الرئيسية | الوطن الثقافي | إحياء الحضارات البائدة : حقائق و خفايا

إحياء الحضارات البائدة : حقائق و خفايا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


بقلم : محمد محمدي الحموشي ـ المغرب ـ

في البداية يجب أن نؤكد على حقيقة و منها ننطلق الى التحليل ، و هذه الحقيقة تقول ان ما أصبح يسمى بإحياء الحضارات المندثرة و البائدة سواء تعلق الأمر هنا بالمغرب، او في باقي دول العالم الإسلامي ليس حبا في عيون أهل تلك الحضارات و ليس عملا تاريخيا أو علميا، بقدر ما هو عمل سياسي أديولوجي سلفا .
إن أول ما يمكن ملاحظته في هذه الحركات الإحيائية أنها إنطلقت مع الزحف الإستعماري في القرن الماضي ،إلا أن إنتشار هذه الحركات او إنحسارها ، كان رهينا بمدى جهاد و مقاومة دول العالم الإسلامي للإستعمار إذ كان يقدم المستعمر هذه الحركات كسلاح لتفتيت و تجزئة الكيان الواحد تحت شعار "فرق تسد" لتكريس الإقليمية و التجزئة حتى تسعى كل حضارة لتصبح وطنا و دولة و أمة .
ان طبيعة التنوع البشري و اللغوي للعالم الإسلامي بفعل إعتناق شعوب و قبائل مختلفة للإسلام ، و دخولها فيه أفواحا و كذلك لطبيعة الإسلام باعتباره رسالة إنقاذ و انعتاق من كل تسلط و قهر ،مما يجعله حجرة عثرة في وجه أطماع المستعمر ، و ايضا مع فشل المواجهة المسلحة عبر التاريخ بداية من الحروب الصليبية الى هذا القرن، فان ورقة إحياء الحضارات البائدة و المندثرة أصبحت ورقة رابحة و غير مكلفة ٠
يقول سيلر يونغ : ( إننا في كل بلد إسلامي دخلناه نبشنا الأرض لإستخراج حضارات ما قبل الاسلام ،و لسنا نطمع بطبيعة الحال أن يرتد المسلم الى عقائد ماقبل الاسلام، و لكن يكفينا تذبذب ولائه بين الاسلام و تلك الحضارات ) 1
و لهذا كان إحياء الفرعونية في مصر ، و الفينيقية و الكنعانية في الشام، و الاشورية و البابيلية في بلاد الرافدين ،و الأمازيغية ـ البربرية في شمال افريقيا من مخططات الإستعمار التي جند لها كل الإمكانيات المادية و البشرية و العلمية لنفخ الروح في العظام النخرة و نصبها كمشاجب لمصالحه و الإبقاء على امتيازاته٠
و يتحلى ذلك بشكل واضح و فاضح في تعامل فرنسا مع شمال افريقيا ،إذ بعد أن وقف جل سكان شمال افريقيا صفا واحدا للدفاع عن أراضيهم و دينهم ولو أبيدوا جميعا ضد التدخل الاستعماري الفرنسي ،إلتجا المستعمر الى إحياء الأمازيغية ـ البربرية لتمزيق وحدة الصف و تشتيت الشمل حتى يستطيع الإبقاء على الاستعمار٠
فلقد جاء في أطروحة جودي فري ـ مونبين ( من الخطر أن نترك كتلة ملتحمة من المغاربة تتكون و لغتها واحدة و أنظمتها واحدة لابد أن نستعمل لفائدتنا الغبارة القديمة "فرق تسد" إن وجود العنصر البربري هو آلة مفيدة لموازنة العنصر العربي و يمكننا أن نستعمله ضد المخزن – الحكومة المراكشية – نفسه ) ـ2ـ
و من هنا كان إهتمام المستعمر بهذه القضية و لايزال ،لقد إعترف لوويس ماسسيعنون في رسالة له سنة 1951 قائلا ( ان قضية البربرية أقلقت ضميري من الناحية الدينية و العلمية على مدى السنوات 1909 الى 1913 اذ ألح علي الاب دو فوكو كتابة و شفويا في أن أقف حياتي بعده على هذه الحركة التي كان عليها أن تقضي على اللغة العربية و الإسلام في بلاد شمال أفريقيا التابعة لنا لتحل اللغة الفرنسية و النصرانية محلها ، و ذلك في مرحلتين : البحث في أصول اللغة البربرية و تقاليد البربر العريقة ، ثم إدماحها بمقتضى قانون فرنسي و مسيحي أعلى ، و قد إستحسنت هذه النظرية مثلي في ذلك مثل جميع المبتدئين و القراء ، و قد آمنت حينئذ بإستقلال هذه الحركة البربرية ، لإدماج سكان بلاد القبايل بتنصيرهم و تجنيسهم بالجنسية الفرنسية ) ـ 3 ـ
لهذه القضية جندت فرنسا طاقات بشرية و مادية هائلة ، راحت تعمل من خلالها لإبقاء الإستعمار على حاله خاصة بعد إنسحابها عسكريا من الميدان ، و هذه النواة أو اللوبي الفرنسي تعمد إليه فرنسا ( الأم ) كلما رأت أن إحدى مقدساتها مهددة في البلاد ٠
وهذا اللوبي يتشكل من عناصر الأمازيغوفونية كنواة ، بالإضافة الى أصحاب الفكر المغترب من يساريين و يمينيين حتى من غير الناطقين للأمازيغية ، ولهذا اللوبي هدف آني يتجلى في محاربة اللغة العربية و الخط العربي ، و ذلك بنشر اللهجات الأمازيغية بحروف لاتينية ، وذلك تناغما مع سياسة المرشال ليوطي القائل :( ان اللغة العربية عامل من عوامل نشر الإسلام ، إذ أن تلك اللغة تعلم من خلال القرآن ، لكن مصلحتنا تفرض علينا أن نجعل البربر يتطورون بعيدا عن الإسلام ، يجب أن نحاول في الميدان اللغوي ) ـ4ـ ؛ و أيضا تحت دعوى أن ( الحرف الاتيني هو السائد ، و أن محاولة تدريسها و كتابتها بالعربية ـ و القصد هنا الأمازيغية ـ سيجعلها محدودة الإنتشار ، ذلك أن العربية تتعامل مع نظام صامت ، مما يجعل الأمازيغية المكتوبة بخطها غير المشكل دون أي معنى ) ـ 5 ـ ٠
أما أساليب هذا اللوبي و أهدافه ، يمكن حصرها في الآتي :
ـ كسب أرضية عريضة من الشباب المتعلم باللغة الفرنسية
ـ كسب الوقت للتمكين من غرس الأفكار الإنقسامية ، و تعميق الشعور بالهوة العريقة ، و إعتبار " الفتح " الإسلامي غزوا ، و أن العرب عنصر دخيل وجب ترحيله ، بل أن البعض لا يتوانى عن ترديد ( يجب أن يرحل العرب و بما جاؤوا به !!! ) ٠
ـ كسب تأييد فرنسا المطلق ، طالما أن هدف هؤلاء في الوقت الراهن محاربة اللغة العربية لصالح اللغة الفرنسية ، رغم أنهم لا يجدون لغة تسعفهم أكثر للترويج لأفكارهم و آرائهم مما تسعفهم اللغة العربية من خلال التفنن في إستعمال أساليبها ، و أنماطها البيانية دونما قصور ، أو خجل أو حياء ، علما أن الأمازيغية حاليا أو مستقبلا ، لا يمكن لها أن تستغني عن لغة حية ، و بطبيعة الحال ستكون هي اللغة الفرنسية !؟ ٠
ـ تحقيق حلم الإستعمار القديم لفرنسا الذي يهدف تحقيقه على المدى البعيد ، وهو الإبقاء على اللغة الفرنسية كلغة موحدة لجميع المواطنين ، مع إبراز اللغة العربية من خلال اللوبي كعامل في الإنقسام و العنصرية ٠
ـ ربح الوقت لضرب الروح الإسلامية لدى الشباب المنحل ، و هو العامل الجوهري في الحفاظ على الوحدة الوطنية قديما و حديثا ، الى جانب نشر المسيحية ، و ما تطالعنا به الجرائد الوطنية حول الحركة التنصيرية خير دليل ٠
هذه بعض الأساليب و أهداف هذا اللوبي ، غير أن أكثر المواقف تعصبا و شوفينية تلك التي يتم تداولها داخل دهاليز الإطارات الجمعوية التابعة لهذا اللوبي ، لكن المؤسف حقا هو إنسياق مجموعة من الشباب من غير وعي و بالعاطفة فقط وراء هذا اللوبي٠
لقد كشف أحد أساتذة الكمياء في جامعة القدس و هو صهيوني ، عن وثيقة سرية أعدتها المخابرات الصهيونية ـ الموساد ـ بتعاون مع المجلس العالمي للماسونية ، تحت عنوان " الإستراتيجية الإسرائيلية في الثمانينات "؛ و هذه الإستراتيجية تعتمد على تفتيت وحدة العالم الإسلامي بإحياء النعرات القبلية ، و الطوائف العرقية ، لتلهية الأمة عن التحدي الحقيقي المتجلي في الإستعمار و التبعية ٠ و هكذا يتجلى لنا خطورة هذا المخطط الرهيب على مستقبل الأمة الإسلامية و الإسلام ، إذ أن هذه الحركات " الإحياء " موجهة ضد وحدة الأمة من جهة ، و ضد الإسلام و قيمه من جهة أخرى ، للإرتماء في أحضان التجزئة الإستعمارية ، و العودة للصنمية و الوثنية ، فهل من معتبر ؟!
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
الهوامش :
١ـ سيلر يونغ ( الشرق الأدنى : ثقافته و مجتمعه ـ من منشورات الألف كتاب ـ وزارة التعليم العالي ـ القاهرة ٠
٢ـ أطروحة جودي فري ـ مونبين ( عمل فرنسا بالمغرب فيما يخص التعليم / ص 19 نقلا عن كتاب الحركات الإستقلالية في المغرب العربي ـ ط 4 ص 141/143 لعلال الفاسي ٠
٣ ـ مذكرات من التراث المغربي ـ ج 5 ص 252/253 ـ مجموعة يشرف عليها العربي الصقلي ٠
٤ ـ نفس المصدر ص 251
٥ ـ من محاضرة بعنوان : الأمازيغية بين الحرف العربي و اللاتيني ـ قدمها محمد بودهان يوم 17 يوليوز 1997 في ضيافة جمعية نوميذيا بالحسيمة ٠

التحرير : سعداء جدا بهذه المساهمة الجادة من الباحث المغربي المتميز  محمد محمدي الحموشي ، نتمنى أن تتواصل عطاءاتكم القيمة خدمة للقارئ الكريم

شوهد المقال 3036 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الباقي صلاي ـ لمن يشكو المواطن ظلم الوالي!

  عبد الباقي صلاي  عندما كثر الحديث عن منصب وسيط الجمهورية الذي بدأت ملامحه تتضح أكثر فأكثر على الساحة الوطنية خلال الأيام الأخيرة،وغضا
image

علي سيف الرعيني ـ مدينة تعز روحانية الزمان

علي سيف الرعيني  عندما يشنف اذاننا صوت ايوبترتعش المراياوتنبض الاماكن وجدا وشجواً يجرحك أيوب بصوته الطافح بالحزن كما تجرحكَ أوراق الذرة اليانعة ويرويك بظمأه حين يسافر
image

وجيدة حافي ـ أُوكسجين يا مُحسنين

 وجيدة حافي   في الآونة الأخيرة ومع إنتشار مرض الكُورونا أصبح الوضع لا يُحتمل في بلدنا، مُستشفيات مُمتلئة بالمرضى وآهاتهم، ضغط كبير تسبب في ضُعف الخدمات الطبية،
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

5.00
Free counter and web stats