الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله ـ مدينة الجزائر العثمانية...الديار والقصور...بالأرقام

فوزي سعد الله ـ مدينة الجزائر العثمانية...الديار والقصور...بالأرقام

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

 

في تلك الحقبة العثمانية من تاريخ الجزائر، التي يصفها بعض "المتنورِّين" في داخل وخارج البلاد بـ: "الظلامية"، كانت عملية إعمار المدينة "المحروسة بالله" تأخذ مجراها بوتيرة بلغت من الفعالية والنجاح ما لم نبلغه في الوقت الحالي لمواجهة أزمة السَّكن وإعمار البلاد.

 

خلال السنوات الأخيرة من القرن 16م وما تلاها من السنوات الأولى من القرن 17م، بعد أن استقرّت الدولة الجزائرية العثمانية الفتية نسبيًا ووُضعتْ على السِّكة بأمان واطمأن أهلها وازدهر اقتصادها، تمَّ بناء ما بين 1300 دار و1500 دار حسب الخبراء. وقد تضاعف عدد الديار، بمختلف أحجامها وأشكالها، والقصور الفاخرة خلال هذه الفترة بحركةِ البناء داخل أسوار المدينة "البهجة" وخارجها في الفحص حيث البساتين والضيعات الجميلة التي تخفي بين أشجار برتقالها وليمونها وتينها وإجاصها أجمل ما بُني في مدينة الجزائر خلال القرون الخمسة الأخيرة وما لم ينجح في مضاهاته ما بنيناه وما بناه "متنوِّرُونا" حتى الآن تحت مسمى "الفيلات" مهما بلغت ثرواتُهم وتحضرُّهم الذي من حين لآخر يقال لنا إنه "أبْهَرَ العالَم"...
وما شيّده رياس البحر، على غرار قصر مامي غرناوط، الألباني الأصل، في "الوطأ"، أسفل المدينة قبالة البحر والذي يوجد اليوم ضِمْن ما يُعرَف بـ: "قصر الرياس" في حومة قاع السور، وكذلك قصر الرايس حميدو بن علي في الفحص بالأبيار وقصر مصطفى باشا في فحص باب عزون وهو ما نسميه اليوم "قصر الشعب"، فضلاً عن ديار كدار الصوف ودار السّْجور ودار خداوج ودار تشكيكن وغيرها من القصور والديار يشهد على هذه الحقيقة التي لا يُشار إليها اليوم، مع العلم أن حوالي 50 بالمائة على الأقل من الإقامات الرسمية التابعة لرئاسة الجمهورية وووزارة الخارجية اليوم هي هذه القصور والديار الفخمة الموروثة عن أجدادنا خلال الحقبة العثمانية "الظلامية" حسب مُحتكِري "الأنوار"، فضلا عن السفارات الأجنبية التي اتخذت من هذه التحف المعمارية/العمرانية نقرات لها، وعلى رأسها السفارة الفرنسية...
 

 

 

وما إن حَلّ العام 1625م، وهي الفترة التي شهدت نموا ديمغرافيا هائلا غذته بشكل خاص هجرة ولجوء بقايا اهل الاندلس بعشرات الالاف على الأقل، حتى كانت "بهجة" سيدي الثعالبي عبد الرحمن قد أصبحت مدينةً بلغ عدد الديار فيها 15000 دار بكل المرافق العامة الضرورية لها كالجوامع والمساجد والمدارس والمعاهد والمستشفيات والمصانع والورشات والعيون والآبار وقنوات توزيع المياه والطواحين والحوانيت والأسواق والحمَّامات والثكنات والحصون والأبراج وغيرها...وأصبحت تستقطب التجار ورجال الأعمال والمهاجرين واللاجئين من الخوف والجوع والعلماء والحُكماء من كل بقاع الارض...فيما أصبحتْ اليوم أرضا تنفِّر وتطرد حتى أعرق أبنائها وأهاليها...
ومع بداية سنوات 1660م، كانت مدينة رياس البحر وعاصمة الجهاد في غرب المتوسط تبني الديار بوتيرةٍ بلغت متوسط 400 دار سنويًا حينما كان عدد السكان فيها يتراوح بين 100 ألفٍ و150 ألفَ نسمة.
 

 

ولا داعي للاعتقاد بأن هذه الديار كانت موجودة في أغلبها قبل الوجود العثماني أو في عهد الزيريين مثلما قد يَتصوَّر البعض، لأن الوقائع التاريخية لا تقول بذلك، إذ بغض النظر عن حقيقة أن مدينة الجزائر ما قبل وصول الأخوين خير الدين وعروج إلى البلاد في بداية القرن 16م كانت بلدة صغيرة هامشية على ساحل البلاد الشاسع، نَعرف من بين ما نَعرف على الأقل أن زلزال عام 1364م، وهو أقدم الزلازل الموَثَّقة التي ضربتْ المدينةَ، هدَّم "الجزء الاعظم من المدينة" على حدِّ تعبير الخبيرة الجزائرية سكينة ميسوم التي تؤكِّد في المقابل أن زلزال سنة 1585م لا يبدو أنه ألحق أضرارًا تُذكَر بالعمران...

 

كما نعرف مما كتبه جُغرافيُّ مَلِكِ فرنسا الرَّحَّالة نيكولا دي نيكولايْ (Nicolas de Nicolaye) أن المدينة "المحروسة بالله" لم تكن تحتوي سنة 1551م سوى على حوالي 3000 دار مقابل حوالي 4000 دار بين عامي 1510م و1516م عند قدوم العثمانيين الى البلاد حسب الرحَّالة الغرناطي الأندلسي حسن الوزَّان الشهير في الغرب بـ: ليون الإفريقي Leon El Africano...والفارق قد يكون مرتبطا، حسب تقديرات، بحدوث مجاعات أو أوبئة في تلك الفترة شديدة الاضطراب الاقتصادي والأمني...

 

الديار الـ: 15 ألف التي بناها أجدادنا بسواعدهم وجهدهم ومالهم بانسجامٍ عميق مع بيئتهم وثقافتهم ومعتقداتهم وعاداتهم سوف يُهدِّم المحتلون الفرنسيون خلال السنوات الأولى من الاحتلال حوالي 5 آلاف منها، غالبيتها من أجمل ديار وقصور "المحروسة بالله" الواقعة في "الوطأ" أيْ في الجانب السفلي من المدينة. أما ما تبقّى منها فتكفّلنا نحن به بإتقان حتى أن ثلثيْها الذي سَلِم من خراب الاستعمار لم يعُد في جزء كبير منه حاليا سوى أطلال...

 

على كل، هكذا ارتفع بنيان "بهجة" سيدي الثعالبي عبد الرحمن، تقول الوثائق والأرقام، بعيدا عن الحكايات والأساطير وإضافات الخيال واللسان، وهكذا أصبحت من أجمل ما بُنيَ على أطراف البحر الأبيض المتوسط خلال تلك الحقبة من الزمان... كل ذلك بجهد وحكمة وكفاءة الرجال والشباب والنسوان...

 

 

 

شوهد المقال 423 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ ألْغازُ الغازِ : رؤية مختلفة

 أ.د. وليد عبد الحي  في الوقت الذي انصرفت أغلب التحليلات لخيط العلاقة الجديد بين مصر والأردن وإسرائيل في قطاع الطاقة وتحديدا الغاز، فإني لا أعتقد
image

زهور شنوف ـ جزائريات..

زهور شنوف  لا أحب الكتابة عن الإنسان بوصفه "جنسا".. مرارا عُرضت علي كتابة مقالات عن "المرأة الجزائرية" وشعرت ان الأمر ثقيل.. "كتابة على أساس الجنس"! الامر
image

العربي فرحاتي ـ ندوة العائلات المعذبة للسجناء السياسيين في الجزائر ..28 سنة بركات

 د. العربي فرحاتي  في هذه اللحظات من يوم (١٨ جانفي ٢٠٢٠ ) تجري في مقر جبهة القوى الاشتراكية (الافافاس) بالعاصمة فعاليات ندوة "بعنوان " ٢٨
image

محمد الصادق مقراني ـ الشيخ سليمان بشنون عالم زاهد ألف أكثر من 20 كتابا كرس 7 عقود من العطاء في مجال العلم و الإصلاح

محمد الصادق مقراني سليمان بشنون مجاهد و كاتب  من مواليد 6 ماي 1923 براس فرجيوة خرج من رحم الحياة الريفية عائلته تنتمي الى قبيلة بني عمران
image

سعيد لوصيف ـ الثورة و التوافق المجتمعي الذي يستشف من المسيرات...

د. سعيد لوصيف   مرّة أخرى تثبت الثورة في أسبوعها 48 ، أنّها ثورة تتجاوز كل الاختلافات، و أن القوى المجتمعية الفاعلة فيها، بالرغم
image

صلاح باديس ـ كُلّنا ضِدَّ الجلّاد... ولا أحدَ مع الضحية ..سجناء التسعينات ..

 صلاح باديس   بالصُدفة... وصلني رابط فيديو تتحدّث فيه امرأة شابّة عن والدها السّجين منذ تسعينات القرن الماضي. "سُجناء التسعينات" هذا الموضوع الذي اكتشفه الكثيرون
image

وفاة الدكتور عشراتي الشيخ

 البقاء لله.توفي اليوم والدي د. عشراتي الشيخ عن عمر يناهز 71 سنة بعد مرض عضال ألزمه الفراش.عاش عصاميا متشبعا بعروبته متشبذا بأصله بدأ حياته في
image

فوزي سعد الله ـ أول مستشفى في مدينة الجزائر خلال الحقبة العثمانية أُنجِز قرب باب عزون...

فوزي سعد الله   عكْس ما رددته المؤلفات الغربية والفرنسية على وجه الخصوص طيلة قرون زاعمة عدم وجود مستشفيات في مدينة الجزائر العثمانية وفي هذا البلد
image

وليد عبد الحي ـ تركيا والتمدد الزائد

 أ.د. وليد عبد الحي  هل يمكن تطبيق نظرية المفكر الامريكي بول كينيدي حول " التمدد الزائد" على القوى الاقليمية في الشرق الأوسط (غرب آسيا)
image

سعيد لوصيف ـ تصويب "ساذج" لتفادي زنقة لهبال...

د. سعيد لوصيف  اعذروا سذاجتي... واعذروا ما قد يبدو أنه تطرفا في الموقف... لكن الامر الذي انا اليوم متيقن منه، هو أنني لست

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats