الرئيسية | الوطن الثقافي | فوزي سعد الله ـ هكذا إذن كان عيد المولد النبوي الشريف في بداياته...

فوزي سعد الله ـ هكذا إذن كان عيد المولد النبوي الشريف في بداياته...

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فوزي سعد الله 

 

 

السياسة هي التي أنجبت الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ولم تقترن طقوسه أبدا بظهور الإسلام، لأن، وعلى العكس مما قد نتصوره اليوم، إحياء ذكرى ميلاد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لم يحدث لا في حياته ولا في مماته في عهد الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين، ولا اهتمت به الأجيال الأولى من المسلمين باستثناء أهل يثرب الذين كانوا يؤدون لضريحه زيارة متواضعة وبعض الأقليات المذهبية في أوقات لاحقة وفي شكل محدود.
كان على المسلمين أن ينتظروا قرونا طويلة قبل أن تُثرى طقوسُهم الاجتماعية بهذه الاحتفالات التي ما زالت صامدة إلى اليوم والتي هي في الأًصل طقوس أنجبتْها السياسة وضرورات الظرف التاريخي قبل كل شيء.
فالفاطميون المنحدرون من أهل البيت بدأوا يحتفلون بميلاد جدهم محمد بن عبد الله في قصورهم منذ القرن 10م بعدما رحلوا من شرق الجزائر وتونس إلى القاهرة مثلما كانوا يحتفلون بمولد علي بن أبي طالب وابنيه الحسن والحسين ووالدتهما فاطمة الزهراء بنت محمد بن عبد الله رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم. ثم سرعان ما حوَّلوا هذه الاحتفالات بذكرى المولد النبوي إلى طقوس وطنية رسمية ألقوا بها إلى الشعب واستثمروا فيها الأموال الطائلة التي تغيِّر وتيرة حياة الناس لنحو أسبوع وتُنسيهم همومهم ومتاعبهم اليومية حيث يُطعم فيها الفقير ويسعد خلالها الحزين ولو لأيام معدودات.
في نهاية القرن 12م، شهد الرحالة الأندلسي ابن جبير احتفالات ضخمة بالمولد النبوي في مكة المكرمة يلتحق بها كل الناس المتواجدين بهذه المدينة وضواحيها التي احتضنت ميلاد رسالة الإسلام.
أما أبو العباس العزفي السَّبْتِي فيؤكد في نهاية القرن 12م وبداية القرن 13م في كتابه المعروف "الدّر المُنظَّم في موْلِد النَّبي المُعَظَّم" أن يوم عيد ميلاد محمد بن عبد الله كان في مَكَّة يوم عطلة ينقطع خلاله الناس عن العمل وتفتح فيه الكعبة المشرفة للزوَّار.
أما في المغرب الإسلامي والأندلس، فإن إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف قد وُلد مِن رحم الصراع الثقافي الإسلامي النصراني، وهو أيضا ثمرة جهود اعتمدتها النُّخب الثقافية والسياسية لكبح تغلغل العادات المسيحية في الوسط الإسلامي في وقت كانت عامة الشعب تُقلِّد فيه النصارى بل وتحتفل معهم بأعيادهم كالعنصرة، عيد النبي يحي (Saint Jean)، والسابع من يناير الذي اعتُبِر يوم مولد المسيح عليه السلام...
وهكذا اعتُمِد عيد جديد يحتفي بذكرى ميلاد رسول الإسلام تُقام فيه الأفراح وتوقَد خلاله الأنوار في المدن والحواضر ومحيط المساجد والجوامع والأضرحة... 
 
واستُلْهِم فيه بذكاء، ودون أية عقدة أو إفراط في الاستسلام للهواجس، بعضٌ من طقوس وتقاليد الاحتفال بعيد ميلاد المسيح التي أخذوا منها على الأقل المسيرات الليلية حاملين "المنارات" والشموع في أزقة قرطبة وغرناطة وفاس وتلمسان وبجاية وتونس والقيروان وطرابلس مثلما يفعل النصارى في عيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام حاملين التماثيل التي ترمز له ولمريم العذراء يجولون بها الشوارع... ولم يكن ذلك الاستلهام الديني الإسلامي الوحيد من الطقوس الروحية النصرانية بل اكتسح بعضُها حتى حضرات الإنشاد الديني في المساجد في تلك الربوع الإيبيرية...
وحدث أن مَنع السَّاسة الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف بقرارات رسمية، وأعاده آخرون بقررات مماثلة. وبقي هذا العيد يتأرجح بين مد وجزر حسب أهواء الحُكام، بِمَنْ فيهم المحتلون الفرنسيون في الجزائر، وحسب إمكانيات الناس وظروفهم، إلى أن بَلَغَنَا كما نعرفه اليوم في نُسخة شِبْه مُفرَغة من محتواها الرُّوحي الذي قامتْ من أجله قبل نحو سبعة قرون.
في الجزائر، ما بقي من تقاليد الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم سوى المفرقعات و"النُّوَالات" و"الصواريخ" النَّارية و"الجَاكْسْ" تقريبا وبعض الطبيخ التقليدي الذي يعود دوريا إلى الموائد كالكسكس والتّْشَخْتْشُوخَة والثَّرِيدَة والرَّشْتَة، حسب المناطق والعائلات، في مثل هذا النوع من المناسبات. بل يوجد مَن أقحم فيه الشوكلاطة وما تيَسر من القسطل والفستق واللوز ومختلف الحلويات...
لكن هناك مَن بقي محافظا أيضا على عادة إيقاد الشموع داخل بيوت المنازل والشرفات وعلى إقامة "الحضرات" الصوفية في المساجد والزوايا والأضرحة حيث تُنشَد المدائح والتوسلات كما يحدث إلى اليوم في مسجد ضريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي في قصبة مدينة الجزائر مثلما كان يحدث على عهد الشاعر والمفتي سيدي محمد بن الشاهد وتلميذه سيدي أحمد بن عمّار في منتصف القرن 18م خلال العهد العثماني...
هكذا إذن كان عيد المولد النبوي الشريف في بداياته. وهكذا هو اليوم، وتحديدا في هذه الليلة التي عاد فيها إلينا ربَّما حاملا معه خيرا وبركات وآفاقا سعيدة وأعمارا مديدة لكم ولكل مَن تُحبون وتعزون.
فمبروك مولدكم، أعاده الله علينا وعليكم بالطمأنينة والصحة والهناء، وأبعد عنكم كل مكروه وشقاء...

 

https://www.youtube.com/watch?v=rcz7UhPXwn0&feature=youtu.be

https://www.youtube.com/watch?v=Z_nYOLRoBKs

شوهد المقال 49 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ الانتخابات المستحيلة وإعادة اختراع "الشعب"

نجيب بلحيمر   ثلاثة أيام من الحملة الانتخابية كانت شاقة وطويلة على المرشحين الخمسة. كل المؤشرات تقول بأن المخاطرة لم تحسب جيدا من طرف السلطة الفعلية،
image

العربي فرحاتي ـ حتى يخرس الخراصون ..انعدام معايير الإنتخاب في الجزائر

د. العربي فرحاتي  ما أجملها من قيمة إنسانية حين نجعل "من الحبة قبة " في مثل حدث المرأة التي إعتدي عليها بالملاسنة..ما أجمل أن
image

محمد هناد ـ أصل الداء ..قيادة العسكر باسم الشعب

د. محمد هناد  إصرار القيادة العليا للقوات المسلحة على المضي، بسرعة، بالانتخابات رغم المعارضة الشعبية الواسعة لها لأسباب لا تحتاج إلى توضيح، يدل على أن
image

نوري دريس ـ برنامج مرشحو هواة التعيين

د.نوري دريس   حتى بوتفليقة في حملته الانتخابية الاولى , كان يقول انه سيحارب الفساد و يسترد الأموال المنهوبة...و حصيلة رئاسته باتت معروفة, و اللخزي الذي لحقه
image

فارس كمال نظمي ـ الثورة ... بين النقصان والاكتمال..!

 د.فارس كمال نظمي  يقول فكتور هوجو: ((الثورة فيضُ غيظ الحقيقة))، لكن الحقيقة لا تتحول إلى ملموس واقعي متحقق على الأرض دون إطار سياسي ذي حدٍ
image

مصطفى قطبي ـ تصعيد الاقتحامات والانتهاكات للحرم القدسي... هل هو تحضير لمخطط تهويد الأقصى وإعادة بناء الهيكل المزعوم...

مصطفى قطبي* ما يجري من عدوان يومي ممنهج بحق المسجد الأقصى من قبل شرطة الاحتلال ومستوطنيه تخطى كل عدوان سابق وكل ما يمكن تخيله منذ
image

نجيب بلحيمر ـ تبون.. الإثارة ومخرج النجاة

نجيب بلحيمر   هل للجيش مرشح في انتخابات 12 ديسمبر؟ رئيس الأركان أجاب قبل طرح السؤال بأن الجيش لن يكون له مرشح، وبالأمس فقط قال
image

أحمد سعداوي ـ انتفاضة تشرين العراقية

 أحمد سعداوي    قد لا يبدو من الواقعي القول أن انتفاضة تشرين انطلقت منذ البداية بوعيٍ حاضر للاعتراض على النفوذ الإيراني، أو أن الكثير من
image

رضوان بوجمعة ـ انتخابات في الجزائر تحت ضغط الاعتقالات والمظاهرات (1)

د. رضوان بوجمعة  تبدأ اليوم الحملة الانتخابية للرئاسة الجزائرية التي عُيّن لها موعد 12 كانون الأول/ ديسمبر. فمن يكون هؤلاء الخمسة الذين أعلنوا ترشحهم وما

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats