفنهم تكريما لهم..بأنه بحث عن شرعية ثورية
image

طيبي غماري ـ الذاكرة والتاريخ ..والسيدة التي ساعدتنا في مركز ارشيف ماوراء البحار بفرنسا

 د. طيبي غماري   بمناسبة النقاش حول الذاكرة والتاريخ والأرشيف ومراكزه، ساقص عليكم هذه القصة التي أتذكرها دائما وارغب في روايتها كلما أتيحت لي الفرصة. في
image

محمد زاوي ـ فريد علي بلقاضي وابراهيم سنوسي الباحثان الجزائريان ودورهما في استرجاع جماجم القادة شهداء الجزائر ..الجماجم عار فرنسا

زاوي محمد   يرجع الفضل في اكتشاف جماجم القادة الأولين للمقاومة الجزائرية لمواطنين جزائريين ليس لهما أي إنتماء حزبي في الجزائر ولا أي متدادا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats